الإنسان بين قيد الشهوة وسلطة العقل

عادةً ما يبحث الإنسان عن نفسه في غيره.

فكِّر أو كن عبدًا لمن يفكِّر، إنَّ الإنسان ليس حرًّا، ولكنه يملك الإرادة والقدرة على الفعل، وإرادة الإنسان توجد بداخله وليست خارجة عنه، ويعبِّر عنها بأفكاره وسلوكه.

نعم، إنها الإرادة، هي الجوهرة البرَّاقة التي تصنع من الإنسان كائنًا مفكِّرًا.

والصراع في حقيقته هو صراع الإرادات، وليس صراع الذوات؛ لأن الذات تتحقَّق بتحقيق الإرادة، وهذا الصراع غايته تحقيق إيرادات معينة وإطفاء إيرادات أخرى.

ويتشكَّل لدينا نوعان من الصراع: الأول يكون خارجيًا، والثاني داخليًا.

أما الأول فينقسم إلى قسمين: صراع بالقوة، وصراع بالعقل.

أما الثاني، فهو صراع بين العقل والنفس.

النوع الأول

يكون مع الآخر، كلٌّ من الطرفين يستعمل قوَّته ليحقق إرادته، فتتحقق إرادة الأقوى.

ولكن حينما يسير الأمر على هذا النحو، يبحث الضعيف عن طريقة يمكنها أن تردَّ له إرادته، فيلجأ إلى عقله.

هنا يبدأ الصراع الحقيقي. ولكن عندما يدرك القوي خطورة هذا الصراع، يصبح هو الآخر يقاوم بنفس الطرق، فيفقد أحدهم إرادته حسب قوة القدرة العقلية التي يحملها.

وأقوى قدرة عقلية يمكن أن تُخضع الإنسان هي التفكير في نفس الآخر التي تُحب وتشتهي وتتلذذ وتنبهر بالسكر والعسل.

إن القوي هو من يستطيع التحكُّم في نفسه، وفي الوقت نفسه يستطيع التحكُّم في نفس غيره.

الصراع الثاني أو النوع الداخلي

هو الصراع الذي يمرُّ به من يحاول التحكُّم في نفسه بعقله، وهذا الصراع صعب؛ لأنك تحاول فصل نفسك عن عقلك، وفي الآن ذاته تحاول فصل النفس عن شهواتها.

ربما ستعيش في شقاء حينما تحاول وتفشل، ولكن حينما تنتصر على نفسك، كن على يقين أنك ستنتصر على غيرك وتُخضعه بإرادتك؛ لأنك وصلت إلى أقصى ما يمكن تحقيقه من الإرادة.

ولكن قبل طرح السؤال: «كيف يمكن التحكُّم في النفس؟»، يجب أولًا طرح السؤال التالي:

كيف يصبح الإنسان الذي يفقد إرادته بسبب عدم التحكُّم في نفسه؟

انغماس الفرد الضعيف في الشهوات يؤدي به إلى الإدمان، والتأقلم يجعله ينسى الألم الذي يسببه له الآخر المسيطر. فقط ينسى، ولكن الألم يعود، فيعود لشهوته من أجل متعة وجيزة تُنسيه مرة أخرى ألم انهزامه أمام خصمه بسبب نفسه.

إنه كغريق، تارة يصعد إلى الأعلى فيطلب النجدة ويستنشق الأكسجين قدر المستطاع، ليعود بسرعة إلى الماء فيُعذَّب بقسوة أشد من قبل.

فلن ينجو إن لم يهدأ، ولن ينجو إذا كان لا يعرف السباحة.

إن الضعيف ضعيف أمام نفسه قبل أن يكون ضعيفًا أمام غيره.

وعوض أن يستغلَّ الإحساس بالألم ليعزز قوَّته ويتخلَّص منه بشكل كلي، يهرب منه نحو اللذة والشهوة.

إن الهروب لم يكن حلًّا أبدًا، والاستسلام أيضًا لم يكن حلًّا على الإطلاق، فربما ستصبح أكثر ألمًا في كلتا الحالتين، وقد يُماثل الألم ألم الصراع في حينه.

إن الهرب من الألم جُرم ترتكبه في حقك، ولن يعاقبك أحد، لأن زيادة الألم تكفي كعقاب لك، وهذا أقصى حد من العقاب وهو زيادة الألم في كل حين.

إذًا، ماذا على المنهزم أن يفعل ليستطيع التحكُّم في نفسه؟

إن اختراق السهم للجسد سهل للغاية، ولكن إزالته صعبة جدًّا، ودرجة الألم خيالية.

ولكن بعد هذا الألم ستأتي راحة طويلة يجب الحفاظ عليها.

إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب وقتًا طويلًا، ولكن سأحاول أن أقول البداية فقط، سأقدِّم لك رأس الخيط:

إن النفس لنستطيع هزمها، بالضرورة يجب حرمانها من كل لذَّة من اللذات التي لن تزيد شيئًا ولن تنقص شيئًا من وجودي.

سأستعين بمن هم مثلي لكبحي عن أمور أفعلها بالقوة.

سأكون ضد كل فعل أحب فعله، ودواليك.

ولكن هذه بداية لمعركة جديدة تنجيك من الخضوع وتُعيد إليك إرادتك.

لذلك، يجب عليك أولًا أن تعي بكونك خاضعًا لنفسك، وبذلك خاضعًا لغيرك.

وهذا ما سيأتي في مقال آخر تحت عنوان جديد: «نفسي والبقية أعداء لي».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.