الإكتئاب سرق صديقتي.. قصة قصيرة

يسرني باسم فريق التحكيم الإعلان عن القرار الذي توصلت إليه اللجنة بتوافق عن الرواية الفائزة بجائزة العالمية لفئة الشباب عام 2020م الرواية هي: لم نجد أي ملجأ للكاتبة الشابة لمار نظير. 

هنا علت أصوات التصفيق الحار القاعة فوقفت فتاة في مقتبل العمر تصعد المنصة لتستلم جائزتها، يقدمها الكاتب الألماني المشهور "هاري جون".

وقفت على المنصة أخذت جائزتها، والتفتت تتفحص الحاضرين بنظرة سريعة شاملة، فكل جالس في هذه القاعة من محبي الأدب والمعروفين بأعمالهم المتقنة، وهذا ما قدم الشجاعة لمار من أجل تقديم كلمتها...

مساء الخير لكل شغوف بالأدب، جالس ينصت لكلمات مبتدئة في بداية مشوارها، أنا ممتنة للجنة التحكيم؛ لأنهم اختاروا روايتي لشرف عظيم كهذا، كما أني ممتنة لفئتين من ناس مروا على حياتي، فئة زرعت القوة والأمل وشجاعة فحثتني على التقدم خطوة بعد خطوة، وفئة سلبية عملت على تحطيمي فكان ذلك حافزًا لتحريك قلمي، شكرًا لكم جميعًا. 

ابتسمت لمار ثم نزلت من المنصة تحت تصفيقات الحاضرين...

أنا متأكدة أن البعض الآن يحسدوني، وبعض آخر يتمنون ما وصلت له، حسنًا لأن هذه ذاتي الحالية، أما ذاتي السابقة فكانت الأكثر معاناة. 

أنا لمار...17عامًا... طالبة في الثانوية، الصف الثالث الثانوي، تخصص هندسة ميكانيكية، تتكون عائلتي من 5 أفراد... أبي عامل بسيط وأمي ماكثة بالبيت، أملك أخًا أكبر مني يدعى شادي، يدرس في الجامعة، وأخت صغيرة تدعى تاليا...

لا أملك صفات الجمال ولا الذكاء ولا حتى المال، لم أملك أي شيء مما ذكرت سابقًا، لكن امتلكت شيئين اعتبرتهم أغلى شيئين في حياتي...

أولًا صديقتي دانية فتاة مرحة... غمازاتها التي كانت تفتخر بها... لم تختفي أبدًا من وجهها، فابتسامتها مدتني بقوة وثقة وشجاعة... شعرها الأسود الطويل المموج التي كانت دائمًا ما تزينه بدبابيس شعر مختلفة الألوان، ذكية جدًا، تجيد عدة لغات، ولكنها تفضل اللغة الإنجليزية... روائية ممتازة فكل القصص التي تخرج من نسيج خيالها تدهشني، متفائلة لأقصى الحدود، وثانيًا قلمي فأنا روائية كذلك لم أصل لمستوى دانية لكني أحببت الكتابة فقد وفرت لي عالمًا سرمديًا أحقق فيه كل أحلامي. 

تعرفت على الكثير من الناس، تنمروا على... أهانوني... جرحوني ولم أكن قادرة على الرد؛ لأن شخصيتي ضعيفة... وبسبب مضايقاتهم أصبحت أضعف، لم تكن لدي ثقة بنفسي، وكلما كنت أفكر بفعل شيء كانت تراودني شكوك بشأن قدرتي على فعله، كنت مترددة جدًا ولم أحبذ اتخاذ قراراتي بل اعتمدت على قرارات الناس المحيطة بي، مرت بي عدة مواقف تمنيت فيها الموت، وصلت للحافة رفعت قدمي، وما تبقى مني إلا قدم أخرى، وينتهي كل شيء، لكن كان يوجد بصيص أمل يرفع معنوياتي، إنها صديقتي كما سبق وذكرت...

دانية التي جمعتني بها دراسة في صف ثالثة متوسطة، وهوايتي أغلى ما أملك، بدأت هوايتي منذ مرحلة الابتدائية، فكنت أحب التعبير بمختلف مواضيعه، والذي كان يقدم كواجب منزلي كما أنه كان يثير تذمر كل التلاميذ، لكن وبعكسهم كنت أفضله، وأنتظر عودتي للمنزل بفارغ الصبر لأشرع فيه، تطورت هوايتي بعد ذلك وأصبحت أبني قصة بعدة شخصيات ومختلف الأحداث، لم أتوقف هنا ودخلت عالم الروايات في صف الثانية متوسط، أصبحت أكتب روايات متكاملة لم يعرف أحد هوايتي حتى أفراد أسرتي، فقد اعتبرتها سرًا خاصًا بي، أو ربما في أعماق قلبي، كنت أخجل أن أفصح بها بسبب طبيعة شخصيتي، في كل مرحلة من مراحل دراستي ألتقي بمتنمر بل متنمرين فكنت أتعرض لعدة إساءات من طرف زملائي، كنت أهرب من واقعي نحو عالم خيالي، وأفرغ كل طاقاتي السلبية في أوراقي...

وعدت نفسي أني لن أتخلى عن قلمي، وعندما أفقد إلهامي كانت نفس الأسئلة تتكرر في رأسي. 

هل أنا ضعيفة لهذا الحد لأواجه العالم بحلمي؟ هل جف قلمي أم أن مخيلتي فرغت من الأفكار؟ هل كنت في وهم؟ أم أني لا أملك الموهبة وكانت كتاباتي مجرد صدفة؟ 

هل هذه النهاية؟ نهاية كاتبة لم تباشر مشوارها...

التنمر الذي مررت به كان يغذي الاكتئاب الذي يحيط بي، الاكتئاب ليس مزحة، ولا أبسط الأمراض النفسية، فأنا كنت في الثالثة عشر من العمر، وكنت أشعر أن الظلام يبتلعني شيئًا فشيئًا، والكره والحقد نحو العالم ينمو بداخلي، وكذلك الحزن، وكنت أشعر أن السعادة تنسحب من حياتي شيئًا فشيئًا... وأحسست ليس بعد المضيق الفرج، لما المضيق يضيق والفرج لا يأتي...

في ذلك الوقت أردت النهاية، لأن الدموع الغادرة لم تتركني، وكنت أشعر أن حياتي تتعقد وحتى قلمي خانني لم أستطع كتابة حرف واحد كان بالفعل يدعمني ويزيل طاقاتي السلبية...

فجأة تغير كل شيء في صف ثالثة متوسط في عمر الرابعة عشر من العمر، لم ينتهي التنمر لكني تعرفت على صديقتي دانية، فتاة مرحة لأقسى الحدود، فكل كلامها لا يخلو من الحس والفكاهة، رغم أنها كانت تتعرض لمضايقات هي الأخرى، إلا أنها لم تفقد ثقتها بنفسها أبدًا ولم تفقد ابتسامتها أيضًا فغمازاتها تزين وجهها على الدوام، كما أنها تملك نفس هوايتي مما أشعلت شغفي من جديد، وزرعت اللّامبالاة في نفسي، لم تعد مضايقات زملائي تهمني، ولا عدم اهتمام عائلتي، أصبحت أملك حلمًا واضحًا أن أكون روائية مشهورة وأحارب العالم لتحقيق ذلك، فحياتي ملك لي وهي واحدة لا تتكرر... جعلتني أرى الحياة بمنظور مختلف تمامًا...

أكبر همومي اختيار مواضيع لنتحدث عنها أنا ودانية، كنت أتمنى ألا ينتهي الدوام المدرسي فذلك سيفرقني عنها وأتمنى طلوع يوم جديد لألتقي بدانية. 

رغم أني لم أكن ذكية مثلها، ولم أكن أتقن إلا اللغة الفرنسية بعكسها، ولم تصل نوعية قصصي لقصصها إلا أنها كانت تدعمني كثيرًا، وتحثني على دراسة جملتها المفضلة. 

إما أن أحقق حلمي أو أحققه لا يوجد خيار آخر...

متفائلة لأقصى الحدود فحتى في أقسى الظروف كانت ترفع معنوياتي ولا تتركني حتى ترى ابتسامتي، لم تنسَ يوم ميلادي يومًا، فقد كانت دائمًا تجهز هديتي كذلك أنا... أحبتني جدًا كما فعلت، فقد كانت تقطع مسافة طويلة من منزلها لمنزلي حتى نتوجه لمدرسة معًا... وتبدأ ثرثرتنا منذ الصباح الباكر، أحببت الدراما كثيرًا فحين نتحدث عنها يظهر وجهها الطفولي، كنا نقضي أحاديث طويلة والضحكات تملأ وجهينا.

دائمًا ما تردد كلام يجعلني أمتلك شجاعة كبيرة. 

لن أستسلم، سأكمل طريقي فوق الأشواك وسط سخريات الناس، سأفرض وجودي، وهذا ليس مجرد كلام فأنا فعلًا عازمة على تحقيق حلمي... دومًا تقول لي. 

أبقي روحك معنوية مرتفعة وستكون كل الأمور بخير، يجب أن نثق بأنفسنا وستتحول كل أحلامنا لواقع نعيشه... برغم أن بعض الفتيات الحقودات حاولن تحطيم هذه الصداقة إلا أنهن فشلن... فكما تقول دانية مهما حدث بين الأصدقاء فالمحبة باقية...

بدأنا في كتابة روايات مشتركة بيننا... وكما يقولون ما إن تحمل القلم لتشرع في روايتك فستجد نفسك في بعد آخر تسمع أصوات لا يسمعها غيرك وترى أشخاصًا لا يراهم أحد غيرك... بفعل كنا نشعر بشخصياتنا وعالم رواياتنا...

بفضل دانية عاد شغفي للكتابة وأكبر مما سبق، شخصيتها القوية أثرت علي بشكل كبيرًا وتغيرت شخصيتي، أصبحت أقدر نفسي، وأثق بقدراتي وأدركت أن بعد الجهد تحصد النجاح...ارتفعت معدلاتي... 

دانية استطاعت رؤيتي على حقيقتي، ومدت يدها لتخرجني من تلك الدوامة، هنا تكتشف أهمية مصاحبة الإيجابيين.  

في ذلك الوقت قررت أن أعيش لحلمي، وأحلم لحياتي لأنها ملك لي... تغيرت حياتي في الصف ثالث متوسط بعام 2016م بعد لقائي بدانية، أكملت صداقتنا مسيرها في عام تالٍ، ففي الصف رابعة متوسط أصبحنا نشارك في المسابقات الأدبية، وفزنا بمعظم المسابقات التي شاركنا فيها... نقصت كتابتنا في نفس العام ليس لأننا فقدنا الأمل أو الإلهام بل للتفرغ لدراستنا وتجهيزًا لشهادة التعليم المتوسط، فكنا نقضي ساعات طويلة للدراسة حتى في أيام العطلة، فإما أن تأتي للمبيت في منزلي أو أتوجه للمبيت في منزلها... نجحنا في اجتياز الشهادة بمعدل مرتفع جدًا لدرجة أن الصدمة والمفاجأة احتلت الجميع...

انتقلنا للمرحلة الثانوية تخصص علوم تجريبية، وعدنا لشغفنا في الكتابة والمشاركة في المسابقات الأدبية... كنت ودانية في نفس الصف ومر على صداقتنا ثلاث سنوات... عشنا بمرح طبعًا، فالمضايقات والإساءات لم تختفِ رغم اختلاف الأسباب، ففي الصف الأول الثانوي كنت ودانية نتعرض لنقد بسبب هوايتنا فكيف يعقل لشخص في شعبة العلوم أن يحب الأدب، وينجح في دراسته؟ فعلًا الغيرة مرض فظيع يؤثر على صاحبه بشكل كبير...

في العام الثاني ثانوي لم نختر نفس التخصص، فاخترت هندسة ميكانيكية، وأما دانية فاختارت شعبة رياضيات، لم تمنع اختلاف شعبتنا من إكمال مسير صداقتنا، ولا التوقف عن شغفنا في الكتابة... لكن الموت ضيف غير متوقع يحضر دون إذن فعائلة دانية تعرضت لحادث مؤسف... في يوم واحد فقدت دانية كل أفراد عائلتها، وكانت ضربة قوية عليها فقدت كل الاتصالات بالعالم الخارجي، وسقطت في دوامة الاكتئاب...

أصبحت تعيش مع جدتها لم يتغير حيها، فمنزل جدتها في نفس حينا، بذلت أقسى جهدي لأقف معها... أنا فعلًا فعلت ما بوسعي لأقف بجانبها أعرف أني لن أعوضها على ما فقدت لكن على الأقل دعمتها لتواصل حياتها...

لكن فعلاً الاكتئاب ليس مزحة فقد ترى شخصًا يبتسم ولكنه في الحقيقة روح ميتة، وعقول الناس مريضة لم تتغير، فقد استمرت مضايقات الناس لها، وقد أصبحت تؤثر بها، ففقدانها لعائلتها جعلها حساسة أكثر... نعيش في مجتمع غبي لن يتطور، وبه أشكال من أناس تتعامل بما يناسبها، أليس الإسلام ديننا وأكثر شيء دعانا إليه الرحمة؟ ألم يقل الله تعالى: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء؟"  

أي شخصية يحملها هؤلاء؟ أيجدون من السخرية بخلق الله متعة؟ لم تكن دانية قادرة على الرد إلا بابتسامتها التي جعلتهم يتمادون، لم يكتفوا بظلمها والإساءة إليها بل إنهم كانوا مقتنعين بأنهم الضحية، وأن دانية تستحق ذلك، ماذا تفعل يتيمة لم تعد قادرة على اقتناء ملابس جيدة كملابسهم، لم تكن يومًا الملابس أو المال مقدارًا لتقييم الناس، لكن للأسف في نظرهم كانت مقدارًا للتعامل. 

انغرس اكتئاب فيها، صديقتي متفائلة خطفها اكتئاب مني، لم تمت بمرض أصابها أو حادث مفاجئ حل بها، صديقتي انتحرت، فضلت إنهاء حياتها، كما قلت الاكتئاب ليس مزحة فهو لا يترك شخصًا إلا إذا أنهى حياته، يجعله يكره العالم والناس والحياة حتى يصل لذاته ويكرهها هي الأخرى، التنمر التي كانت تمر به غذى الاكتئاب الذي حولها وغرسه فيها. 

كان الجو ماطرًا أو حتى الغيوم تبكي، ورعود تصرخ علها تقنعها بتراجع في قرارها، لكن صديقتي كانت بالفعل تمتلك شخصية عنيدة، فحتى حين قررت الانتحار، لم تتراجع عن قرراها أبدًا...

الاكتئاب وحش مخيف تظن أنك إذا واجهته ستنتصر عليه، لا فهو يتلاعب بك ويدمرك تمامًا.. 

لم تفتخر الناس بالإساءة وظلم أشخاص أضعف منهم؟ السخرية من الناس ليست متعة، والتنمر الغذاء المفضل للاكتئاب، والاكتئاب ليس مزحة، إنه وحش خطير يكسر حتى أقوى الناس...

الاكتئاب وحش يأكل الإنسان ببطء، ويبتلعه تمامًا، يجعلك تكره حتى نفسك...

حملقت لمار في الجائزة التي تحملها ثم رفعت نظرها للحاضرين: أقف الآن أمام حلمي وحلم دانية، ألست صديقة سيئة؟ كان عليّ أن أبذل جهدًا أكبر لدعمها في محنتها كما دعمتني وغرست الأمل بي، لم أستطع أن أدعمها بنفس الطاقة التي كانت قد دعمتني بها، خلت أنها تجاوزت تلك مرحلة وعادت لقوتها، لم أستطع رؤية نقصان ابتسامتها ونقصان ثرثرتها ولم تستطع التغلب عليه...

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 8, 2023 - زكريا مرشد على حسن الشميري
Feb 7, 2023 - محمد الفاتح ميرغني علي عجيب
Feb 6, 2023 - محمد عبدالله جعفر بن يحيى
Feb 6, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 5, 2023 - وليد فتح الله صادق احمد
Feb 4, 2023 - نورهان إبراهيم عبدالله بنداري
Feb 4, 2023 - أنطونيوس عطية يوسف
Feb 4, 2023 - منال صبحي عبدالمعز
Feb 4, 2023 - نهاد محمد فؤاد ابو حجر
Feb 4, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 4, 2023 - محمد محمد صالح عجيلي
Feb 4, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 4, 2023 - عبدالتواب محمد عبدالتواب رفاعي
Feb 3, 2023 - احمد عادل عثمان
Feb 2, 2023 - احمد عادل عثمان
Feb 2, 2023 - د. حمدي فايد عبد العزيز فايد
Feb 1, 2023 - منال صبحي عبدالمعز
Jan 31, 2023 - علاء علي عبد الرؤف
Jan 30, 2023 - محمد إسماعيل الحلواني
Jan 30, 2023 - محمد محمد صالح عجيلي
Jan 30, 2023 - طلعت مصطفى مصطفى العواد
Jan 29, 2023 - ازهار محمد محمد عبدالبر
Jan 29, 2023 - د. شريف علي عبدالرؤوف
Jan 29, 2023 - أحمد السيد أحمد علي حسن
Jan 28, 2023 - أمل عبدالوهاب عبدالباري
Jan 28, 2023 - لطيفة محمد خالد
Jan 28, 2023 - فاطمة الزهراء دوقيه
نبذة عن الكاتب