كلمة العقل تأتي من الفعل عَقِلَ. نقول عَقِلَ يعقِل فهو عاقل، وعقل بمعنى ربط أو عقد بين شيئين، وكلمة عقل تطلق على مخ الإنسان؛ ذلك العضو المركب في الدماغ؛ وهذا لأن وظيفة هذا العضو هي الربط بين المعلومات والصور والتجارب الحسية والمعنوية التي يتلقاها ويحفظها، ثم يعمل على تحليلها وربط أجزائها بعضها ببعض للحصول على حكم معين أو تعريف محدد للأشياء.
آلية عمل عقل الإنسان
عقل الإنسان يشبه في طريقة عمله طريقة عمل الكمبيوتر من ناحية تزويده بالمعلومات والصور والمشاعر والتجارب والبيانات، وتخزين كل هذا وتحليله وربط بعضه ببعض للحصول على نتائج وأحكام حاسمة تكون مرجعً للإنسان، فكل ما يقوم به الإنسان قائم على هذا الجهاز الضخم المملوء بالمعلومات والمعرفة التي يكتسبها الإنسان منذ ولادته.

وهو في هذا يعتمد اعتمادًا كليًا على الحواس التي تستقبل هذه المعلومات، ويترجمها المخ أو العقل ويبرمجها، لكن العقل البشري يتميز عن الكمبيوتر بأنه غير محدود، وبأن له قدرة على التخيل تفوق قدرة الآلة؛ لأنه في الحقيقة مرتبط بشيء أعلى من المادة وهو الروح المرتبطة بالخالق سبحانه وتعالي.
فالطفل عندما يولد يكون عقله أو مخه فارغًا تمامًا مثل الكمبيوتر الجديد الذي لم يزود ببرامج أو معلومات فلن يزودك بأي أحكام أو إجابات.
الطفل لا يلتقط أي معلومات أو صور إلا بعد الشهر الرابع أو السادس من ولادته، ولا تعمل ذاكرة التخزين عنده إلا بعد بلوغ العامين ونصف تقريبًا حسب دراسات العلماء في هذا المجال.
نصل إلى نتيجة أن أحكام العقل تعتمد على ما لدى الشخص من علم ومعرفة وتجارب حصل عليها من بيئته وتعلمه ومستوى تعليمه، وكلما زاد علم الإنسان وتنوعت مصادره وزادت تجاربه؛ كانت أحكامه أدق وأفضل من غيره. ومع هذا كله تظل أحكام العقل عُرضة دائمًا للخطأ؛ فالعقل يعطيك ما لديه من معطيات فقط، فإذا كانت المعطيات غير صحيحة أو الصور مزيفة أعطاك بالتبعية أحكامًا غير صحيحة وتفسيرًا خاطئًا للأمور.
نحن نتعلم من الكتب والبحوث والدراسات القديمة والحديثة، ونستقي معلوماتنا منها ومن تجاربنا الشخصية، لكن أليس من الممكن أن تكون هذه الكتب والبحوث والنظريات حتى تجاربنا الشخصية خاطئة؟ هذا وارد جدًا. فكم من نظريات في العلم والمعرفة اعتنقها الناس سنوات عدّة، وعاشوا عليها، وبعد ذلك ظهرت نظرية أخرى تدحضها وتثبت فشلها.
أسطورة الكهف عند الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو المتوفى عام 322 قبل الميلاد
تقول الأسطورة إن مجموعة من الناس وُلدوا في كهف مظلم، وهم منذ ولادتهم مقيدون بالسلاسل ولا يستطيعون التحرك، أمامهم حائط وخلفهم نار تضيء المكان، فكانوا يرون ظلال النار على الحائط الذي أمامهم حتى استطاع أحدهم أن يفك قيوده ويخرج من الكهف ليرى الشمس والأرض والطبيعة، ويكتشف أنه توجد أشياء أخرى غير الكهف والحائط، لكنه عندما عاد وأخبر بقية المجموعة عن الحقيقة خارج الكهف اتهموه بالجنون وسخروا منه.
حاول الفيلسوف أرسطو بفضل هذه الأسطورة أن يشرح أن الناس محبوسون في الواقع الذي يعيشونه، ويعتقدون أنهم يرون الحقيقة، في حين أن ما يرونه هو نتيجة وظلال، وأنه يوجد عالم آخر وحقيقة لا يرونها.

خلاصة القول إننا بحاجة إلى التفكر والتأمل، وإلى إرشاد سماوي؛ لأن طبيعة العقل لا تستطيع أن تصل إلى الحقيقة إلا عن طريق الوسائط، وإن أعظم وسيط للمعرفة هو ذاك الإرشاد السماوي أو ما يسمى بالإلهام والعلم اللدنِّي، عند المتدينين يسمونه الفتح، هذا الإلهام والفتح متعلق بالروح وليس بالعقل، فعندما يسمو الإنسان بروحه ويتقرب من المعلم الأول الخالق سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيء علمًا فإنه يرشده ويلهمه ويعلمه ما لم يكن يعلم.
مقالة رائعة 👏
شكرا جزيلا لك 🌻🌺🌻🌺🍀
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.