لا أعلم هل أعُدُّ نفسي من الأجيال المحظوظة التي نشأت وتربت، وكانت الإذاعة فيها هي مصدر الأول للمتعة والخيال أم لا؟ على الرغم من وجود التلفزيون بالطبع، ولكن كل ما أعلمه، أنها كانت شاهدًا على تحولات كثيرة في تاريخ البشرية؛ ومنها تشكيل وعي كثير من جيلي.
اقرأ ايضاً ذاكره مليئه بالراديو و لمبة الجاز و سبيستون
ذكريات لا تنسي
فقد كانت الإذاعة جزءًا أساسيًّا وملازمًا للطقوس اليومية في كثير من البيوت المصرية قديمًا، بدءًا من الاستيقاظ وتحضير الفطور، وقبل الخروج للمدرسة أو العمل، وفي السيارة، وفي الموصلات العامة، أو حتى مع ربة المنزل في مطبخها، إلى صحبته الدافئة في سهرات الليل، والضحك والسمر على أضواء الشموع في كثير من الأحيان.
ومع نسمات كل صباح كان صوت الراديو وقرآن الفجر يكسر صمت الليل، ليعلن بدء يوم جديد، فقد صنع الراديو والإذاعة جيلًا مختلفًا مما هو عليه الآن، لما يتميز من سحرٍ بنكهة خاصة في تقديم البرامج الترفيهية والمتنوعة، الرياضة والفنون، حتى مع متابعة الأخبار والأحداث السياسية، التي تخاطب الأذهان وتؤثر فيهم، لتجعل سامعيها يتخيلون ما يسمعونه، إنها حقًّا أداة فعالة للاحتفاء بالحياة الإنسانية.
وبرسم معالم حياة المجتمعات بتنوعها بين شعوب ودول العالم أجمع، حتى بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وإنستجرام، تظل هي الوسيلة الأكثر تأثيرًا على قلوب محبيها.
اقرأ ايضاً الفن و الحمورية.. خطأ في برنامج إذاعي !
الراديو في طفولتنا
لم أستوعب أو أتخيل يومًا ما في طفولتي بأن ذلك الصندوق الأسود الصغير "بشكله القديم" تخرج منه أصوات تجذبني لأجلس بجانبه مستكينة ومستسلمة، لأستمع معه للمرة الأولى لحواديت "أبلة فضيلة"، فقد شعرت بها ومعها في كل حدوته، وكأنها تخاطبني حين تحكي مثلًا عن طفل مشاغب، وكيف كان عاقبه إذا أخطأ، أو عن طفلة هادئة مطيعة.
وكيف أحبها الجميع حين ساعدت الصغير واهتمت أكثر بالضعيف، غيرها كثير وكثير من الحواديت التي لا تزال محفورة بداخلي، حقًّا إنها صناعةُ السحر والبهجة في نفوس من يستمعُ إليها، ومع مرور الوقت وتعاقب الأيام أدركت قيمة وأهمية ذلك الصندوق السحري، الذي يلتف حوله الجميع في كلِ مكان لأبعد بقعة في العالم.
كان من عادة البيوت المصرية وهى تبدأ يومها، أن تستمع لتلك الأصوات العذبة بدءًا من صوتِ النقشبندي ومحمد رفعت، على موجات إذاعة القرآن الكريم، إلى أحلى صباح مع أم كلثوم، و"يا صباح الخير ياللي معانا ياللي معانا الكروان غنى وصحانا وصحانا"، ثم يأتي صوت فؤاد المهندس وبرنامجه الأشهر على الإطلاق "كلمتين وبس"، الذي كنت أعشق سماعه قبل النزول للمدرسة، وكذلك ساعة لقلبك، وهمسة عتاب، وعلى الناصية، وتسالي، وإلى ربات البيوت، ومن الجاني، ولغتنا الجميلة، واعترافات ليلية.
اقرأ ايضاً كل شيء تغير | عن الحنين إلى الطفولة
مسلسلات الراديو
كنتُ أداوم على سماع مسلسل لعبد حليم حافظ ونجلاء فتحي اسمه تقريبًا "أرجوك لا تفهمني بسرعة"، وقد حزنت وقتها حينما لم تستكمل إذاعة بقية حلقاته، بسبب عدم تسيجله مع قيام حرب أكتوبر 1973، وهذا علمته فيما بعد.
وشاي ساعة العصاري في يد والدي وسماعه لأم كلثوم وهي تّسلْطن في الراديو كما يقول الجميع، وفي المساء حكايات ألف ليلة وليلة، شريهان وزوزو نبيل، الذي بدأ يطور خيالي حينما جعلني أتخيل تلك الشخصيات تتجسد أمامي، وأنا شاردة مع كل كلمة للحكاية، إلى المسرحيات والسهرات الإذاعية.
بالإضافة إلي مداومة والدي لسماع نشرات الأخبار من كل حد وصوب، ذلك الصندوق الصغير الذي يسحرك بعالمهِ الخاص، ليجعلك تسافر معه أينما ذهب، لترى ما تسمعه، وليزيدك معه متعة الخيال والأحلام، والذي هو المفتاح الأساسي لأي مبدع، وكان ذلك الصندوق يقوم بدور ما يسمى الآن بمواقع التواصل الاجتماعي مجتمعة "فيس بوك، وتويتر، حتى المواقع الإخبارية".
أصل ومعنى كلمة راديو ونشأة الإذاعة
بدأت أول إذاعة في بث برامجها عام 1906؛ وتعد الإذاعة أهم الوسائل الصوتية المسموعة، ولكن لماذا يطلق على الإذاعة لقب "الراديو"؟
يرجع أصل تلك الكلمة إلى اللاتينية "راديوس" وتعني نصف قطر.. وهذهِ التسمية تنطبق على الإرسال الإذاعي، حيث تبث الموجات الكهرومغناطيسية مع تضمين الموجات الصوتية عبر الغلاف الجوي على هيئة دوائر، وقد أعلنت الدول الأعضاء في اليونسكو اليوم العالمي للإذاعة في عام 2011، ثم اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 بوصفه يومًا دوليًّا يُحتفل به في 13 فبراير من كل عام، وقد اختير هذا التاريخ تزامنًا مع ذكري إطلاق إذاعة الأمم المتحدة عام 1946.
وتدعو اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة لعام 2021 محطات الإذاعة إلى الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لإعلان هذا اليوم العالمي، وبذكرى مرور أكثر من قرن على اختراع الراديو، الذي يحمل شعار هذا العام "إذاعة متجددة لعالم متجدد.. التطور، الابتكار، الربط ".
مخترع الراديو
نجح العالم الإيطالي غوليلمو ماركوني من إحداث ثورة في عالم الاتصالات اللاسلكية، والذي توصل إلى فكرة غيرت وجه التاريخ، بعد دراسات وتجارب أجراها على الموجات الكهرومغناطيسية، فقد استطاع إرسال واستقبال أول إشارة صوتية إذاعية له لمسافات بعيدة في إيطاليا عام 1895 دون الحاجة لوجود أسلاك، والذي حاز أول براءة اختراع في مجال الاتصال عبر التلغراف اللاسلكي في عام 1896.
والذي يعود إليه الفضل لاكتشاف ذلك الصندوق السحري، الذي يمكنه نقل الموسيقى والكلام بأقصى سرعة، ولكن قبله مر الراديو بكثير من المراحل علي يدِ كثيرٍ من العلماء حتى وصل أخيرًا إلى الشكل الذي أظهره ماركوني مع الثورة التكنولوجية، فقد أجرى الألماني هنري هيرتز في عام 1889 التجارب على الموجات الكهرومغناطيسية، حتى صنع جهاز كاشف الذبذبة، وهو عبارة عن جهاز استقبال الموجات وتحوليها بواسطة التأثير إلى كهرباء.
ثم جاء دور العالم الإيطالي أوجست ريجي بتحسين أجهزة هنري هرتز وإعادة صنع كاشف الذبذبة، ليأتي الفرنسي إدوارد برانلي ليتمكن من اختراع الجهاز الكاشف للموجات في عام 1890، وأيضًا أجري الروسي ألكسندر بوبوف تجارب إرسال إشارات لاسلكية في عام 1895 حتى اختراع للمرة الأولى جهاز استقبال ذبذبات كهرومغناطيسية أطلق عليه اسم "مسجل الرد"، الذي سمي فيما بعد باسم الراديو، حتى توصل أخيرًا الإيطالي غوليلمو ماركوني في عام 1896 لذلك الاختراع العظيم، الذي أسهم في اكتشاف موجات كهرومغناطيسية باستخدام الجهاز الذي اخترعه الإيطالي أوجست ريجي كجهاز إرسال.
واستخدم الجهاز الكاشف للموجات كجهاز استقبال، ومن ثم زوَّد ماركوني جهاز الإرسال بهوائي لنقل الإشارات لمسافات بعيدة.
مستقبل الإذاعة في العالم الرقمي
بعد مرور أكثر من 100 عام على أول بث إذاعي في 1906، ومع ظهور وسائط إعلامية أخرى تنافس الراديو، كانت كثير من الأسئلة تغزو عقلي، كثير من التساؤلات والهواجس دائمًا ما تأتي على خاطر كثيرين مثلي في كل مرة يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للإذاعة، والذي يوافق في 13 من فبراير من كل عام، هل للراديو مستقبل؟ هل سيختفي سحر ذلك الصندوق؟ هل ستبقى الإذاعة وسيلة إعلامية قادرة على الحياة رغم مغريات السوشيال ميديا؟ وهل سيظل لها دور في عصر وسائط التواصل الاجتماعي، أم أنها في طريقها إلى التراجع والاندثار؟
أسئلة كثيرة وأنا في حالة خوف وقلق على هذا البريق الذي كاد ينطفئ مع ثورة المعلومات والاتصالات، وانتشار الفضائيات ومع اقتحام الأدوات الإلكترونية كمواقع التواصل الاجتماعي وغيرها.
سؤال دائمًا ما كان يطرح نفسه مع التطور الرقمي الذي نعيشه حاليًا، هل ستبقي الإذاعة وتحيا بوجود الإنسان على الأرض أم ستنقرض ونقول كان يا كان؟ لقد عفا الزمن على ذلك الصندوق السحري الذي غير وجه العالم حينها ومهد الطريق الذي أتى بعده؟
الإذاعة باقية رغم التحول الرقمي
حقًّا لم يعد هذا الهاجس ينتابني مع مرور الوقت؛ لأنني ببساطة شعرتُ بأن التحول الرقمي أسهم في انتشار الإذاعة وتحسين وزيادة موجات الراديو سريعًا، وكأن هذا الصندوق الأثيري العجيب "الرادايو" استطاع التأقلم والتكيف مع التكنولوجيا الجديدة من بث وتخزين لكلِ ما يُذاع.. على عكس ما كنتُ أتوقعه.
فلقد استطاع الصمود ونجح في تخطي كل التحديات على عكس ما تواجهه الصحف الورقية الآن.. وكذلك أصبحت وتحولت كثيرُ من وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات ناقلة للأثير الإذاعي، مع تغطية الأحداث وتحليلها بطريقة مهنية، بالإضافة إلى تقديم محتوى خدمي وترفيهي لكثير من المحطات الإذاعية سواء العامة والخاصة، والتي حافظت على وجود البث الإذاعي واستمراره، ليكون بذلك هذا الصندوق الساحر داعمًا ثقافيًّا واجتماعيًّا وفنيًّا قادرًا على الامتزاج والانصهار مع تحولات التكنولوجيا المتسارعة وتأثيراتها في المجال الإعلامي.
وقد سعدتُ كثيرًا حين ذكر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في آخر إحصائياته لعام 2020، بأن أكثر من 85% من الأشخاص في أنحاء العالم يستمعون للراديو في الولايات المتحدة على سبيل المثال، ويقضي الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين (18-34 عامًا).
الوقت في الاستماع إلى الراديو أكثر من 80 دقيقة يوميًّا في المتوسط، وهذا يدل على أن الإذاعة كانت ولا تزال حتى الآن قوة جذب لا تقاوم، رغم ثورة المعلومات التي يشهدها العالم، ولا يزال لجهاز الراديو رونقه وأهميته ودوره كوسيلةٍ إعلامية مهمة في أنحاء العالم كافة.
شكرًا من القلب لكل الذين سجلوا أسماءهم في الإذاعة
وفي الختام سوف يبقي الراديو معشوقي الأول وحلمي الجميل الذي تحقق، حينما خطت قدماي للمرة الأولى ذلك المبني العريق، وأنا أتجول سعيدة للغاية بين أورقة استوديوهات الإذاعة، أملأ عيني بكل ركن يحمل بين ثنايا جدرانه ذكريات حية لعباقرة الزمن الجميل.
شكرًا من القلب لكل الذين سجلوا أسماءهم في جدار قلبي وصفحات أيامي بكل ما فعلوه معي بطريقة غير مباشرة، شكرًا لكل حرف وكل كلمة كانت بمثابة طاقة روحية لأطلق العنان لخيالي، وسوف يبقى لذبذبات الراديو صوت السعادة في قلبي، الأمل والتفاؤل لروحي رغم أي تحديات أو عثرات.
وسوف تبقي للإذاعة سحر وبريق خاص؛ لأنها الوسيلة الوحيدة التي تتميز بمتعة الخيال والأحلام، فتجعلك تسافر معها أينما تريد، لتري ما تسمع، وتتغني بكل ما يلمس قلبك وعقلك، ومهما تعددت وسائل الإمتاع الأخرى سوف تظل الإذاعة تجذب الأذهان لكل صوتٍ يشدوُ بأجمل الأقوال وأعذب الأشعار.
شرين فكري- كاتبة مصرية ومعدة بإذاعة البرنامج الثقافي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.