الإدارة تعني تنظيم استخدام الموارد لتحقيق الأهداف، فبداية، ما هدف أي إنسان في الحياة على وجه الأرض؟
الهدف الأساسي هو أن يحافظ على حياته آمنة من الأخطار والتهديد والفناء، ثم يثبت وجوده وتميزه، ثم يرتقي بحياته، ثم يزرع الخير لنفسه والآخرين.
اقرأ أيضًا من قبطان سفينة الحياة.. العقل أم العاطفة؟
التوازن بين العقل والعاطفة
وكي يحقق الإنسان هذه الأهداف لديه موردان أساسيان هما العقل والعاطفة، فهل يستطيع بأحدهما في غياب الآخر أن يحقق كل هذه الأهداف في الحياة، وأن يحقق رسالته من تلك الحياة؟
بلا شك ستكون رسالة الحياة مبتورة أو موتورة في غياب أحدهما، كيف إذن ننظم عمل العقل وعمل العاطفة دون أن يفسد أحدهما الآخر، أو يحد من طاقاته وامتداد رؤيته.
ودعنا نضع القضية في إطار أوضح، كيف يستطيع العقل أن يطلق طاقاته الاكتشافية والإبداعية دون تحجيم أو تقزيم أو تحريف من قبل العاطفة؟
كيف يستطيع العقل حل الإشكالات التصادمية التي تواجهه في الحياة، دون أن تملي عليه العاطفة توجهها أو دون انحياز، بناء على أفكار تعصبية أو عنصرية أو تحت بعض المسميات والتوجهات العقائدية التعصبية؟
وفي الجانب الآخر كيف تستطيع العاطفة بما زخرت به من طاقة حب هائلة أن تستمر في رسالتها دون أن يأتيها أمر أو توجيه عقلي، بأن هذا الحب في جميع الاتجاهات بلا ثمن هو أمر خالٍ من المنطق والوجاهة؟
كيف تستطيع العاطفة أن تكون هي قوة الدفء والحرارة خلف دفع عمل العقل دون أن تملي عليه توجهات وحدودًا معينة؟
كيف نستفيد من سرعة حدث ورد فعل العاطفة في مواكبة الأحداث دون أن يمثل ذلك تسرعًا أهوج أو رد فعل أعمى؟ كيف تستطيع العاطفة بما جبلت عليه من رؤية شاملة أن تحمي الضعفاء أمام نصرة العقل للأقوياء؟
هذا هو إذن إطار الموضوع الذي سنبحر خلاله، لنرى كيف نصل لإدارة ذكية تستثمر أقصى وأفضل ما يملكه العقل والعاطفة، في تحقيق وتبجيل وتعظيم أهداف الحياة.
ولأن المساحة المتاحة على هذه البوابة لا تسمح بعرض كل جوانب هذا الموضوع، فسنستكمل هذا الموضوع في مقالين تاليين.
الأول سيركز على تحرير العقل من أسر وطغيان وتهور وتسلط العاطفة، والمقال الثاني سيكون عن الإدارة الذكية للعاطفة، لتكون داعمًا ومكملًا لعمل العقل الإبداعي، ولتحافظ على حرارة وحيوية وجمال الحياة.
اقرأ أيضًا دور العقل والعاطفة في تحقيق التوازن في حياة الإنسان
كيف يمكن تهيئة المناخ الآمن لعمل العقل؟
يتكون الجانب التفاعلي للإنسان من مكونين هائلين هما العاطفة والعقل، ولكن العاطفة تكاد تهيمن على معظم تفاعلات الإنسان بالدرجة الأولى، ولا يتبقى إلا النذر اليسير لمداخلة وعمل العقل.
فالعاطفة هي بوابة الإحساس الأولى بالحياة وأحداثها، ثم إنها أكثر التصاقًا بأحاسيس الإنسان ووجوده.
ورغم هذه السيطرة الآسرة للعاطفة على حياة الإنسان، فإن أساليب عملها وآليتها ونظرتها الإجمالية للأمور والأحداث وانحيازها الدائم لمالكها، يؤدي إلى فتح الأبواب لكثير من الأخطار الناتجة عن غياب عمل العقل الذي يحكم على الأمور بطريقة تميل للموضوعية على حساب الذاتية.
ويمكن القول إن معظم الكوارث البشرية وعلى رأسها الحروب بجميع أنواعها، قد نجمت عن استفحال وهيمنة عمل العاطفة، ولا يُستدعى العقل لمسرح الأحداث إلا بوصول الأمور إلى حد التأزم والاستحالة والدمار الشامل، والذي يبحث حينها عن الدروب المناسبة للوصول لحل متوازن وعادل واتخاذ القرار المناسب في ضوئها.
حتى في هذه اللحظة لا يستطيع العقل اتخاذ القرار العادل إطلاقًا، ولكنه يتخذ القرار المناسب لوضع موازين القوى التي فرضتها هيمنة العاطفة وفعل العاطفة في الصراع السابق.
وعلى الجانب الآخر يمكن القول إن ما ضمن استمرارية الوجود البشري ليس القرارات العاطفية، ولكن القرارات العقلانية والمدخلات الفكرية التي اتخذها العقل وقت إحكام الأزمات الوجودية ووصولها لطريق مسدود.
فرغم ضرورة العاطفة فإن التاريخ يشير لها بأصابع الاتهام في جميع الكوارث البشرية التي لم تخف حدتها إلا بتدخل العقل، حتى استدعاء العقل لم يكن إلا بعد أن تأكد الجميع من عبثية الصراع الوجودي العاطفي في ضوء الخسائر البشرية الكبيرة التي تفزع حتى العاطفة وتجعلها في حالة ندم، لإدراكها أنها كانت شرارة الصراع ووقود الحرب.
فكيف يمكن إتاحة عمل العقل في مناخ موضوعي متحرر من أسر واستحواذ العاطفة؟
ذلك هو هدف هذا البحث والرحلة الفكرية التالية، وكي نفهم كي نحرر المناخ العام المحيط بالإنسان من أثر العاطفة، علينا أن نفهم كي تعمل العاطفة، وكيف تستحوذ على الفهم الانطباعي الحسي للإنسان وقرارته الحياتية في المدخل التالي.
اقرأ أيضًا القبعات الست للتفكير
آلية وخصائص عمل العاطفة
يتميز عمل العاطفة بالخصائص والمحددات التالية
تلقائية وسرعة الفعل
دائمًا ما يكون رد فعل العاطفة سريعًا وتلقائيًّا؛ لأنه مبني على خبرات سابقة توحي للإنسان بأنه قد استوعب الموقف ووجد الرد المناسب.
ثم إن ارتباط العاطفة بالأحاسيس يزيد سرعة رد الفعل؛ لأنها بدورها مسؤولة عن الوجود، فلا تلكؤ أو انتظار لأي أمر يمس الوجود، هكذا جُبل الكائن الحي على الدفاع عن وجوده بآلية سريعة؛ لأن البطء أحيانًا معناه هزيمة أو زوال الوجود.
ثم إن اتخاذ القرار العاطفي يؤدي فوريًّا لتفريغ الطاقة السلبية الناجمة عن مواجهة الحدث أو الخطر الطارئ المهدد للوجود، ويؤدي إلى الإحساس الوجداني بالأمان الفوري والعنفوان الآسر.
وهذا كله يخلق شعبية كبيرة للقرارات العاطفية، لا سيما كلما كان المستوي الثقافي والفكري للمجتمع متدنيًا.
اقرأ أيضًا التسامح بين المفهوم والواقع والنفس والعقل
ارتباط العاطفة بالإحساس الوجودي
وبكيان الإنسان ووجدانه ووجوده ووعيه بنفسه وعالمه يجعلها في مكانة أعلى من العقل، فعندما يتهدد وجود أمة فإنها تنهض للدفاع عن وجودها بأقرب وسيلة، وقد لا تنتظر كثيرًا عمل العقل.
ففي وقت التهديدات تلتف الجموع حول من يضع نفسه وضع الزعامة، وكثيرون يلتفون حوله حتى لو لم يمتلك مبادئ الرشاد.
فكثير من الأمم كانت تستجيب للزعيم وتلغي عقولها استجابة للنداء العاطفي ودرءًا للخطر الوجودي، وقد وجدنا شعبًا مثقفًا مثل الشعب الألماني يلتف حول هتلر استجابة للعاطفة الوجودية، وهذا الارتباط بقضية الوجود يعطي للقرار العاطفي الأولوية في الحياة المجتمعية.
رغم أن الرؤية العاطفية ذاتها قد يشوبها كثير من غياب الرؤية الواضحة، ومن تأثير الخوف في فهم الأحداث بطريقة صحيحة وصحية.
ثم إن الأحداث أو الأفعال التي تطرأ في عالم الإنسان تأتي من باب الأحاسيس التي هي إحدى بوابات العاطفة، ولا تدخل مباشرة منطقة العقل التحليلية الباردة، وبذا فإن ردود الفعل الأولية تكون بواسطة دائرة العاطفة..
نعم يوجد عقل ووعي أعمق، لكنه لا يرتبط مباشرة بوجدان ووعي الإنسان إلا في البيئة التي تلقت تعليمًا خاصًّا وثقافة غزيرة.
اقرأ أيضًا العاطفة والزواج في حياة العلماء
سهولة اتخاذ القرار
لا يكلف اتخاذ القرار العاطفي الإنسان كثيرًا من البحث أو العمل التحليلي للوضع، فيكفي الإنسان أن يرنو بإحساسه على الوضع الطارئ، كي يأتي فورًا رد الفعل الذي يتسق مع المناخ العاطفي في وجدان الإنسان.
هذه السهولة تغري وتهيئ كثيرين لاتخاذ القرار العاطفي، لا سيما ممن لم يتدربوا على ممارسة استخدام أدوات التحليل المنطقي ومنهجية الاستدلال والاستنتاج.
ويتضمن هذا المسلك عدم الحاجة لإجهاد العقل وما يستتبعه من كلفة مادية وزمنية، ثم أن استسهال المدخل العاطفي قد يأتي نتيجة عدم قدرة العقل والأدوات الفكرية السائدة على استيعاب الحدث وتصور الحل وصولًا لإنهاء المشكلة الطارئة.
اقرأ أيضًا ما العلاقة بين القلب والعقل؟
مفردات العاطفة
مفردات العاطفة هي مجموعة من الأحاسيس دائمة الوجود في الفكر والوجدان، مثل أحاسيس الحزن والفرح واليأس والأمل والضعف والقوة الخوف أو الشجاعة، وهي جاهزة لدعم اتخاذ القرار المرتبط بانعكاسات عاطفية فورية على عكس العقل الذي يبحث عن العوامل التحتية للوضع القائم والعلاقة المنطقية بينها.
عندما نواجه حدثًا أو فعلًا فإن أول ما نفعله هو البحث عن الفرحة والبعد عن الصرخة، ولكننا قد لا نبحث العدل والتوازن وتجنب خلل الميزان في تلك اللحظة، إننا نبحث عن الأمل أكثر مما نبحث عن المناسب.
أي أننا نبحث عن الأمن والأمان وليس عن الإبداع والأكوان، فتقودنا العاطفة دائمًا سواء اعترفنا أو تظاهرنا بالنسيان.
ولأن الإنسان هو في البداية كائن سيكولوجي أكثر مما هو كائن عقلاني فكري، فالطريق للقرار العاطفي أقصر وأسرع وأسهل وأكثر إرضاء للذات السيكولوجية من الطريق للقرار الفكري العقلاني.
اقرأ أيضًا العاطفة والعقل
المناخ الاجتماعي والثقافي
ارتباط القرار العاطفي بالمناخ الاجتماعي والثقافي السائد في المجتمع المحيط يعطيه قوة تأثير الجموع، ما يجعل القرار أكثر ميلا للتوافق المجتمعي حتى لو كان فاسدًا أو معيبًا.
الحب والانتماء
ارتباط العاطفة بالإحساس بالحب والانتماء لمجموعة من العوامل تشعر الكائن بالأمن والوجود والانتماء، فيكون تأثيرها كبيرًا في صاحب القرار، الصعوبة بمكان أن هذه العوامل المؤثرة، غالبًا تكون غائرة خفية في كيان كل كائن، ولا يستطيع العقل الوصول إلى مكامنها بسهولة.
انطلاقًا من هذه الرؤية سنبحث في المقالين التاليين عن تحرير العقل من العاطفة، وعن توظيف العاطفة لدعم عمل العقل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.