الإنترنت تاريخ من الإبداع والابتداع

مرّ تاريخ الاتصالات بمراحل بدأت بالطبول والدفوف، والحمام الزّاجل، ورسائل البريد، والتلغراف بمفاتيح شفرة مورس، والخطوط التليفونية، والكوابل البحرية، وتطوّرت الاتصالات في نقلة نوعية باستخدام الاتصالات اللّاسلكية، ومع إطلاق الأقمار الصناعية؛ حدثت نقلة نوعية وطفريه في عالم الاتصالات، والذي ساعد عليها تطوّر في خدمات واستخدامات الحواسيب الرّقمية في الخمسينيات من القرن الماضي.

طوال المراحل السّابقة، لم يشارك العرب في ذلك التطور التقنيّ وتوقّفت مشاركتهم عند استخدام الحمام الزاجل؛ خاصّة في المراسلات الصفوية بين الحكام والأمراء وقواد الحرب، بينما كان يجري على قدم وساق مشروعات تطوير شبكات الاتصالات في مختبرات علوم الحاسوب في الولايات المتّحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا.

وكانت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" الرّاعية الأولى لتطوير شبكات الإنترنت، وفي وقت مُبكّر من الستينيات، تعاقد البنتاجون مع شركات لتطوير أنظمة شبكات الاتصالات، وتضمّن ذلك تطوير شبكة الأربانت التي ربطت بين عدد من الجامعات والمؤسسات البحثيّة الأمريكية لأغراض علميّة وأكاديميّة، والأربانت هي النواة الأولى لشبكة الإنترنت، وفي نفس الوقت نجحت المملكة المتّحدة في بناء أوّل شبكة أخرى استمرّت للعقدين التاليين، بينما تمكّنت الولايات المتحدة من تطوير شبكة الأربانت بما يسمح بالرّبط بين الشبكات المُختلفة لتشكيل شبكة واحدة مُترابطة.

ومنذ عام 1981م، تمّ دعم الوصول إلى شبكة الأربانت، ليصبح مؤهلاً لإنشاء الإنترنت لكن اقتصرت على عدد من المراكز القومية للحواسب الفائقة في عدّة جامعات، ثمّ سمح في عام 1986م، للمراكز البحثية والتعليمية بالانضواء في شبكة واحدة للاتصالات عبر الحواسيب الضخمة والفائقة، وفي عام 1990م خرجت الأربانت من الخدمة، وبدأ عصر الإنترنت الذي أتيح للاستخدام التجاري ابتداءً من عام 1995م.

وفى تلك الفترة كانت أوروبا ممثلة في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية تجري الأبحاث على قدم وساق لتطوير شبكة الإنترنت، ونتج عن ذلك إمكانية ربط نظام للمعلومات يُمكن النفاذ إليه من أيّ موقع على الشبكة، ومنذ مُنتصف التسعينيّات كان لشبكة الإنترنت تأثيرٌ ثوريّ على الثقافة والتجارة والتكنولوجيا، وشمل ذلك ظهور التراسل الفوري وتطوّر البريد الإلكترونيّ والمُكالمات الهاتفيّة عبر شبكة الإنترنت ومكالمات الفيديو، وتضمّنت شبكة الإنترنت مُنتديات النقاش والمدوّنات وشبكات التواصل الاجتماعيّ ومواقع التسوّق عبر الإنترنت، وتكثفت وسائل تواصل مُجتمعات البحث العلمي والتعليم خاصّة بعدما تطوّرت شبكات عالية السرعة بما يمثل ثورة طفريه تبدو عالمًا من الخيال.

وبشكلٍ مُضطردٍ، تزداد كمية البيانات التي تنتقل عبر شبكة الإنترنت بسرعات فائقة اعتماداً على شبكات الألياف البصريّة، وقد شكّل استحواذ شبكة الإنترنت على المشهد العالميّ للاتصالات ظاهرة تستحقّ المُلاحظة، فقد كان حجم المُعطيات المنقولة على شبكة الإنترنت يشكّل 1% من إجمالي حجم المُعطيات المنقول عالميًّا في العام 1993م، ثمّ ارتفعت النسبة لتصل إلى 51% في العام 2000م، ولتتجاوز 97% في العام 2007م، وتواصل شبكة الإنترنت النمو مدفوعةً بكميات أكبر من المعلومات الناتجة عن التجارة والترفيه وشبكات التواصل الاجتماعيّ.

ويُعتبر الإنترنت وسيلة الاتصال الأسرع نموّا في تاريخ البشرية، ففي حين احتاج الراديو إلى 38 عامًا للحصول على 50 مليون مستخدم لاستقبال برامجه، احتاج التلفزيون إلى 13 عامًا للوصول إلى العدد نفسه، فيما احتاج تلفزيون الكابلات إلى 10 أعوام، أمّا شبكة الإنترنت فلم تحتاج سوى إلى 5 أعوام للوصول إلى ذلك العدد، وفي أقلّ من 10 أعوام بلغ عدد المستخدمين 500 مليون مستخدم، وممّا لا شكّ فيه أن الإنترنت أصبح عاملًا أساسيّا في حياة الكثير من الشركات والأفراد والحكومات، وأصبح الجيل الجديد من الأطفال يسمّى بالجيل الرّقمي.

ولا يجب أن يتمّ تقييم الثورة الرّقمية حسب كمّ المحتوى الذي يتمّ ضخه وتشييده على الإنترنت، ولا حسب عدد المواقع التي يتمّ صُنعها يوميّا، بل حسب التغيّرات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، ولغاية هذا اليوم، فإنّ الولايات المتحدة الأميركيّة تقوم بالتحكّم وإنشاء أكثر من 70% من محتوى الإنترنت، بينما تستمرّ دول أوروبا بالتأخر وراء الولايات المتّحدة، على الرّغم من الرخاء العلميّ والاقتصاديّ والقانونيّ الموجود في أوروبا...

ومن أجل التقدّم في مجال الإنترنت، فإنّه يجب منح المزيد من الحرية الفاعلة والتفاعلية -التي ستؤدّي تباعًا إلى درجة من الوعي- لكن مرحليًا يجب تقنينها لاستيعاب دورها والتخلُّص من سلبياتها في مجتمعات الأمية التعليمة والثقافية، والتركيز على دورها الإيجابي في التعليم والتجارة الإلكترونية، ونتمنّى أن يكون اليوم الذي لا نسمع فيه عبارة: نحتاج إلى عشرات السنين للحاق بثقافة الدول الغربية للتفاعل الإيجابيّ اجتماعيًا واقتصاديًا وعلميًا.

ويزيد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي عن 226 مليون مستخدم/ 359 مليون نسمة، ووفقًا لتقرير عالمي صادر في مارس 2017م عن موقع إحصائيات عالم الإنترنت، تواصل مصر تصدرها العالم العربيّ بأعداد مستخدمي الإنترنت، فيما تقدّمت المملكة العربية السعودية إلى المرتبة الثانية على حساب المملكة المغربية التي تراجعت إلى المركز الثالث عربيًا، ثمّ الجزائر، العراق، السودان، الإمارات، تونس، الأردن، سوريا، لبنان، عمان، الكويت، فلسطين، ليبيا، قطر، البحرين، اليمن. بينما تحتل كل من البحرين والإمارات وقطر المراكز الثلاث الأولى من حيث نسبة المستخدمين إلى عدد السكان في كل دولة.

لكن رغم إيجابيات استخدام الإنترنت، إلّا أن عالمنا العربي ما زال -غالبًا- يتعامل مع خدمات الإنترنت على نهج الابتداع للتسالي والترفيه وضياع الوقت، ممثلًا نموذج الابتداع وليس الإبداع، بينما أتيح الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي أمام المواطنين للتواصل الاجتماعي والاطّلاع العلميّ وتبادل الثقافات، إلا أنه في عالمنا العربي جراء إساءة الاستخدام، أصبح يمثل أحد وسائط الفوضى الاجتماعية والاضطراب الأسري واستهلاك الوقت فيما لا يُفيد، وأصبح أبرز استخدامات الإنترنت عبر وسائطه هو الدردشة، والأكثر استخدامًا لترويج الشائعات، والأكثر انتشارًا لأعداد الحسابات الوهمية؛ والتي توفر مدى واسعًا من حوادث النصب والاحتيال، والأكثر جنوحًا نحو استخدام هذه التقنية في إحداث الاضطرابات...

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب