الأم


داخل كل امرأة ترقد العنقاء بسلام، ولا تستيقظ إلا بعد أن تصبح أمّاً، فحالما تنجب أي أنثى مولودها الأول تصبح أقوى نسخة عن نفسها، تصبح النار، والنور، الفراغ والاحتواء، وكوثر السماء، ذلك النهر الذي خلقت منه روحها، فكلاهما لا ينضب يعطي كل ما لديه، وبعد أن تستيقظ عنقاؤنا عقب احتراقها للمرة الاولى، بعد وضعها لروح جديدة ترى العالم من خلالها، تلملم شتاتها بقوة، من حب لا يحتوي شروطاً أو قيوداً، وتقوم فتصنع من فتات رمادها ذاك سوراً تحمي به حبيبها الصغير، الذي لن يكبر في عينيها أبداً، ستعتني به وتمنحه من وقتها وقلبها، ومن كل شيء تملكه الكثير، وستكون أول معلمة روحية له.

ستخرج أجمل وأسوأ ما في طفلها لتعلمنا فن التقبل، والاحتواء بعد ذلك، فتحب بصفة غريبة كل ما وجد داخل ذاك الكائن العجيب من ظلام، وتنيره بأجزاء منها في كل مرة؛ لتزيّنه، فهو كل أشيائها الجميلة، ثم تعود لتخبّئَ بقاياها وراء ثوب من رحمة، غير مدركة بأنها شخصها.

فتنحني تلك الأم بنفسها عزيزة، تحية لملك كان تتويجه في عينيها فقط، ثم تدعوه للركوب فوقها، فيفعل، فتفرد جناحيها وتطير به إلى كل أحلامها، فتريه إياها، وتبتسم كأنه أكبر من كل ذلك، وتصعد أعلى من ذلك، محاربة كل ما يعرقل طريقها، وتحط به عند أحلامه، وقد أوصلته، وكأنما وصلت هي بغبطته لوجهتها.

ثم تعود بعدها مرتاحة الروح إلى السماء السابعة، تعود إلى ذلك الكوثر، فتذوب فيه كحبات سكر، زيّنت سماء الجنة في ليل مبعثر، يبحث عن أمّه هو أيضاً، ولا يعلم أنه يحتويها، ولا يعلم أنه قد نام في خطوط يديها، هنالك روح نعود إليها، هي دائماً ستكون الوطن.. أمّنا فعودوا إليها.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب