"الأمثال العربية" نوع من أنواع النثر في العصر الجاهلي، وهو عبارة عن أمثال سائرة ومأثورة بين الناس، إذ هو خلاصة قصة أو واقعة كما يبدو، وهو يهدف إلى التعليم والتذكير والتنبيه، فالجاهل والصغير قد يتعلم بواسطتها، والكبير ينتبه إذا سمع المثل فيسترشد به، والغافل يتذكر... وتكمن سهولة حفظها في بساطتها وقصرها، ومن طبيعتها أنها تكون مختصرة، فأغلبها لا يكاد يتجاوز السطر الواحد، وكلما كانت موجزة كانت أسرع للحفظ والتداول، وقد يبلغ المثل الثلاث كلمات أو يزيد قليلا لكن كلما طال قلت قيمته.
والأمثال العربية تصور حياة العرب في بيئة لم تكن لديهم مدارس يتعلمون فيها أو يدرسون أبناءهم أو يؤدبوهم فيها، فكانوا يلجؤون إلى القصص فيخرجون منها أمثالا يعلمونها أبناءهم.
"وقد لقيت هذه الأمثال شيوعا لخفتها وعمق ما فيها من حكمة، وإصابتها للغرض المنشود منها، وصدق تمثيلها للحياة العامة ولأخلاق الشعوب، قال النظام: ‘يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكتابة، فهو نهاية البلاغة’" (1).
والأمثال من آداب العرب الهامة لأنها تجري على السنتهم مجرى الشعر، وهي عظات بالغة من ثمار الاختبار الطويل والعقل الراجح (2(.
والأمثال من كلام العرب في الجاهلية والاسلام وبها كانت العرب تعارض كلامهم فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في النطق بالكتابة. فيجتمع لها بذلك ثلاث خلال: إيجاز في اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه (3).
والشعر العربي تضمن كثيرا من الأمثال والحكم وبهذا وصل الى قمة الابداع، وذروته.
يعد المثل السائر من أكثر الأشكال التعبيرية انتشارا وشهرة، ولا تكاد تخلو ثقافة أو فكر منها، فهو يسري بسرعة فائقة ويتداول من جيل إلى آخر، وينتقل من لغة إلى أخرى عبر الأزمنة والأمكنة.
تعريف المثل السائر:
القول السائر هو كلام في جملة أو جملتين، يمثل عبرة مستخلصة من واقعة معينة يُرَدد في أخرى مشابهة لها، "وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون " (الحشر، 21).
مثل سائر بين الناس: الجاري بينهم يعرفه الخاص والعام" (4).
وقد أولى العرب خاصة القدماء منهم هذه الأمثال أهمية بالغة، وأعطوها قيمة كبيرة، وأخذت نصيبا وافرا من التعهد والعناية والدراسة والنقل شأنها شأن باقي الفنون والألوان الأدبية التي تمثل التراث القديم، وقد جمعت في كتب للأمثال ودونت في وقت مبكر، وذلك بعد أن تيسرت الكتابة وسهلت وانتشرت بينهم، وقد أفردوا لها أبوابا في كتبهم ومؤلفاتهم كي لا تضيع أو تندثر، ولكي يطلع عليها من يأتي بعدهم، فهي تمثل تلك اللغة الصافية النقية الخالية من الشوائب.
وفي هذه المقالة، سنعرض لكم بعض قصص أشهر الأمثال العربية التي ذاع صيتها، وكيف صارت أمثالاً تضرب إلى وقتنا هذا.
· على أهلها ونفسها جنت براقش :

كيف جنت على نفسها وأهلها" براقش " ومن تكون ؟؟...
هي كلبة كانت عند قوم من العرب، درّبوها على أن تنبح لتنبههم بمقدم العدو حينما يأتي على حين غرة، لما للكلاب من حاسة شم قوية، والقصة تقول إنه في أحد الأيام اغار لصوص على القرية فنبهت " براقش " قومها بنباحها ليختبئوا في مغارة، فسارعوا فورا بالخروج من حيهم للاختباء، وقد كان عدد اللصوص أكبر من عدد أهل القرية، بحثوا دون جدوى فقرروا الرجوع من حيث جاؤوا، بدأت الكلبة بالنباح لتبشر أهل القرية ولتعلمهم بزوال الخطر ولم تكن تعلم المسكينة أنها بذلك تجلب الخطر على أهل قريتها وأن نباحها سيكلفها حياتها وحياة أصحابها.
لفتت انتباه اللصوص، وقد كان صاحبها يحاول إسكاتها لكن دون جدوى، وهاجم العدو المغارة واستباح أهل القرية وقتل منهم الكثير كما قام بقتل " براقش " نفسها، فأصبح المثل منذ ذلك الحين يضرب فيمن يجلب الهلاك والشؤم لأهله ونفسه،ولمن يقوم بتوريط نفسه مع من حوله سواء بوعي منه أو بسوء تصرف فهـذا وهو مــا فعلتــه " "براقش ".
وقيل أنها كلبة عوت واستعوت الكلاب فكانت سببا في هلاك أهلها، فتحولت قصتها إلى مثل سائر وشائع على ألسنة الناس إلى يومنا هذا.
· عاد بخفي حُنَيْن :

لهذا المثل قصة طريفة ومسلية وفيها عبرة، حُنَيْن هذا إسكافي من أهل الحيرة، ساومه أحد الأعراب على شراء خفين من صنعه، وبعد أن أتعبه بالجدال والمساومة انصرف دون أن يشتري الخفين، فغضب " حنين " فأراد أن يغيض الأعرابي ففكر في خدعة ليسخر منه فلما رحل الأعرابي أسرع " حنين " وسلك الطريق التي سيمر منها هذا الأخير ، ووضع أحد الخفين وسط الطريق وصار مسافة يسيرة ثم ألقى الخف الآخر ثم قعد ينتظر متخفيًا مجيء الأعرابي الفض.
و أتى الأعرابي فرأى الخف المعلق في الشجرة فتعجب وقال : ما أشبهه بخف حُنين، لو كان معه الخف الآخر لأخذته.
ثم مشى قليلا فعثر على الخف الآخر مرميا على الأرض، فالتقطه ثم عاد ليأخذ الخف الأول، فخرج حُنين من مخبأه وأخذ الجمل بما عليه من بضاعة واختفى مسرعا.
ورجع الأعرابي إلى قومه ماشيا على رجليه و هو يحمل الخفين لا غير فسألوه: "بماذا رجعت لنا من سفرك؟" فقال: " جئتكم بخفي حنين "... فأصبح عبرة و مثلا يضرب عند اليأس من المسعى والرجوع بخيبة أمل.
· وافق شن طبقة:

" شَنّ رجل من العرب خرج ليبحث عن امرأة مثله ليتزوجها, فرافقه رجل في الطريق إلى القرية التي يقصدها، ولم يكن يعرفه من قبل، قال شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال الرجل : يا جاهل أنا راكب وأنت راكب فكيف تحملني أو أحملك ؟ فسكت شن حتى قابلتهما جنازة, فقال شن: أصاحب هذا النعش حي أم ميت؟ فقال الرجل ما رأيت أجهــل
منك, ترى جنازة وتسأل عن صاحبها أميت أم حي, فسكت شن, ثم أراد مفارقته, فأبى الرجل وأخذه إلى منزله, وكانت له بنت تسمى طبقة. فسألت أباها عن الضيف فأخبرها بما حدث منه, فقالت يا أبت ما هذا بجاهل، إنه أراد بقوله أتحملني أم أحملك: أتحدثني أم أحدثك. و أما قوله في الجنازة فإنه أراد : هل ترك عقبا يحيا به ذكره؟ فخرج الرجل وجلس مع شن وفسر له كلامه, فقال شن : " ما هذا بكلامك " , فصارحه بأنه قول ابنته طبقة, فتزوجها شن ويضرب مثلا للمتوافقين [5]".
· عادت حليمة إلى عادتها القديمة :

حليمة هي زوج حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الكرم والسخاء والنبل ودماثة الخلق، لكنها كانت على نقيضه حيث اشتهرت بالبخل و بالإمساك، وقيل أنها كانت إذا أرادت أن تضع إدامًا ﴿ سمنًا في الطعام ﴾، ارتجفت يدها
بالملعقة ولم تطاوعها من شدة بخلها، فأراد زوجها أن يعلمها الكرم ويكسبها شيئا من السخاء لكن يبدو أن الطبع يغلب التطبع فحاول أن ويعطيها درسا فزعم لها أن النساء في قديم الأزل كن يضعن السمن بزيادة في الطعام ليزيد الله في أعمارهن، وبدأت حليمة تزيد السمن في الطعام حتى تعودت على الكرم والسخاء، وبات طعامها طيبا ولذيذا، لكن دوام الحال من المحال، ففي ذات يوم توفي ابنها الوحيد الذي كانت تحبه أكثر من نفسها، فجزعت وحزنت حزنا شديدا وتمنت الموت، وأخذت لذلك تقلل من وضع السمن في الطبخ حتى ينقص عمرها وتموت فقالوا : "عادت حليمة إلى عادتها القديمة "، وصار مثلاً يُضربه الناس في مواقف مشابهة.
وغير هذا كثير تزخر به كتب الأدب لا يمكن حصره.
وهناك فوائد أخرى جمة للمثل السائر من بينها أنه إذا جعل الكلام مثلاً كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع فهو إيجاز للفظ، وإصابة للمعنى وفيه حسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة وثمرته يعبر عن واقع الحال ويرسخ في الأذهان...
ويجدر بالذكر أن الأمثال ليست من خصائص العرب فحسب، بل لكلّ قوم أمثال وحكم خاصة بهم يقرِّبون بها الفهم ويبلغون بها الحاجة، وربما يشترك مَثَلٌ واحد أو أكثر بين أقوام مختلفة، ويصبح من الأمثال العالمية، وربما يقف الشاعر أمام مثل ما مبهوراً فيصب مضمونه في قالب شعري جميل يزيده جمالا ورونقا وشهرة.
المراجع :
1. الأدب الجاهلي د/ محمد عبد المنعم خفاجي – دار الكتاب ص 145.
2. تاريخ آداب اللغة العربية ج 1 ص 47 ط 3.
3. المزهر للسيوطي ج 1 ص 234.
4. تعريف و معنى المثل السائر في معجم المعاني الجامع - معجم عربي عربي .
5. " مجمع الأمثال " للميداني و الأدب الجاهلي د/ محمد عبد النعيم – مرجع سابق – ص 150.
مقال رائع ⚘?
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.