أصبح التعامل مع قضية الأطفال والتكنولوجيا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الآباء في العصر الحديث، فمن المعتاد أن نشاهد الأطفال الصغار وفي أيديهم الهواتف المحمولة، كما أصبح من الطبيعي إجادتُهم استخدامَ وسائل التكنولوجيا. وعلى الرغم من المخاطر الكبيرة التي قد يتعرض لها الأطفال، فإن الأمر أصبح واقعًا مفروضًا؛ لذا فإن استراتيجية التعامل مع علاقة الأطفال بالإنترنت أصبحت مختلفة، وفي أحسن الأحوال، يحاول الآباء الخروج بأقل الخسائر.
هذا المقال هو دليلك المتكامل لفهم تأثير التكنولوجيا على الأطفال، والاستفادة من فوائدها، ووضع قواعد واضحة لحمايتهم من مخاطرها.
خرجت بيانات من المرصد الوطني للتكنولوجيا في إسبانيا، لبحث أجراه المرصد عام 2023 أن 98% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عامًا يتعاملون مع الإنترنت ويزورون الواقع الافتراضي على نحو منتظم، ثم إن عدد الأطفال القاصرين الذين يمتلكون الهواتف في البلاد بلغ 90% لمن هم أقل من 13 عامًا، و96% لمن هم أقل من 15 عامًا.
وبهذه البيانات التي تعبر عن الواقع التي تعود إلى بلد متطور ويمتلك فيه الناس كثير من الوعي بأضرار التكنولوجيا، فإننا نستنتج أن تعامل الأطفال مع التكنولوجيا أصبح واقعًا عالميًا، وأن التطور الرقمي قد فرض نفسه على أنشطة الأطفال ومتطلباتهم، وأصبح بديلًا عن الأنشطة الواقعية، وهو ما يدق ناقوس الخطر أمام المجتمعات وأمام المسؤولين عن عمليات التربية، من أجل وضع القواعد والقوانين والمبادئ التي تقلل من أخطار التعامل مع التكنولوجيا للأطفال، ومحاولة الاستفادة من هذا التطور دون خسائر كبيرة.
أما الأسر التي يحاول فيها الآباء عزل أبنائهم عن التكنولوجيا والأجهزة الإلكترونية، فقد يكون الأمر صعبًا للغاية، وقد يضطرون بعد وقت إلى الاستسلام للأجهزة الإلكترونية، إذ يعيش الطفل في بيئة مشبعة بالتكنولوجيا من أجهزة وشاشات وألعاب وبرامج. حتى إن استطاع الآباء عزل أبنائهم عن التكنولوجيا، فحتمًا سيستخدمونها بأنفسهم، وبذلك سيرتبط الأبناء بالتكنولوجيا ويتعلقون بها، وهو ما يجعلنا نتحدث عن وضع إستراتيجية للاستفادة من التكنولوجيا وتقليل المخاطر بدلًا من الحديث عن استبعاد التكنولوجيا الذي لا يبدو منطقيًا.
فوائد التكنولوجيا للأطفال
يتساءل كثيرون: كيف يستفيد الأطفال من التكنولوجيا؟ لاستخدام التكنولوجيا مكاسب كثيرة يمكن أن يكتسبها الطفل باتسخدام الأجهزة الإلكترونية والبيئة الرقمية التي تعد جزءًا من تطوير شخصيته ومهاراته وقدراته، إضافة إلى جعله أكثر اتصالًا بالتطور والآنية، وهو ما قد يكون له مردود كبير في قدرته على التعامل مع الآخرين ورفع مستوى التنافسية لديه، بحيث لا يكون معزولًا عما يحدث في المجتمع وفي العالم. ولعل أبرز فوائد التكنولوجيا للأطفال ما يلي:
تطوير المهارات الحركية الدقيقة
تساعد الألعاب والتطبيقات التفاعلية التي يمارسها الأطفال على الأجهزة الإلكترونية المختلفة على تطوير المهارات الحركية لديهم، وتعزز قدرتهم على استخدام أصابع اليدين، إذ يحتاجون إلى حركات سريعة ودقيقة، وهو ما يعود عليهم بحرفية شديدة ومهارة عالية قد يحتاجون إليها بعد ذلك في التعامل مع أجهزة وتطبيقات أخرى في حياتهم العملية.

تعزيز التفاعل الاجتماعي الموجه
تمنح وسائل التواصل الاجتماعي الأطفال فرصة لتعزيز التفاعل مع الآخرين في نطاق المجتمع المخصص لهم وتحت رقابة الوالدين؛ وبذلك يمكنهم مشاركة الاهتمامات والأنشطة وتعزيز الحوار والقدرة على التعبير والمناقشة والفهم، وعلى هذا يتطور الأطفال بسرعة بسبب التكنولوجيا ويصبحون أكثر ذكاءً على المستوى الاجتماعي.
تحفيز الإبداع والابتكار
تعد الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات الموجودة بها محفزًا كبيرًا للإبداع والابتكار، فتوجد كثير من التطبيقات والأدوات التي تجعل الأطفال يبدعون ويفكرون ويعبرون عن أفكارهم، ويطَّلعون على إبداعات الآخرين في مجالات عدة مثل الألعاب والقصص والرسم والبرمجة وغيرها من المجالات التي تظهر باستمرار وتمنح الطفل الفرصة في إظهار إبداعه ومشاركته مع الآخرين.

اكتساب المعارف والمهارات
تمنح التكنولوجيا وأدواتها المعارف والمهارات للأطفال، بالبرامج والتطبيقات التعليمية، إضافة إلى المحتوى التفاعلي الممتع والمحفّز الموجود على المواقع الإلكترونية، فترتبط المعرفة والتعليم بالمتعة والتسلية والتنافس. وهذا ما يجعل عملية اكتساب المعرفة والمهارات أمرًا شيقًا ومحبّبًا لدى الأطفال، وبذلك أصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا في عملية التعليم والتدريب للكبار والصغار.
تعزيز القدرات اللغوية
تعد وسائل التكنولوجيا فرصة لتعزيز القدرات اللغوية لدى الأطفال، إذ تنتشر التطبيقات التفاعلية والألعاب التعليمية التي يمكن بسببها تعلم الكتابة والقراءة والإلقاء وتحسين اللغة والفهم التي تتضمن كثيرًا من المسابقات والأسئلة والامتحانات التفاعلية بطريقة ممتعة.

تحفيز الاستكشاف والفضول
تعمل تطبيقات وأدوات التكنولوجيا الحديثة على تحفيز الاستكشاف والفضول لدى الأطفال، وتمنحهم العوالم الممتدة التي يغوصون فيها ويحاولون استكشافها مع مزيد من المعارف والمهارات، وهو ما قد يعد فرصة لاكتشاف الطفل، فيتعرف الوالدان على المجالات والعوالم التي يحبها وتثير شغفه وتدفعه نحو الإبداع والابتكار.
تطوير مهارات الإدارة الذاتية
يمكن أن يساعد استخدام الأجهزة الإلكترونية والتعامل مع التكنولوجيا الطفلَ على تطوير مهارات الإدارة الذاتية، إذ يتطلب التعامل مع التطبيقات والمجتمعات الموجودة على الإنترنت كثيرًا من التنظيم والتحكم في الوقت والتخطيط. وهذا يمكن أن يكون بتوجيه الآباء، بدمج التعليم والمذاكرة مع التطبيقات والبرامج الموجودة على الإنترنت ومنح الطفل وقتًا محددًا للعمل عليها، وهو ما يعزز فكرة الإدارة الذاتية للوقت.

مخاطر تعامل الأطفال مع التكنولوجيا
تحدثنا عن الإيجابيات المتعددة لاستخدام التكنولوجيا من قبل الأطفال، لذا علينا أيضًا أن نوضح السلبيات والمخاطر التي يمكن أن تؤثر في الأطفال نتيجة استخدام التكنولوجيا دون قواعد واضحة ومدروسة ومرتبطة بظروف الطفل وقدراته، لذا إليك أبرز مخاطر الأجهزة الإلكترونية للأطفال:
التأثير في النمو الاجتماعي
لعل من أخطر مشكلات الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية من قبل الأطفال هو عدم تطور شخصية الطفل فيما يخص العلاقات الاجتماعية الحقيقية، فعندما يتعلق الطفل بالهاتف أو الجهاز اللوحي ويقضي معه أوقاتًا طويلة، يبدأ في الابتعاد عن العلاقات الحقيقية ويقلّ تفاعله مع الآخرين، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى عزلة اجتماعية. وفي بعض الحالات، يصبح الطفل أقل تكيفًا مع البيئة التي يعيش فيها، وهو ما ينسحب بعد ذلك على كل البيئات التي يتعامل معها مثل البيئات التعليمية وأماكن التجمعات العائلية وأماكن ممارسة الرياضة وغيرها.

ضعف التركيز
غالبًا يصبح الأطفال الذين يتعاملون مع التكنولوجيا مدة طويلة أقل تركيزًا من غيرهم، إذ تدفعهم التطبيقات والألعاب التي يمارسونها إلى التحفيز السريع والمستمر، وهو ما يؤثر بعد ذلك على عدم قدرة الطفل على التركيز وقتًا طويلًا عندما يحتاج الأمر إلى ممارسة نشاط مثل حل مشكلة أو قراءة كتاب. وهو ما يظهر في قلّة التركيز وعدم القدرة على التحصيل والتراجع الدراسي، وقد يؤدي في بعض الحالات إلى مشكلات في الصحة العقلية.
المخاطر على الصحة العامة
أكّدت كثير من الدراسات والبحوث الحديثة ومنها تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) التي تناولت صحة الأطفال الذين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية أوقات طويلة، أن مشكلات عدة قد تصيب هؤلاء الأطفال نتيجة الجلوس المطوَّل أمام الهواتف والشاشات، مثل مشكلة السمنة الناتجة عن قلّة النشاط البدني، وضعف البصر بسبب التعرّض المستمر للشاشات، إضافة إلى مشكلات العمود الفقري التي يكون سببها الرئيس الجلوس في وضعيات غير صحيحة أوقاتًا طويلة.

مخاطر التكنولوجيا على الصحة النفسية
يؤدي استخدام التكنولوجيا أوقاتًا طويلة عند الأطفال إلى زيادة مستويات الاكتئاب والقلق، خصوصًا لدى هؤلاء الأطفال الذين يشاهدون محتويات غير ملائمة، وهو ما يعرِّضهم للاضطرابات النفسية. وكذلك، فإن التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي قد يعرّضَ الطفلَ لعددٍ من المقارنات الاجتماعية التي تؤثر بدورها في عقل الطفل وتقديره لذاته، وهو ما يكون له مردود نفسي سلبي مع الوقت.
خطر الإدمان
قد تبدو كلمة «الإدمان» كلمة ثقيلة على النفس، لكنها كلمة واقعية فيما يخص استخدام الأجهزة الإلكترونية بصورة مفرطة عند الأطفال، وأصبح من الشائع استخدام مصطلح «إدمان الألعاب الإلكترونية» التي يتعلّق بها الطفل ويعطل بسببها الأنشطة الاجتماعية الأخرى، ويتراجع في الدراسة والرياضة والتفاعل مع أفراد أسرته. وقد يصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها الاستغناء عن ممارسة الألعاب الإلكترونية، وقد يحتاج إلى تدخل علاجي.

تراجع التفكير المستقل والإبداع
على الرغم من أن استخدام الأجهزة الإلكترونية والتطبيقات والألعاب يدفع الطفل نحو التفكير وينمي لديه مهارات شتى مثل الإبداع والنقد، فإن الاعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية قد يؤدي مع الوقت إلى عدم قدرة الطفل على التصرف من دون استخدام الأجهزة الإلكترونية، فلا يستطيع أن يفكر على نحو مستقل، ولا يستطيع أن يجد الحلول دون العودة إلى الحاسوب أو إلى الهاتف. وهو ما يعد علامة خطيرة في بناء الطفل على مستوى المهارات التي يحتاج إليها في المستقبل.
كيف نحمي أطفالنا من مخاطر التكنولوجيا؟
بعد تعرّفنا على المكاسب الرائعة التي يمكن أن يخرج بها الطفل من استخدام التكنولوجيا والأجهزة الإلكترونية، إضافة إلى المخاطر التي قد تؤثر في أطفالنا نتيجة الاستخدام المفرط للتكنولوجيا، فإننا نحاول أن نضع بعض القواعد التي يمكن بها الاستفادة من المكاسب وتقليل الخسائر والابتعاد عن المخاطر بقدر الإمكان، وهو ما يمثل توازنًا واقعيًا يستطيع بسببه الطفل عبور هذه المرحلة بأكبر قدر من الأمان. وتوصي الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) بإنشاء خطة إعلامية عائلية (Family Media Plan) لوضع هذه القواعد بوضوح. ومن هذه القواعد ما يلي:
قاعدة وقت الاستخدام
يجب تحديد وقت لاستخدام الأجهزة الإلكترونية والتعامل مع التكنولوجيا، وهو ما نلجأ فيه إلى الدراسات العلمية التي أُجريت على الأطفال، وقد اهتمَّت كثيرٌ من الدول بهذه المسألة، ومن ناحيتها، فإن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (AAP) قد أوصت بالتالي:

-
الأطفال أقل من 18 شهرًا: يجب ابتعادهم عن الشاشات تمامًا (باستثناء محادثات الفيديو).
-
الأطفال من 18 إلى 24 شهرًا: يمكنهم مشاهدة المحتويات عالية الجودة في حضور الوالدين لمدة قصيرة جدًا.
-
الأطفال بين عمر 2 إلى 5 سنوات: لا تزيد مدة الاستخدام عن ساعة واحدة يوميًا من البرامج التعليمية الهادفة مع مشاركة الوالدين.
-
بعد سن الخامسة: يمكن زيادة الوقت بشرط أن يكون متوازنًا مع ممارسة الطفل لأنشطة أخرى وحصوله على قسط وافر من النوم.
وأكّدت مجموعةٌ من الدراسات والبحوث فيما يتعلّق باستخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية ضرورة تجنّب استخدام الشاشات قبل النوم بنحو ساعة كاملة من أجل تحسين جودة النوم.
قاعدة الأنشطة الواقعية
مع استخدام الأطفال للتكنولوجيا، يبدأ ابتعادهم عن الأنشطة الواقعية مثل اللعب وممارسة الرياضة وتطوير المهارات الاجتماعية والزيارات والخروج من المنزل لشراء اللوازم وقضاء المشاوير. وهو أمر يحتاج إلى قاعدة، إذ يجب أن يرتبط استخدام التكنولوجيا بالمشاركة في أنشطة واقعية. وعلى سبيل المثال، يشترك الطفل في أحد الأندية لممارسة الرياضة التي يحبها على نحوٍ منتظم.
مراقبة المحتوى
تُعَدّ قاعدة مراقبة المحتوى من أهم القواعد التي يجب أن ينتبه إليها الآباء عند التعامل مع أطفالهم في أثناء استخدام التكنولوجيا، فيجب أن توجد ضوابط وشروط للمحتوى الذي يتعامل معه طفلهم، وهو ما يضمن توافقه مع القواعد الأخلاقية والدينية، وكذلك مع المرحلة العمرية والفكرية التي يعيشها الطفل. وهذا يتطلب بعض المراقبة والاطّلاع من الوالدين، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية، حتى ولو كان الطفل يلعب، فبعض الألعاب تحتوي أفكارًا ورموزًا وإيحاءات لا تتناسب مع هذه القواعد.

من ناحية أخرى، نستطيع أن نشغل الطفل بالمحتويات الهادفة والمفيدة بدمج التكنولوجيا مع التعليم، وأداء الواجبات المدرسية، ومشاهدة الدروس والبرامج التعليمية، وممارسة الألعاب التفاعلية التي ترفع من مستويات التفكير والإبداع.
قاعدة بناء المواطن الرقمي (Digital Citizenship)
إلى جانب الرقابة، من الضروري تمكين الطفل وتعليمه كيف يكون مواطنًا رقميًا مسؤولًا. تحدث معه بانتظام حول:
-
البصمة الرقمية: اشرح له أن كل ما يكتبه أو ينشره على الإنترنت يترك أثرًا دائمًا.
-
الخصوصية: علمه ألا يشارك أبدًا معلومات شخصية (اسمه الكامل، عنوانه، اسم مدرسته) مع الغرباء.
-
التنمر الإلكتروني: شجعه على إخبارك فورًا إذا تعرض لأي مضايقة أو تنمر عبر الإنترنت.
-
التفكير النقدي: دربه على التشكيك في المعلومات التي يراها، وعدم تصديق كل شيء.
فإن التكنولوجيا سلاحٌ ذو حدّين، نستطيع به تحقيق كثير من المكاسب، وقد تكون سببًا في كثير من الخسائر، وهذا الكلام ينطبق على الصغار والكبار، لكننا ندق ناقوس الخطر فيما يخص الأطفال بالتحديد، إذ تعد الخسائر مضاعفة نظرًا لحساسية عمر الطفل وصعوبة معالجة تلك المشكلات إذا أصبحت جزءًا من شخصيته على مستوى الأفكار والسلوكيات والعادات.
إن دورنا بصفتنا آباء وأمهات في هذا العصر لم يعد يقتصر على المنع والرقابة، بل تحول إلى دور المرشد والموجه الذي يساعد أطفاله على الإبحار بأمان في هذا العالم الرقمي المعقد، والاستفادة من كنوزه مع تجنب مخاطره.
وفي النهاية، نرجو أن نكون قد قدّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعمّ الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.