لا يعُرف على وجه التحديد متى بدأ تسعير المواد، وذلك نظرًا لغياب الكتابة في عصور ما قبل التاريخ التي تُعد وسيلة لتدوين الشؤون الاقتصادية وغيرها.
ومع ذلك فإن بداية ظهور الأسعار والأجور لا بد أنه ارتبط بظهور العمليات التجارية التي بدأت عندما شاع التخصص في الإنتاج، وهو المرحلة الأخيرة من مراحل تطور النظام الاقتصادي في عصور ما قبل التاريخ.
اقرأ أيضاً العوامل المؤثرة في تحديد الأسعار والأجور في العصر البابلي القديم
الإنسان ومقومات الحياة الاقتصادية
ففي العصور الحجرية المبكرة كان الإنسان يعتمد في حياته على جمع القوت، وهي المرحلة التي سُميت بمرحلة جمع القوت، وبتطور الحياة واهتداء الإنسان للزراعة.
وتدجين الحيوان انتقل إلى مرحلة جديدة سُميت بمرحلة إنتاج القوت التي حاول الإنسان فيها محاولات مهمة في إنتاج قوته باعتماد الزراعة وتدجين الحيوان، وانتهت تلك المحاولات بسيطرته على مقومات الحياة الاقتصادية بعد أن كان يتعرض إلى الأزمات الطبيعية التي غالبًا ما كانت تُنهك قُواه.
وكان الإنتاج في البدء قليلًا ومحدودًا يتناسب مع استهلاك الإنسان الذاتي، وبتعقد الحياة وزيادة متطلبات الإنسان وحاجته إلى مواد أخرى ظهر التخصص في الإنتاج، وهو -كما ذكرنا- المرحلة الأخيرة من مراحل تطور النظام الاقتصادي.
فقد اتجه الإنسان إلى التخصص في إنتاج مادة معينة بكميات كبيرة، ثم يقايض بعدها ما يفيض منها عن حاجته، وعندها كان يلجأ الفرد إلى من توجد لديهم بضائع أخرى يكون لهم فيها حاجة، وبعد تثمين البضائع المراد مقايضتها يتفق الطرفان على مقايضة كميات محددة من تلك السلع حتى تتكافأ في الثمن؛ ولهذا ظهرت فكرة تثمين البضائع أو تسعيرها.
وقد ظلت المقايضة التي ظهرت منذ بدأ الإنسان التخصص في العمل، وصارت مبادلة السلع شائعة في العصور التالية، بل إننا يمكن أن نجدها حتى الوقت الحاضر في معاملاتنا التجارية المتنوعة.
اقرأ أيضاً إن التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار ولكن في باطنه نظر وتحقيق
أهمية المقايضة
تعد المقايضة الأساسَ في التعامل التجاري في مختلف أنحاء العالم القديم من مدة طويلة، ومع انتشار استخدام الكتابة من مطلع الألف الثالث قبل الميلاد في بلاد الرافدين بدأ تدوين العقود الاقتصادية.
فإن ما لدينا من عقود الألف الثالث قبل الميلاد قليلًا نسبيًا، واستمر هذا العدد بالتزايد مع مرور الزمن وصولًا إلى العصر البابلي القديم (2000-1600ق.م) الذي زودنا بعقود اقتصادية كثيرة جدًا.
ومن بين العقود الاقتصادية الكثيرة في هذا العصر عقود يمكن أن نسميها عقود مقايضة مواد وسلع بأخرى لا سيما تلك الخاصة بالعقارات غير المنقولة، ومن أمثلتها العقد الآتي:
1. 1/2 SAR E.DU. A
DA E] x-x [- lum DUMU NU-] x-x [
u E Hi-bi
E Be-gu-um DUMU Ma-nu-ki-ma-i-il.
5 – u I-ri-ba-am SES.A.NI
a-na pu-ha-at 1 SAR E
2 SAR E. DU. A DISSa-ri-qum
id-di-is-su-nu-si-im.
sa ½ SAR 1 AM E
10 – 2 ½ GIN KU. BABBAR SAM.TIL.LA.NI.SE.
DISSa-ar-ri-qum
lib-bi Be-gu-um.
u I-ri-ba-am SES.A.NI
u -ti-ib
15- GU.GAL.LA E
DISBe-gu-um u I-ri-ba-am.
IN.NA. AB. Gl4.Gl4
U4. KUR.SE E.MU NU.UB.BI.A
MU IR. dEN.ZU IN.PAD
بحضور سبعة شهود.
والمعنى: بيت مبني مساحته 1\2 1 سار، بجانب بيت [x-x] -lum بن […] NU وبيت Hibi، بيت Begum بن Manum-kima-ili وIribam أخيه، لمقايضة بيت مساحته 1\2 سار، Sarri Qum أعطاهم بيتًا مساحته 2 سار، بخصوص الـ 1\2 سار.
الفرق للبيت الأول، سيدفع ثمنه بالكامل 1\2 2 شيقل فضة، Sarriqum طيب أرضي قلب Begum، وIribam أخيه، المدعي على البيت Begum وIribam يسوّون الخلاف، في المستقبل لن يقول إنه بيتي (الطرف الأول)، أقسم بحياة (warad-sin) بحضور سبعة شهود.
اقرأ أيضاً التجارة في العصر البابلي القديم
تقييم الأثمان والأسعار
وبمرور الزمن دعت الحاجة إلى وجود مادة موّحدة لتقييم الأثمان، فاتُخذت الحبوب لذلك الغرض، فإن وفرة الشعير في بلاد بابل وتعدد فوائده واستخداماته وكثرة إنتاجه مقارنة مع الحنطة وغيرها من الحبوب.
-بسبب زيادة ملوحة التربة وتحمل زراعة الشعير هذه الزيادة- دفع سكان جنوب العراق إلى التركيز على زراعته بكميات هائلة، وتؤكد ذلك النصوص المسمارية، وهذا ما جعل الشعير المادة الأساسية في عملية التبادل، فاستخدم لتقييم الأثمان وتحديد أجور الخدمات والحيوانات، وظل كذلك مدةً طويلةً جدًا.
وقد عكست قوانين العصر البابلي القديم هذه الحقيقة، فقد نصت على تحديد أسعار عدد من المواد الرئيسة بالشعير، كما هو الأمر في قانون (أشنونا) الذي نصت مادته الثانية على ما يأتي:
1 SILA I.GIS sa ni-is-ha-tim 3 BAN SE.BI
1 SILA I.SAH sa ni-is-ha-tim 2 BAN 5 SILA SE.BI
1 SILA I. ESIR sa ni-is-ha-tim 8 SILA SE.BI
بمعنى: 1 قا زيت سمسم نسنخاتم بـ3 سوتات شعيرًا.
1 قا شحم خنزير نسخاتم بسوتين (و) 5 قا شعيرًا.
1 قا زيت القار نسخاتم بـ8 قا شعيرًا.
ولكن الحبوب بصورة عامة لا تمنح المرونة اللازمة للتعامل التجاري، فصعوبة حملها وحفظها واحتمال تلفها بعد مدة، وتذبذب سعرها دفع العراقيين القدماء إلى إيجاد مواد أخرى بديلة، فكانت المعادن كالذهب والفضة، ثم النحاس والرصاص والبرونز التي استخدمت لتقييم الأسعار والأجور، وذلك لأنها قابلة للتجزئة بسهولة، وللتجميع ثانية دون أن تفقد من وزنها فضلًا عن إمكانية حفظها.
اقرأ أيضاً من هم المماليك؟ وكيف كانت بداية ظهورهم؟
مركز الفضة في تقييم الأثمان
ثم احتلت بعد ذلك الفضة المرتبة الأولى في تقييم الأثمان والأجور، في حين استخدمت القوانينُ الفضةَ في تثبيت الأسعار، وتحديد أجور المواد، وهذا ما نلاحظه في قانون حمورابي في المادة الآتية:
sum-ma a-wi-lum GU4 a-na ni-pu-tim it-te-pi
1/3 MA.NA KU. BABBAR i-sa-qal
بمعنى: إذا احتجز رجل ثورًا رهينةً، يزن 1\3 مَنْ الفضة.
وإلى جانب ذلك فقد استخدمت الفضة في الوثائق اليومية لا سيما عقود البيع والإيجار والدَّين والرهن وغيرها، وهذه العبارة الخاصة تَرِدُ بدفع الثمن، وهي تحتوي ذكر الفضة.
SAM. TIL. LA.NI.SE KU. BABBAR IN.NA.AN.LA
بمعنى: وزنه فضة ثمنه بالكامل.
وتؤكد الوثائق الاقتصادية المكتشفة أن الشعير ظل مستخدمًا إلى جانب الفضة بعده وسيلة لتقييم الأسعار وتحديد الأجور لا سيما في العصر البابلي القديم، وهذا ما نلاحظه في مواد قانون أشنونا الذي حُددِت فيه الأسعار بالشعير والفضة.
أما فيما يخص الأجور، فقد حددتها القوانين بالفضة أو الشعير، وهذا ما تنص عليه المادة الآتية:
GISMAR. GID. DA qa-du-um GU4.HI. A-sa u re-di-sa
1 PI 4 (sut) SE A.BI sum-ma KU. BABBAR 1/3 GIN
A.BI ka-la u4-mi-im i-re-de-e-si
بمعنى: أجرة عربة مع ثيرانها وسائقها 1 بي (و) 4(سوتات) شعيرًا، وإذا بالفضة أجرتها 1\3 شيقل، (و)عليه أن يسوقها طوال اليوم.
اقرأ أيضاً مدن القوافل التجارية ودورها في الصراع الفرثي الروماني
انتشار استخدام الفضة
وهكذا يلاحظ انتشار استخدام الفضة بوصفها الوسيلة الرئيسة لتقييم الأسعار من بداية عهد سلالة لارسا بسبب التغير أو التذبذب الذي حصل في أسعار الشعير، ولتيسير أسلوب التعامل التجاري بالفضة اتُبعت سبل مختلفة لصب الفضة على شكل قضبان أو أسلاك أو حلقات أو أقراص ذات أوزان معينة، ثم صنعت منها قطعٌ صغيرة مختومة تحمل مفهوم النقد أو تحل محله في الصفقات التجارية.
وتشير الوثائق الاقتصادية المكتشفة من العصر البابلي القديم إلى هذه الحقيقة، فقد وجدت قطع فضية تتوافر فيها شروط النقد المعدني، وما يتصل بها من ضبط الوزن، وأصول التعامل والختم فضلًا عن مصدر القوة التي فرضها التعامل بها، وسعة الانتشار والتداول بين الأفراد، وقد أشارت النصوص إلى ضرورة أن تكون الفضة خالية من الشوائب وكاملة القيمة؛ أي تكون sarpu(m) بمعنى: نقية.
إلى جانب ذلك عثر على ما يشير إلى ختم قطع الفضة المستخدمة للتعامل، فقد عثر على شيقل فضة يعود إلى عصر سلالة بابل الأولى قد كُتِبَ عليه عبارة: (NA4.KISIB KA.DINGIR.Raki) التي تعني ختم أو وزن مدينة بابل، ما يشير إلى أن هذه القطع كانت أشبه بقطع النقود وزنًا وقيمةً وصدورًا وفق مواصفات معينة وختمها بختم المدينة، ولقد كانت الفضة توسم بـ(kunukku (m) ختم ضمان)، والفضة المختومة هي المفضلة في الدفع عند الشراء كما في المثال الآتي:
10 GIN KU. BABBAR …ku-nu-uk KA. DINGIR.RAki
بمعنى: 10 شيقلات من الفضة مختومة بختم مدينة بابل، ووردت في بعض العقود والرسائل عبارة تُلزم المشتري بالدفع بالفضة المختومة لا سيما ختم القصر، لكونها أكثر نقاوة وقيمة من الفضة السائبة pitru(m).
ولا بد أن نذكر أن وجود الفضة المختومة ذُكر في أحد أختامها اسم الملك (سمسو-إيلونا Samsu-iluna)، وهذا يشير إلى رسميتها، وأنها صادرة من الدولة.
استخدام الفضة كعملة نقدية
وإذا ما ثبت استخدام قطع الفضة في العصر البابلي القديم التي تحمل مواصفات النقود، فإن ذلك يعني أن الفضل في ابتداع النقود وسيلة للتعامل التجاري يرجع إلى العراقيين القدماء الذين بدؤوا الفكرة، واستخدموا تلك القطع الفضية التي ما لبثت أن تطورت وأصبحت نقودًا، وذلك يبطل الزعم القائل بأن ابتداع النقود يعود إلى الليديين.
أما فيما يخص ظهور فكرة الأجور، فهي الأخرى لا يمكن تحديد بدايتها التي لا تختلف ظروف ظهورها -كما يبدو- عن ظروف ظهور فكرة التسعير، فعندما شاع مبدأ التخصص في الإنتاج بدأ المزارعون بزراعة أراضٍ واسعة.
ودعت الحاجة بهم فيما بعد إلى استئجار إجراء لمساعدتهم في إنجاز العمليات الزراعية كالبذار والحصاد ونقل المحصول، وكان يعطى الأجر في بداية الأمر أجرًا عينيًا كالشعير بالدرجة الأساس، واستمر الحال كذلك حتى أوائل العصر البابلي القديم الذي تبلور فيه استئجار المستخدم تبلورًا كاملًا في هذه المدة، وكانت الأجرة تدفع عينًا أو فضة؛ أي نقدًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.