الأسطورة.. السيد عبده سليم

فيما كانت تتسع رقعة المد السلفي التي اجتاحت مصر في سبعينيات القرن العشرين، يومًا بعد يوم، كان واحدٌ من أعظم النحاتين العرب يواجه اتهامًا بالترويج لعبادة الأصنام، ولم يكن أهلُ قريته الصغيرة الواقعة في شمال الدلتا يدركون أن هذا الشاب هذا الأسمر هو واحد من أصحابِ المناهج المتفردة في الفن التشكيلي.

في لبنان تملؤك الدهشة للإتقان الظاهر في تمثالٍ من الجرانيت يقف في وسط العاصمة بيروت، وفي ليتوانيا ينبهر الرائي بالإبداع الكامن في تمثال من الحجر الصناعي في وسط فلنيوس، وفي مدينة تشاوشنج الصينية قد لا تصدّق أن تمثالًا رائعًا من الجرانيت صاغته يدا فنان مصري يعيش في أعماق الريف.

في قريته إِبشان التابعة لمركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ في شمال دلتا النيل، ولد ونشأ وعاش ليبقى الدكتور السيد عبده سليم، لا يختلف عن أطفال قريته في شيء سوى في تلك اللحظات التي يسترقون فيها أنفسهم، بعد أن ينشغل أباؤهم بأعمالهم الحقلية، فيهرع الأطفال إلى «الترعة الكبيرة» التي تشق قلب القرية، يتفنون فى إظهار الأكروبات واستعراض الرشاقة أثناء القفز للاستحمام في الترعة، إلا أن «السيد» لم يكن يأبه بما يصنعون، فقد كان يرافقهم إلى الترعة لكنه أبدًا لم يجرّب الاستحمام واستعراض مهارات القفز رغم بنيته القوية، ذلك أن له همًّا آخر.

كان يكتفى بأن يدلف إلى جسر الترعة فيأخذ من الطين بقدر ما تسمح قبضته الرقيقة، ثم يأوي إلى ظل شجرة الكافور العتيقة التي لا تزال شاهدًا حتى اليوم على بدايات السيد عبده سليم، ويبدأ في صنع أشكال من الطين كهيئة الطير والإنسان والأهرامات.. وغيرها مما يستلفت انتباهه خلال عدوِه بين الحقول أو في رحلات المدرسة إلى القاهرة والإسكندرية.

وكَبُرَ السيد لتكبر معه هوايتُه في التشكيل، والتي برزت بشكل مكثف خلال دراسته الثانوية وتطوّر الأمر من مجرد «اللعب بالطين»، إلى «التشكيل بالصلصال» في حصة التربية الفنية، وهو الأمر الذي أهّله للالتحاق بكلية الفنون الجميلة ليتخرج من قسم النحت عام 1976، ثم الدكتوراه من جامعة حلوان عام 1998.

وتدرّج في المناصب الأكاديمية حتى صار عميدًا لكلية التربية النوعية بكفر الشيخ، وبين هذا وذاك يقيم المعارض، الخاصة ويشارك في عشرات المعارض الدولية، بالإضافة إلى اضطلاعه بإنشاء أول مسبك في مصر – في قريته التي ولد ويعيش بها - لتنفيذ الأعمال البرونزية، يفد إليه الفنانون من جميع أنحاء العالم لتنفيذ أعمالهم هناك.

ويُعد السيد عبده صاحب رؤية خاصة ومذهب تشكيلي في أعماله يعتمد خطابًا دلاليًا مبنيًا على مكوّن ثقافي يستدعي الموروث الشعبي والتاريخي، وهو ما يظهر جليًا في عشرات الأعمال التى تكاد تنطق بالجمال في ميادين الإسكندرية والجيزة وكفرالشيخ وبورسعيد ودمياط والمنصورة وطنطا.

ومن أشهر أعماله: تمثال نجيب محفوظ بميدان سفنكس بالمهندسين، وتمثال طه حسين فى ميدان الجلاء، وتمثالان من البرونز لأمير الشعراء أحمد شوقي بمتحفه بالجيزة، وأمام حديقة الأورمان، وتمثال الدكتور مصطفى مشرفة بمدينة دمياط .

وفي الخارج نفذ عبده سليم تمثالاً من الجرانيت بمدينة تشانشونغ فى الصين، وآخر من الحجر الصناعى بمدينة فلنيوس في ليتوانيا، وثالث من الرخام في العاصمة اللبنانية بيروت، وتمثالات للرئيس الفنزويلي الراحل هوجو شافيز أحدهما في فنزويلا والثاني بالقاهرة.

ولم يكن سهلًا إقناع أهل قريته، بأنّ ما يصنعه هو ضربٌ من الإبداع وليس أصنامًا كما يردد المتشددون، لذلك كان حريصًا أن يبقى في قريته ولم يشأ أن يغادرها إلى أيٍ من مدنِ العالمِ المتقدم التي فتحت له ذراعيها وأن يؤسس فيها مسبَكه الشهير، وحين نجح في وضعِ القريةِ الصغيرة على الخريطة التشكيلية في منطقة الشرق الأوسط، أدرك أهله وذووه كم كان عظيمًا وفريدًا هذا الشاب الذي، لطالما، عارضوه واتهموه بصناعة الأصنام.

بقلم أحمد زكي شحاتة

بقلم الكاتب


شاعر وصحفي مصري


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

مبدع عالمي الدكتور سيد عبده وفخر لكل المصريين والعرب

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعر وصحفي مصري