الأزمة الإقتصادية في أواخر عصر سلالة أور الثالثة

واجهت سلالة (أور) الثالثة في عصر الملك (إبي سين Ibi-dEN.ZU) ضغوطًا سياسية وإدارية واقتصادية شديدة الخطر، كان لها دور كبير في انهيارها، وتمثلت بوادر الانهيار في أسباب داخلية وخارجية عدة.

اقرأ أيضاً الاقتصاد السلوكي

أسباب انهيار سلالة أور

الاسباب الداخلية فأولها فقدان السلطة المركزية الذي أدى إلى تشتت الإمبراطورية، ويبدو أن الولاء للملك لم يستمر طويلًا، فقد لوحظ أن (إبي سين) ما إن تولى منصب الملك وهو صغير السن حتى تقسمت الإمبراطورية، وذهبت المدن والأقاليم التابعة لها تعلن عن انفصالها واستقلالها، وأدى هذا إلى توقف الاعتراف بسلطة الملك الشرعية، فأعلنت (إشنونا) انفصالها في السنة الثانية، وتبعتها (سوسة) العاصمة العيلامية في السنة الثالثة.

وفي السنة الرابعة انفصلت (لارسا) بقيادة (نبلانم) الذي استقل بالحكم، وعين نفسه ملكًا على (لارسا)، ثم تبعتها (لكش) في السنة الخامسة، وتبعتها (أوما) في السنة التالية لها، واحتفظت مدينة (نفر) بولائها للملك حتى السنة السابعة ثم استقلت، فضلًا عن (إريدو) و(إيسن) لم يعلنا استقلالهما حتى السنة الحادية عشرة، وقد جاء هذا نتيجة غياب السيطرة المركزية الذي يعد أحد الأسباب التي أضعفت دولة (أور) الثالثة، وهذا كله مهّد طريق الأقوام المجاورة للهجوم على الدولة وتدميرها، وإلى جانب هذا كله فقد عانت بلاد الرافدين من سوء الأوضاع الاقتصادية ونقص المواد الغذائية في معظم سنوات حكم (إبي سين).

اقرأ أيضاً العقل الاقتصادي

أسباب التردي

وتُبين النصوص المسمارية أسبابًا عدة لهذا التردي، فارتفاع نسبة ملوحة التربة في البلاد والانقسامات الداخلية وموقف (إشبي-إيرا) من الملك (إبي سين) من جهة، وازدياد ضغط القبائل الأمورية والعيلامية من جهة أخرى كل هذه العوامل أدت إلى إضعاف الاقتصاد، وهيأت لانهيار الدولة.

ومن الأدلة على فقدان السيطرة المركزية للملك (إبي سين) عدم تأريخ حكام الأقاليم السنين بالحوادث حسب التاريخ الرسمي المعمول به والمعترف في العاصمة (أور)، وعدم إرسال النذور والقرابين إلى معبد الإله (سين) في العاصمة (أور) في السنة السادسة لحكم الملك (أبي سين).

اقرأ أيضاً النظام الاقتصادي ما بين الانهيار والبناء يوجد ضحايه

ما قاله "إشبي -إيرا" 

ومن الأمثلة على فقدان السيطرة أيضًا ما قاله (إشبي-إيرا) وهو يصف بعض الأعمال العدوانية للقبائل الأمورية حينما أرخ سنة حكمه العاشرة التي تتزامن مع السنة الحادية والعشرين من حكم (إبي سين) بالعبارة الاتية:

(mu mar-tu    A.SA    I-bi-dEN.ZU   ba-ab-ra)، والتي تعني:

«السنة التي فيها دمر أقوام المارتو حقل إبي-سين»، وكان لتردي الوضع الاقتصادي بعد دخول القبائل الأمورية بلاد الرافدين، وسيطرتهم على الحقول والأراضي الزراعية وقطع طرق المواصلات المؤدية إلى العاصمة من جهة، وزيادة نسبة الملوحة في أراضي السهل الرسوبي وارتفاع مستوى الطمي في أنهار الرافدين من جهة أخرى، ما أثر في ظهور نقص في المواد الغذائية وتسبب في ارتفاع الأسعار، ثم ظهرت المجاعة، ويمكننا معرفة تردي الأوضاع من المراسلات بين (إشبي-إيرا) و(إبي-سين).

«إلى إبي سين ملكي قل،

يقول إشبي - إيرا خادمك

لقد وليتني مسؤولية حمله إلى إيسن وكزالوا لشراء الشعير، لقد وصل الشعير إلى سعر كور واحد لكل شيقل واحد من الفضة حتى ذلك التاريخ، لقد أنفقت 20 وزنة من الفضة ثمنًا لشراء 72000 ألف كور من الشعير، لكن الآن بعد أن سمعت الخبر بأن الأموريين المعادين قد دخلوا بلادك إلى السهل، جلبتُ إلى إيسن الشعير كاملًا، لقد دخل الأموريون إلى وسط البلاد (وسط سومر)، وأخذوا يستولون على الحصون واحدًا تلو الآخر، وبسبب الأموريين فإنني غير قادر على نقل الشعير، إنهم أقوى بكثير مما أقدر عليه، عسى ملكي أن يرسل لي 600 قارب سعة كل منها 120 كورًا، واجعلني مسؤولًا عن المواقع التي سترسو فيها السفن، كل الشعير سيخزن في حالة جيدة، وإذا احتجت إلى الشعير، فإنني سأجلب الشعير لك يا ملكي، إن العيلاميين قد ضعفوا في المعركة، وقمحهم قد انتهى، فلا تضعف، ولا توافق على أن تكون عبدًا لهم، ولا تمشي وراءهم، إن لدي من الشعير ما يكفي مدة 15 عامًا لسد جوع قصرك ومدنه، يا ملكي ضعني مسؤولًا عن الإشراف على كل من إيسن ونفر».

يتضح من هذه الرسالة سوء الأحوال الاقتصادية وحاجة الدولة الملحة إلى مادة الشعير لسد النقص الشديد، ويبدو أكثر وضوحًا نص الجواب الذي بعث به الملك (أبي-سين) إلى (إشبي-إيرا) الذي عرض فيه شراء الشعير بالسعر المضاعف، وطلب إليه أن يلجأ إلى الحكام المجاورين في طلب المساعدة، ويختتم رسالته بالموافقة على طلب (إشبي-إيرا) في جعله مسؤولًا على (إيسن) و(نفر).

ويمكن استنتاج ما يأتي من تلك الرسائل

  1. إن الوضع السياسي لدولة (أور) الثالثة لم يعد آمنًا أو مستقرًا بسبب دخول القبائل الأمورية وفقدان السيطرة المركزية.
  2. تردي الأوضاع الاقتصادية لا سيما في مدينة (أور) ما اضطر الملك إلى دفع ضعف السعر لشراء الشعير من (إشبي-إيرا)، وأدت تلك الأوضاع إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية حتى إن سعر الكور الواحد من الشعير وصل إلى 60 ضعفًا عن سعره الاعتيادي في السنوات العشر الأولى من حكم (إبي سين).
  1. خيانة (إشبي-إيرا) الذي استغل سوء الأوضاع السياسية والاقتصادية، فنصب نفسه ملكًا على (إيسن) ومد نفوذه واستولى على غالب المدن التي كانت تابعة لسلطة (أور)، وقد سلطت النصوص الاقتصادية الضوء على الوضع الاقتصادي في عهد (إبي – سين) إلى جانب الرسائل الملكية، فالنصوص الخاصة بتوزيع الجرايات والمؤرخة في السنوات الثماني الأولى من حكم الملك تظهر أن جرايات الشعير أخذت بالتناقص التدريجي، ثم اختفى ذكرها، وهذا يفسر الارتفاع الفاحش في أسعار الحبوب، وهذا أيضًا ما جعل (إبي - سين) يوافق على شرائها بضعف سعرها الاعتيادي.

أسعار الشعير

أما أسعار الشعير ففي السنوات الخمس الأولى من حكم (إبي – سين) كانت منخفضة، فقد أشارت النصوص إلى أن سعر السيلا من الشعير يساوي 0.6 حبة من الفضة في السنة الخامسة، وبانتهاء السنة السادسة كانت الأسعار قد ارتفعت إلى حد كبير، وكان على الفرد دفع ما يساوي 9 حبات من الفضة لكل سيلا من الشعير؛ أي ما يعادل 15 مرةً السعر الاعتيادي.

أما في السنة السابعة فقد بلغ سعر السيلا الواحد من الشعير ما يساوي 18 حبة من الفضة؛ أي ما يعادل 30 مرة السعر الاعتيادي، وقبل نهاية السنة الثامنة كان سعر السيلا الواحد من الشعير قد بلغ 36 حبة من الفضة؛ أي يمكن الحصول على خمسة سيلات من الشعير فقط مقابل الشيقل الواحد من الفضة، وهذا يعني أن سعر الشعير يعادل 60 مرة سعره الاعتيادي.

وخلاصة القول إن (إبي – سين) ظل في هذا الوضع الاقتصادي المتدهور والأسعار التي ارتفعت ارتفاعًا لم يسبق له مثيل، وكان الوضع السياسي مضطربًا هو الآخر، وذلك لكونه فقد السيطرة على أجزاء كبيرة من الإمبراطورية بسبب حركات العصيان وهجمات القبائل الأمورية، فضلًا عن انتهازية (إشبي – إيرا) واستقلاله في (إيسن).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة