من بين الكُتاب والأدباء الذين يمكنك قراءة أعمالهم والتعرُّف على سيرهم لن تجد حالة مشابهة لحالة الاغتراب التي كان يعيشها الكاتب الجزائري مالك حداد، فهو تجربة خاصة قلَّما تتكرر على مستوى الكتابة، وكذلك على مستوى الواقع الذي كان يكتب فيه مالك حداد، فقد وقع الكاتب الكبير بين نشأته العربية الأمازيغية ولغته الفرنسية، ليصرخ مطالبًا بحرية وطنه بلغة أعدائه، ويكتب عن الجزائر بالفرنسية، ويصمت حين لا يجد مخرجًا من هذا النفق المظلم.
وفي هذا المقال نغوص معًا في هذه التجربة الثرية والاستثنائية للكاتب الجزائري الكبير مالك حداد، ذلك الطائر الذي حلَّق نحو الحرية والثورة، لكنه تخبط في جدران سجن اللغة ونزف إبداعًا يحتاج إلى الترجمة.
قد يعجبك أيضًا توفيق الحكيم (1898م _1987م ) بين ريادة المسرح وريادة الرواية
مالك حداد.. النشأة والتعليم والعمل
ولد الشاعر والكاتب والروائي الجزائري مالك حداد في مدينة قسطنطينة الجزائرية يوم 5 يوليو عام 1927، من أب أمازيغي يحمل كل ملامح الثقافة الأمازيغية، إضافة إلى ثقافة المدينة العربية التي يعيش بها، وهو ما جعل مالك حداد عربيًا أمازيغيًّا حتى أتم تعليمه، وانتقل للحصول على الشهادة الجامعية في فرنسا، حيث حصل على شهادة الحقوق من جامعة (إكس أون بروفانس)، وهي المرحلة التي اكتسب فيها الفتى العربي الضلع الثالث في مكونه الثقافي، وهو الضلع الفرنسي لغة وثقافة.
تولى مالك حداد عددًا من المناصب في مجلات أدبية مختلفة أشرف فيها على المواهب وأصحاب الإبداعات من الشباب، وعلى رأسها القسم الثقافي لمجلة النصر ومجلة آمال التي أسهم بها في إعداد جيل أدبي جديد من شباب الجزائر.
تولى مالك حداد الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب الجزائريين، إضافة إلى مناصب عدة ذات شأن كبير في وزارة الثقافة والإعلام الجزائرية في عهد الرئيس الجزائري هواري بومدين، وكان مالك حداد خلال عمله في وزارة الثقافة يُعد نافذة كبيرة للمبدعين والمثقفين والمواهب الجديدة مع أنه تعرَّض لكثير من الانتقادات من المعارضة السياسية التي كانت تضعه في كفة النظام المستبد والقامع للحريات.
حياة مالك حداد
يُمكن الحديث عن حياة مالك حداد بعدّها حالة كبيرة من الاضطراب الذي عاشه المفكر والكاتب الجزائري العربي صاحب الأصول والثقافة الأمازيغية، وهو يكتب باللغة الفرنسية لغة أعدائه، فكان يفكر بالعربية ويكتب بالفرنسية، ولا يوجد من يترجم هذه الكتابات الرائعة لأهله وأصدقائه وأبناء وطنه في الجزائر، وهو ما أصاب الكاتب مالك حداد بحالة نفسية غاية في العمق والتعقيد على مراحل متقطعة، إذ كان يتمزق بين ذاته العربية الأمازيغية من ناحية، ولسانه الذي أصبح واقعًا يصعب تغييره من ناحية أخرى.
يُعد مالك حداد أن ولادته الحقيقية هي يوم 8 مايو من عام 1945، وهو اليوم الذي اندلعت فيه أول شرارات الثورة الجزائرية، وخرج أبناء الجزائر يطالبون بالحرية، التي وعدت بها فرنسا الجزائر في حالة مساندتهم لها في أثناء الحرب العالمية، لكن فرنسا كعادة الدول الاستعمارية نقضت عهدها، وقابلت الثائرين الذين خرجوا بصدور عارية، قابلتهم بالرصاص لتحصد منهم أكثر من 45 ألف شهيد.
وبذلك كان مالك حداد أحد أصوات الثورة التي اندلعت بعد ذلك في منتصف الخمسينيات، فكان يتحدث بالفرنسية موجهًا حديثه للفرنسيين، الذين أدهشهم كثيرًا كيف لهذا الفتى أن يتحدث بهذه الطلاقة والقوة والجرأة، مطالبًا بحقوق بلاده التي تتحدث لغة أخرى، إذ كان الأمر يحمل كثيرًا من الفوضى والعبث، إلا أن مالك حداد كان له منطقه الخاص، فكان دائمًا ما يقول: «أنا أكتب باللغة الفرنسية لأخبر الفرنسيين أنني لست فرنسيًّا».
وهكذا عاش مالك حداد يكتب ويبدع باللغة الفرنسية، ويرعى الأصوات والكُتاب الذين يكتبون بالعربية والفرنسية، وهو ما رأى فيه مالك حداد طريقًا لصناعة جيل جديد ورفع مستوى الوعي في وطن ما زال يعاني آثار الاستعمار الطويل؛ لذا فإنه قد تحمل سنوات سهام النقد والمعارضة والأصوات التي تحدثت عن كونه جزءًا من نظام لا يراعي الحريات، فكان مالك حداد ماضيًا في رسالته وطريقه الذي اختاره بعد أن قال مقولته الشهيرة: «الفرنسية منفاي لذا قررت أن أصمت».
قد يعجبك أيضًا كامل كيلاني ( 1897 – 1959 ) رائد أدب الأطفال
أدب مالك حداد
عند الحديث عن أدب مالك حداد، فإننا نواجه حالة استثنائية لكاتب كان يعاني مأساة مزدوجة، وهي الاستعمار واللغة، وهذه المأساة هي ما حدَّدت المسارات التي يكتب فيها الشاعر والقاص الذي يندفع نحو قضايا وطنه وقومه وإنسانيته بقدر كبير من الوعي والرؤى التقدمية؛ لذا كان أدب مالك حداد مزيجًا من الفلسفة والبوح والثورة.
لم يكن أبدًا أدب مالك حداد غامضًا أو ملغزًا مثلما حدث مع كثير من الكتاب الفرنسيين الموجودين في الجزائر الذين كانوا نتيجة للثقافة الاستعمارية دون مقاومة كما حدث مع مالك حداد، فقد كان يرى الثورة بعاطفته وليس بأفكاره وآرائه، وهو ما يمكن ملاحظته في روايات وقصائد مالك حداد التي تصرخ أحيانًا بالوطنية والحماسة، وكأنه فقد سيطرته على نفسه، أو أنه يقصد ذلك بوعي كبير.
يقول النقاد عن مالك حداد: إن لغته الشعرية كانت تطغى على لغته القصصية في أعماله الروائية، وهو ما أسهم في تحويل عدد من أعماله إلى منولوج طويل، مثل قلة الشخصيات في رواية (التلميذ والدرس) وعلى الرغم ذلك، فإن النقاد أيضًا لا ينفون عن أدب مالك حداد قدرته على صياغة الحلم والثورة بواسطة مجموعة من الرموز الحياتية، وفي مزيج مبدع يُمكنك أن ترى بواسطته أبطال روايات مالك حداد كشخصيات بسيطة، ويمكنك أن تراهم أيضًا رموزًا للمقاومة الجزائرية وللثورة وللتغيير وللدماء الجديدة.
ومع أن إبداعات مالك حداد كلها تقريبًا كُتبت في سنوات التحرير؛ أي ما بين عامي 1954 و1962، فإنها على قلتها أصبحت جزءًا من الذائقة الأدبية الجزائرية، وجعلت صاحبها يحتل مكانة كبيرة وسط المبدعين والكتاب الكبار في الجزائر في النصف الثاني من القرن الـ20 حتى الآن.
وكما كان يقول مالك حداد: «علينا أن نمنح المشاعر عقلًا والعقل عاطفة»، فقد تداخلت في أعماله العاطفة بالأفكار، وتداخل ما هو سردي مع ما هو شعري، وما هو موضوعي مع ما هو ذاتي، وكذلك ما هو إنساني مع ما هو وطني، وكأنك تتعامل مع الأدب في شكل إنسان يشعر وينفعل؛ لذا فإن وضع ملامح أدب مالك حداد في إطارها الزمني وسياقها التاريخي، وكذلك بالنظر إلى طبيعة وظروف مالك حداد نفسه، يمكنك أن ترى تجربة إبداعية متفردة ومتحررة.
ترجمة أعمال مالك حداد
عندما كان مالك حداد يكتب باللغة الفرنسية كان في الوقت نفسه يبحث عن ترجمة هذه النصوص إلى العربية، لكنه لم يعايش إلا بعض المحاولات القليلة لترجمة أعماله، حتى إنه قال: «تفصلني الفرنسية عن وطني أكثر مما يفعل البحر الأبيض المتوسط»، فإن الظروف السياسية والاجتماعية في ذلك الوقت لم تكن في صف الكاتب الكبير.
وقد أشارت الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي عن موقف جمعها مع مالك حداد في اتحاد الكتاب في الجزائر، قائلة إنها كانت قليلة الخبرة في ذلك الوقت، ولم تستطع الرد على الكاتب الكبير حين طلب منها ترجمة بعض كتاباته ونصوصه إلى اللغة العربية؛ حتى يسمعها في برنامجها الإذاعي، فلهذه الدرجة كان الرجل متواضعًا، ولهذه الدرجة كان يتمنى ترجمة أعماله إلى العربية.
عايش مالك حداد بعض الاجتهادات البسيطة في ترجمة أعماله، مثل ترجمة رواية (ليس في رصيف الزهور من يجيب) عام 1965 عن طريق الباحث الجزائري حنفي بن عيسى، وترجمة بعض النصوص المتفرقة عن طريق الباحثة السورية ملك أبيض.
وبعد وفاة ملك حداد تُرجمت بعض أعماله عن طريق الكاتب الجزائري شرف الدين شكري، وكذلك ترجمة مجموعة من أشعاره في كتاب بعنوان (عام جديد بلون الكرز ) عن طريق سلسلة كتاب الدوحة في قطر عام 2014، ولا يمكن التغافل عن الجهد الكبير الذي فعله الروائي والقاص الكبير سليم بوفنداسة، حينما ترجم مجموعة من نصوص مالك حداد التي كتبها في ديوان (المأساة في خطر) وديوان (انصتي وأنا أناديك)، لتبقى كتابات مالك حداد تنتظر الترجمة التي تليق بهذا المبدع الكبير.
أعمال مالك حداد
- ليس في رصيف الأزهار من يجيب
- سأهبك غزالة
- التلميذ والدرس
- عام جديد بلون الكرز
- الشقاء في خطر
- الانطباع الأخير
- الأصفار تدور في فراغ
- أنصتي وأنا أناديك
وهكذا يصعب تكرار هذه هي التجربة الإبداعية الاستثنائية للشاعر والقاص والروائي الجزائري مالك حداد؛ لما قامت عليه من ظروف سياسية واجتماعية معقدة، وبذلك فإن مكانة هذا المبدع الكبير يجب أن تكون استثنائية أيضًا في مشهد الكتابة العربية، وفي وعي القارئ الجزائري أولًا والقارئ العربي من بعده.
وفي الأخير نتمنى أن تكون هذه الجولة في حياة وأعمال الكاتب الجزائري مالك حداد قد قدَّمت لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات واقتراحاتك عن مقالات أخرى ترغب في قراءتها على جوك.
وفاة مالك حداد
توفي الشاعر الجزائري الاستثنائي مالك حداد في 2 يونيو من عام 1978 عن عمر ناهز 51 عامًا، تاركًا خلفه عددًا من الأعمال التي تحتاج إلى الترجمة من الفرنسية إلى العربية، وتاركًا خلفه أيضًا عددًا من الأصوات التي أصبح لها شأن في المشهد الأدبي الجزائري، وربما في المشهد العربي كُله نتيجة مجهودات الشاعر الذي آثر الصمت والعمل على المواهب الجديدة على الدخول في صراعاتٍ لا تليقُ بفارس وفيلسوف وكاتب قلَّما يجود الزمان بمثله.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.