في قلب دمشق، حيث عبق الياسمين يفوح في الأزقَّة القديمة، وحيث حكايات التاريخ تتناقلها الأجيال، شقَّت ماري العجمي طريقها في زمنٍ عصيب، وتركت بصمةً لا تُمحى في تاريخ سوريا والعالم العربي، وكانت نجمةً ساطعةً في سماء الأدب والوطنية، وقصيدةً لم تكتمل في سجل الخلود.
النشأة والتعليم
في الرابع عشر من مايو عام 1888، أطلَّت ماري على الدنيا، في بيتٍ دمشقي عريق، تعود أصوله إلى مدينة حماة. نشأت ماري، وتغذَّت روحها على حب الوطن والعروبة. وتلقت تعليمها في مدارس إرسالية، ثم انتقلت إلى بيروت لدراسة التمريض. لكن القدر شاء أن تعود إلى دمشق، لتكرس حياتها لخدمة مجتمعها ووطنها.

ماري العجمي أكثر من مجرد أديبة
- رائدة نسوية: كانت ماري امرأةً سبقت عصرها، وآمنت بدور المرأة في بناء المجتمع وتقدمه.
- مناضلة وطنية: تجولت في مصر وفلسطين والعراق، وعملت في مدارسها، وكتبت مقالات صحفية تعبر عن هموم الوطن وآماله.
- مُصلحة اجتماعية: كرست جهودها لتحسين أوضاع المجتمع، والدفاع عن حقوق الفئات المهمشة.
- رائدة صحفية: في عام 1910، أطلقت ماري مجلة "العروس"، لتكون أول مجلة نسائية في العالم العربي. وبواسطة هذه المجلة، فتحت صفحاتها للأدب والفكر والثقافة، ودعت إلى تحرير المرأة من قيود الجهل والتخلف، وتحرير الرجل من جحود الحقوق.

شارك في الكتابة في "العروس" كبار الأدباء والمفكرين، أمثال جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، ليصبح هذا المنبر صوتًا للنهضة والتنوير.
- مؤسسات خيرية واجتماعية: لم تكتفِ ماري بالكتابة في "العروس"، بل أسست أيضًا: النادي النسائي الأدبي، وجمعية نور الفيحاء، ومدرسة بنات الشهداء. لتكون هذه المؤسسات حاضنةً للنساء، وميدانًا للعمل الاجتماعي والخيري. انتُخبت ماري عضوًا في "جمعية الرابطة الأدبية"، لتكون المرأة الوحيدة في هذه الجمعية، وتثبت جدارتها وقدرتها على الإبداع والتميز.
قصة حب ملتهبة ونضال انتهت بفاجعة
عاشت ماري قصة حب ملتهبة مع المناضل اليوناني الوطني بترو باولي الذي عمل مراسلًا لمجلتها في بيروت.
لكن القدر لم يمهلهما، فقد اعتقله العثمانيون وأعدموه، لتفقد ماري شريك حياتها ورفيق دربها. وعلى الرغم من هذا الفقد الكبير لم تستسلم لليأس، بل استمدت من حبها لبترو قوةً وإصرارًا، وكرَّست حياتها للوفاء لذكراه وتحقيق حلمه في وطن حر ومجتمع عادل.
تجسَّدت شجاعة ماري خلال مدة سجن باولي في زياراتها المتكررة ورسائلها المفعمة بالأمل التي عبرت فيها عن روحها الثائرة قائلة: "أخي السجين، أكتب إليك على ضوء القنديل، ولكن ما ينفع النور إذا كان القلب مظلمًا؟.. خذ حرية كحريتي، إن شئت، وأعطني سجنًا كسجنك…".
تحديات كبيرة
واجهت ماري العجمي تحديات كبيرة في حياتها. فقد عاصرت الحكم العثماني، والاحتلال الفرنسي، وناضلت ضد الاستبداد والاستعمار. رفضت إغراءات المستعمر الفرنسي، وتعرَّضت لمضايقات السلطات، لكنها ظلت صامدة، مؤمنة بقضيتها، ومدافعة عن حقوق وطنها وشعبها.
رحيل ماري عجمي
رحلت ماري العجمي في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1965، ولم تحظَ جنازتها إلا بحضور قليل.
لم يحظ نضال ماري بالتقدير الذي يستحقه؛ فقد عاشت في زمنٍ لم يكن فيه للمرأة صوت مسموع.
ومع ذلك، فإن ماري العجمي ستبقى في ذاكرة التاريخ، رمزًا للمرأة المناضلة، وصوتًا للوطن الحر، وشعلة أضاءت دروب النضال. لكن إرثها سيبقى خالدًا، وقصتها ستُلهم الأجيال القادمة. فقد كانت ماري امرأةً استثنائية، وشاعرةً مُبدعة، ومناضلةً شجاعة، تستحق منا كل التقدير والاحترام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.