في كثير من الأحيان، نقرأ فكرة فلسفية تبدو للوهلة الأولى مجرد تأمل نظري، لا أكثر. ثم تمضي الأيام، ويأتي العلم ليثبت ما ظنه الفلاسفة حدسًا.
الفلسفة تقول، وعلم النفس يؤكد، والطب النفسي يلاحظ ويشخّص.
ومن بين تلك الأفكار التي بدأت في عقول الفلاسفة: أن الإنسان لا يعيش الحياة كما هي، بل كما يلعبها.
فلكل منا دور… قد نظنه عفويًّا، لكنه في الحقيقة دور متكرر، مألوف، وربما موروث.
منقذ.. ضحية.. بطل.
ثلاثة أدوار يلعبها الناس في كل علاقة، وكل أزمة، وكل لحظة ضعف أو محاولة إنقاذ.
الضحية والمنقذ والبطل ما بين الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والطب النفسي
لاحظ الفلاسفة القدامى من خلال تأملاتهم وتعاملاتهم مع البشر والحياة، أن البشر منقسمون من ناحية تعاملهم مع الحياة والأزمات إلى أقسام:
1. الفلاسفة الأوائل
بعض الفلاسفة مثل جان بول سارتر ونيتشه أشاروا إلى مفاهيم مثل:
الإنسان إما أن يعيش ضحية خاضعة للمجتمع والقدر، يريد من ينقذه، يُلقي اللوم دائمًا على الظروف، ينظر للناجحين في الحياة على أنهم محظوظون يولدون هكذا، ينتظر دومًا مساعدات ممن حوله، ويظن أن مساعدتهم له حق واجب.
وإما أن يتحمل مسؤوليته كفرد حر قادر على صناعة مصيره.
في كتابات سارتر مثلًا، يتكلم عن الإنسان الذي «يهرب من الحرية» ويلقي اللوم على الظروف بدلًا من أن يواجه اختياراته… وذاك بالضبط دور الضحية.
بعد ذلك جاء علماء النفس وأكدوا ما قاله الفلاسفة.
2. التحليل النفسي
لاحقًا، علماء النفس مثل إريك بيرن (مؤسس «التحليل التبادلي») فكروا في العلاقات بين البشر على شكل «ألعاب نفسية»، ومن هنا جاء تلميذه ستيفن كاربمان ووضع مثلث الضحية – المنقذ – الجلاد.
ومن ثم لاحظ علماء الطب النفسي أن المرضى المتعلّقين باضطرابات العلاقات (مثل اضطراب الشخصية الحدّية أو النرجسية) يلعبون هذه الأدوار على نحو متكرر، فبدأ يظهر استخدام المفهوم في العلاج النفسي.
الفكرة كما بدأت:
قال بعض المفكرين إن البشر حين يُوضعون في مواقف شديدة، ينقسمون إلى ثلاثة:
من يرى نفسه مظلومًا ضعيفًا وينتظر أن يأتي أحدهم لإنقاذه.
ومن يهبّ للمساعدة، ظانًا أن خلاص الآخرين هو مسؤوليته وحده.
ومن يسيطر ويتحكم ويلقي الأوامر أو اللوم، كأنما يملك الحقيقة المطلقة.
مرت السنوات، ثم جاء علماء النفس ليدرسوا هذه «الأدوار النفسية» في العلاقات البشرية.
ففي ستينيات القرن الماضي، وضع الطبيب «ستيفن كاربمان» نموذجًا شهيرًا أطلق عليه «مثلث الدراما»، وأثبت فيه أن كثيرًا من الاضطرابات في العلاقات تنبع من تبنّي الإنسان لأحد هذه الأدوار الثلاثة.
ما هذه الأدوار؟
الضحية
دائمًا ما يشعر هذا الشخص بالعجز. يرى أن الحياة قاسية، والناس لا تفهمه، وأنه لا يستطيع أن يغيّر شيئًا.
هو لا يطلب المساعدة على نحو مباشر، لكنه يرسل إشارات مستمرة بأنه محطّم، وينتظر من ينقذه… دون أن يسعى بنفسه إلى النجاة.
المنقذ
يتصرف بدافع الرحمة، لكنه في العمق قد لا يشعر بقيمته إلا إذا أنقذ الآخرين.
ينسى نفسه، يُهمل احتياجاته، يُرهق روحه وجسده وهو يحمل مسؤولية من حوله… أحيانًا دون أن يُطلب منه ذلك.
البطل (الجلاد)
يبدو قويًّا، لكنه في الغالب يُخفي ضعفًا داخليًّا وراء سلطة زائفة.
يلوم الآخرين، ينتقدهم، يتحكّم فيهم، ويتصور أنه الوحيد الذي يعرف الصواب.
هذا الدور يمنحه شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنه يُفسد كل علاقة فيها تواصل حقيقي.
لكن، أين البطل الحقيقي؟
البطل الحقيقي ليس منقذًا ولا جلادًا، ولا ينتظر أحدًا ليخلّصه.
هو الإنسان الذي يواجه الحياة كما هي، يتحمّل مسؤوليته كاملة، ويصنع الفرق دون أن يفقد نفسه في الآخرين.
هو من يعرف متى يساعد، ومتى يتراجع.
متى يقول: «أنا هنا»، ومتى يقول: «هذه ليست معركتي».
إليكم مثالًا يوضّح الفكرة التي أحب إيصالها.
تخيل مثلًا أن حربًا اندلعت، والناس تعيش في فوضى.
وسط الحرب والخوف، انقسم الناس إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: ركضوا إلى الجرحى، يساعدونهم، يحملونهم، يوزّعون الماء والطعام… نسوا أنفسهم وأن يتفقدوا جروحهم. نسوا أن يختبئوا. كانوا منقذين، حتى اختفوا في إنقاذهم.
المجموعة الثانية: جلسوا يبكون. قالوا إنهم لن ينجوا. قالوا إن لا أحد سيساعدهم. لم يتحرّكوا رغم أنهم قادرون على التحرّك أو حتى تضميد جراحهم. كانوا ضحية، حتى وهم قادرون على النهوض.
المجموعة الثالثة: صرخوا في الناس: «أنتم أغبياء! أنتم السبب!» راحوا يوزّعون الأوامر، ويتّهمون الجميع بالعجز… كانوا جلادين، يُخفون خوفهم خلف صوتهم العالي.
وفي هذه اللحظة، فهمت الحقيقة:
نحن، في هذه الحياة، مثل لاعبين في مسرح واسع.
كل منا يرتدي قناعًا: منقذ، ضحية، أو بطل زائف.
لكن العالم لا يحتاج أقنعة.
العالم يحتاج من يخلع الدور، ويتصرف بصدق، ويتحمّل مسؤوليته، ويشارك من موقعه دون أن يذوب في أحد.
خلاصة
إنك لست منقذًا لأحد، وليس أحدٌ منقذًا لك. كل إنسان يؤدي دورًا في حياته، إمّا أن تكون ضحية لمرضك، لفقرِك، لصعوبات حياتك، تنتظر من الآخرين مساعدتك، وإذا كان البشر ضحايا لظروف مرض أو فقر وصعوبات حياة، لأصبح كل البشر ضحايا ومساكين.
وإما أن تكون منقذًا تساعد الآخرين وتنسى حياتك. عليك أن تعلم جيدًا أن مساعدتك للآخرين ليست فرضًا واجبًا، بل هي تفضُّل منك، وأنه لا بد أن تضع نفسك في الأولوية، أي تساعد بقدر استطاعتك، ولا تفني نفسك في مساعدة الآخرين، وأن تساعد الآخرين بقدر ما يحتاجونه، أي لا بد أن يبدأوا أولًا في مساعدة أنفسهم، وإذا عجزوا طلبوا من الآخرين مساعدتهم.
أو أن تكون بطلًا تنظر إلى الحياة كأنها لعبة، وإلى مرضك كأنه تحدٍّ، وتبحث عن الأسباب لتنجو دون انتظار منقذ. لو أن كل إنسان نظر إلى صعوباته بوصفه ضحية لها، لكان كل البشر ضحايا ومظلومين.
كل إنسان سيُصبح ضحية لشيء، منهم من يُصبح ضحية لمرضه، والآخر لفقره، والأخير لمعاملة أهله القاسية. أنت لست ضحية.
شاركوني بآرائكم وتجاربكم الشخصية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.