تُعد نظرية الالتزام عند سارتر حجر الزاوية في فهم العلاقة الجدلية بين الكاتب ومجتمعه، فقد نقل الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر مفهوم الكتابة من الترف الجمالي إلى ساحة النضال والمسؤولية في كتابه المرجعي «ما الأدب؟». فإذا كنت تتساءل ما المقصود بالأدب الملتزم عند جون بول سارتر؟ وهل تتعارض وظائف الأدب الملتزم مع الإبداع الفني؟
فإن هذا الدليل يقدم لك تحليلًا شاملًا للجذور الفلسفية للمفهوم، وأوجه الاختلاف بينه وبين المذاهب الأخرى مثل الأدب الرومنطيقي، وصولًا إلى نقد مفهوم الالتزام عند سارتر في الدراسات النقدية الحديثة.
هل الكتابة فعل بريء؟
كثيرًا ما نسمع عن «الأدب الملتزم» لا سيما عند الحديث عن العلاقة بين الأدب والالتزام السياسي، ونتساءل: هل الكتابة فعل بريء؟ هل يوجد أدب آخر «غير ملتزم»؟ الإجابة عند الوجوديين هي «لا»، فالصمت بحد ذاته موقف.
يُعد الكاتب الفرنسي جون بول سارتر الفيلسوف المرجعي لمفهوم الالتزام الذي ظهر في اللغة الفرنسية في لحظة تاريخية محدَّدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفرض نفسه على النقاشات الأدبية والفكرية في فرنسا وإيطاليا خاصَّة. وقد أثار هذا المفهوم في عصره وفي العصور اللاحقة جدلًا كبيرًا وبعض التحفُّظات.
1. الأدب الملتزم كما عرَّفه سارتر
ما المقصود بالأدب الملتزم عند جون بول سارتر؟ في كتابه «ما الأدب؟» الذي نشره سنة 1947 عرض سارتر لمفهوم «الأدب الملتزم»، أو نظرية الالتزام عند سارتر حين عدَّ أنَّ الأدب ليس سوى جهد ونضال من أجل بلوغ المعرفة والحريَّة. أي إنَّ الالتزام في الأدب هو الانخراط في خدمة قضيَّة ما.
وبطرحه لأسئلة فرعية من قبيل «ما الكتابة؟» أو «لماذا نكتب؟» أو «لمن نكتب؟» سعى سارتر إلى تقديم إجابات تجعل من فعل الكتابة فعلًا التزاميًّا يُكرِّس فيه الكاتب جهوده للوضع الاجتماعي والثقافي والسياسي ولقضايا الإنسان عامَّة.
ويُلخِّص هذا المفهوم بالقول «الأدب الفعَّال هو الأدب الذي يدفع الإنسان نحو تحسين وضع البشريَّة ونحو آفاق الإنسانيَّة الرحبة» خاصَّة وأنَّ سارتر قد ربط هذا المفهوم بفلسفة سارتر الوجودية (Existentialism) ذات المنزع الإنساني التي ترى أن الأدب الوجودي هو مرآة تظهر حرية الإنسان ومسؤوليته.
2. مهامُّ الأديب الملتزم ووظائف الأدب الملتزم
يعد سارتر الكاتب الملتزم هو الكاتب الذي يقف في قلب أحداث عصره، ويُشدِّد على أنَّ «الأدب هو أداة نضال لكلِّ شخص اختار الكتابة»؛ لأنَّ الكاتب في نظره -أراد ذلك أو لم يُرده- سيجد نفسه في مواجهة الواقع، وهو مدعوٌّ إلى أن يكون شاهدًا على أحداث عصره، وهذا هو جوهر الأدب التفاعلي مع الواقع.
ويذهب سارتر إلى ربط الكتابة الملتزمة بمعاني التضحية والفداء، وفي المقابل يحتقر أولئك الكتَّاب الذين اكتفوا بمراقبة واقعهم، أو الذين يقفون منه موقف الحياد أو موقفا سلبيًّا.
ويرى سارتر أنَّ الأدب الملتزم لا يمكن مقابلته بأدب «غير ملتزم»؛ لأنَّ الأوَّل هو أدب انخراط ومشاركة، أما الثاني فهو نوع من أنواع الهروب والانسحاب كما هو الحال عند الرومنطيقيِّين كما يقول.

3. مراجعة مفهوم الالتزام
نقد مفهوم الالتزام عند سارتر: هل يوجد أدب غير ملتزم؟
يبدو مفهوم «الأدب الملتزم» كما نظَّر له سارتر ووضع دعائمه مفهومًا تاريخيًا، وممارسة كتابيَّة، وموقفًا من الواقع وقضاياه. وقد كان منذ أن طرحه سارتر وإلى اليوم محلَّ جدل ومراجعات في النقد الأدبي الحديث، فيذهب بعض النقَّاد إلى أنَّ الأدب بطبيعته ملتزم والكتابة مهما كان نوعها أو اتِّجاهها هي بالضرورة نوع من أنواع الالتزام في حدِّ ذاتها.
الأدب الرومنطيقي والالتزام
في حين اعترض آخرون على إخراج أنواع أدبية من دائرة الالتزام أو وَسْمِها بأنَّها «غير ملتزمة»، حينئذ تبرز مقارنة بين الأدب الملتزم والأدب غير الملتزم.
فالأدب الرومنطيقي مثلًا تعرَّض لكثير من الانتقادات على يد سارتر لا يخلو في نظر هؤلاء من مظاهر الالتزام ومن نزعة إنسانية، فأدباء كثيرون انتموا إلى هذا التيَّار في الغرب والشرق قدَّموا أنفسهم على أنَّهم «أنبياء» وانخرطوا في قضايا مجتمعاتهم.
الأدب بين الجمالية والالتزام
من التحفُّظات التي قُوبل بها هذا المفهوم أيضًا أن «نرهن» الأدب لخدمة قضايا بعينها أو حصره في وظيفة محدَّدة، وهو ما يهدد علاقة الأدب بالقضايا الاجتماعية والسياسية بالتحول إلى خطابة مباشرة، والحال أنَّ الأدب «لا موضوع له» كما يقول ابن خلدون.
أفلا يفقد الأدب خصوصيَّته كونه أدبًا عندما نحصره في وظيفة محدَّدة؟ وما الذي يجعله يتمايز عن الخطابات الأخرى كالخطب السياسية والاجتماعية التي تضع في رأس أولوياتها قضايا المجتمع؟
ثمَّ ألا يُصبح الأدب بهذا المعنى «ظرفيًّا» لأنَّه يرتبط بعصره وكأنَّ الكاتب يتنصَّل من الكتابة للأجيال القادمة أو لا يعنيه عصر غير عصره؟ أليس سارتر نفسه يؤكِّد هذا الزعم عندما يقول في مقال من مقالاته «نحن لا نرغب في كسب قضيَّتنا في الاستئناف ولا نهتمُّ بإعادة تأهيلنا بعد وفاتنا. فهُنا وفي حياتنا نربح القضايا أو نخسرها».

4. من أجل تحرير مفهوم الأدب الملتزم
مراجعة مفهوم الأدب الملتزم عبر التاريخ: يمكن عدُّ «مفهوم الالتزام» في الأدب مفهومًا إجرائيًا عابرًا للتاريخ والعصور الأدبيَّة، ولا يُمكن حصره في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولا في تيَّار أدبيٍّ بعينه. ويُمكن تحريره من شروطه الفكرية والفلسفيَّة التي أنتجته على عهد جون بول سارتر.
إشكاليات الأدب الملتزم وتطور المفهوم
يكفي أن ينخرط الأديب في الدفاع عن قضيَّة يكرِّس لها كتاباته حتَّى نعده «ملتزمًا» دون أن تتحوَّل الشروط الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية إلى معايير فرز، ودون تغييب للأبعاد الجمالية الفنية التي تجعل الأدب أدبًا وتميِّزه عن أنواع الخطابات الأخرى. ولأنَّ الأدب مهما كانت مرجعيته يهدف إلى التغيير ويطمح إلى التأثير في الواقع.
وهذا المفهوم المرن هو ما نراه بوضوح في الالتزام في الأدب العربي، فقد ارتبط الشعر والنثر بقضايا التحرر والنهضة دون التخلي عن الجماليات.
في الختام، ندرك أن نظرية الالتزام عند سارتر لم تكن مجرد دعوة سياسية عابرة، بل كانت رؤية فلسفية عميقة رسخت مفهوم الالتزام في الأدب كونه أداة للتغيير الاجتماعي.
إن دور الكاتب الملتزم لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يمتد ليكوِّن وعي الجماهير، وعلى الرغم من تعدد وجهات النظر حول إشكاليات الأدب الملتزم وتطور المفهوم، تظل فلسفة سارتر الوجودية تذكرنا دائمًا بأن الكلمة مسؤولية، وأن الحياد في القضايا الإنسانية الكبرى هو خيار مستحيل في عالم الأدب الحقيقي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.