الأدب العربي بين شاعر التنوير وشاعر التصوير

هذه سلسلة دراسة أدبية في الشعر العربي النيجيري ومقارنته بغيره من الشعر في البلاد العربية.

اقرأ أيضًا الفخر في الأدب الجاهلي ( دراسة موضوعية لشعر الفخر عند قيس بن الخطيم )

مصر الشاعرة

الإبداع المصقول الذي يحيط بمصر العربية، هو الذي يلد شعراء عصرًا تلو عصر، وهو الذي يودع فيهم قوة التصدير في العالم الخيالي والتصويري.

وكيف لا؟ فقد قال أحمد شوقي أروع ما قاله المعاصرون، وخرج البارودي على حين رقدت الحركات الشعرية في العالم العربي أجمع، وينطق حافظ إبراهيم بلسان مصر العربية وشعبها، ويبهر المازني والعقاد والشكري، ويشعُّ ضوء الرافعي في ريعانه.

وهؤلاء شعراء عظماء في مصر خاصة، وشعراء باهرون في العالم أجمع.

ولماذا لا تتولد فيهم الشاعرية الفائضة التي شلَّالها الروعة والرونق في الإبداع، فمن قرأ تراث هؤلاء الشعراء في قرنهم، رأى أنهم غطُّوا آفاق الإبداع، وما تركوا شيئًا إلا ووشحوا به حُللَهم. وهذا شوقي يصف الأهرامات، والنيل، والشعب المصري المقدم على التطور.

ولو أردنا الكلام عن شاعرية مصر العربية، فإننا نبحر فيما لا قعر له في الأدب العربي؛ إذ يوجد شعراء لم تصل إلينا أشعارهم إلا بعد وفاتهم، وهم مغلَّبون.

وأشعار نعزوها إلى العصور الأدبية المتقدمة للتلاؤم، أمثال أشعار أحمد شوقي أو البارودي. وهذا الأزهر التي مر بها عظماء التاريخ، ولقد صحَّت مقولة من قال: «الدنيا مدفونة في مصر». وهي أكبر من التاريخ ورجالها لهم بصمات في تاريخ البشرية.

لا يجحد منزلة مصر الشعرية إلا مَن لا يعرف في الشعر شيئًا، أو لم يكن في جُعبته معلومات القدامى؛ لأنه لا يمكن فصل الشعر عن مصر، ولا يمكن محو هذا التاريخ التليد، ستبقى مصر شاعرة ما دامتْ.

اقرأ أيضًا الحب والمرأة في شعر إيليا أبو ماضي

نيجيريا الشاعرة

من العجب العجاب أن تكون دولة غير عربية تتصدر في قوائم الدول العربية الشاعرة؛ وما ذلك إلا التوارث بين الأجيال الماضية والأجيال القادمة.

ونيجيريا من الدول الإفريقية التي لا يغيب عنها الشعراء، ولا يسكت لسان شاعر فيها، ولا يزال ينفسح الأفق لمن أراد الإبداع الباهر، ويسعى في ركب النوابغ من الشعراء الذين لم تزل ذكراهم خالدة في تاريخ البلاد.

ولقد بدأ الشعر في نيجيريا، وكان ذلك موضع الحديث المثار بين العرب، وخاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه، ولقد بلغ الشعر العربي النيجيري قمته المرموقة، وجاء من يزيد هذا البهاء جلاء، ويطرز هذا الوشاح.

فماذا يكون في نيجيريا يقوله الشعراء؟

إن نيجيريا كادت أن تكون عربية لولا الاستعمار البريطاني، ولكن مع ذلك عربية من ناحية الإبداع الزاخر، الذي يظهر كل حين في نيجيريا؛ فلا يزال فيها بيت من بيوتها إلا وفيها شاعر يقول على غرار سابقيه، والشعراء في نيجيريا حاليًّا لا يدركهم الإحصاء من كثرتهم شرقًا وغربًا.

والذي يقوله الشعراء على ألسنتهم مثل ما يقوله الشعراء العرب الذين عُرفوا بأمجاد تراث.

والشعر النيجيري الآن يكشف عن دفينها وعن أمجاد رجالها، وعن قدرات الأفارقة التي يجحدها بعض الناس، وتعيد نيجيريا قوتها بهؤلاء الشعراء الذين يؤسسون هذا الشموخ والسمو.

كلما حُوْوِلَ إحصاء عدد هؤلاء الشعراء أعجزت حركات أخرى لم تظهر، وإذا أنصفنا هذه الدولة أطلقنا عليها دولة الشعراء الإفريقية، أو ركاز الشعر؛ إذ هذا الشعر ينبع وليس له غور، ولا يزال كل من يكتب الشعر ينهل من هذا الينبوع الفائض.

ولقد تبوأت نيجيريا هذه المكانة لقوتها في إفريقيا أجمع، ولسيادتها العلمية، ولموقفها الحضاري الذي لا تغيب عنه الشمس.

والمدارس التي يتخرج فيها الطلاب تُعدُّ رجالًا يملكون ناصية الإبداع والشعر الجيد، وتذكو فيهم لهب الشعور الذي لا يخمد.

عرف الناس هذه المكانة لها، وأبناؤها لا يزالون يرفعون لها رايات في عوالم، حتى إذا لم يكن فيها مَن يكتب أبياتا طويلة حينًا، نجده يقذفه إلهامه في حضرة المقلِّين من الشعراء في البلد.

اقرأ أيضًا تعرف على "سلسلة ما".. بين الشعر والسينما والفلسفة والتربية وغيرهم

الشعر المصري والنيجيري

مصر الشاعرة ونيجيريا الشاعرة مقدمة لهذا البحث المتواضع؛ لأن الكلام سيدور حول الشاعرين النيجيريين القدسي ولوَنْ اللذين يدرسان في الأزهر الشريف، فتكون هذه المقدمة هي التي تكشف عن مصدر شاعرية هذين الشاعرين النيجيريين، ولا نستغرب إذا قيل شاعران أزرهيَّان نيجيريَّان. فيكون معنى ذلك أنهما من دولة شاعرة إلى دولة شاعرة، فأما القدسي فهو شاعر التأثير، ولوَنْ شاعر التصوير. 

وهذا الحديث من سلسلة الشعراء النيجيريين الذين يجب التطرق إليهم لنعرف كمية هؤلاء الشعراء بقدر إمكان، وبعد أن دار الحديث عن الشعراء النيجيريين في المملكة العربية السعودية.

والمراد من هذه السلسلة أن يقف شعراء في نيجيريا أن هناك شعراء غيرهم، وأن نيجيريا لها صدارة في الإبداع، وأن الشعر من مفاخر النيجيريين في كل مكان.

وهذان الشاعران هما محور الكلام، وليس أنه لا يوجه شاعر نيجيري آخر في مصر العربية، ولكنهما رفعا رأسيهما من بين صفوف الشعراء المتزاحمة بما يملكان من قوة القريحة، وجدة القول المبين، والتعبير الجاذب، والمعنى الموصول، واللفظ الدالِّ، والبيان القادر، والبلاغة الرائعة، والكلمات الجامعة.

واستطاع هذان الشاعران أن يمشي في قوارع الطرُق من دوت تخبُّط ولا تمايلٍ يمينًا وشمالًا، فأما الأول فقد صوّر بشعره المستحيلات، وتفوق على أقرانه في هذا المجال.

وأما الثاني فقد أفصح عما لم يفصح عنه شاعر متغرب مثله في مصر، وإذا أُريدَ جمع أقوال الناس فيهما، فيكونا مُتنبيَّين؛ لأنهما يشغلان الناس بروعتهما.

اقرأ أيضًا البيت الشعري شرحه وأقسامه عند العروضيين

شاعر التأثير «عبد القدوس توفيق»

أشرق هذا الشاعر بعد أن دجا ليل الشاعرية المظلم في نيجيريا، وبعد أن عاش الشعر العربي النيجيري في التقليد المتراكم عليه، والشعر قبله قد شهد ضعفًا حينًا؛ إذ لم يكن ذا غرض متنوع.

والشعر في نيجيريا قبل ولادته لم يُعرَف له كنهٌ ولا لقب. ويحاول الشباب في سنِّه أن يفجر عين الخيال فتتدفق فيهم، ولكن الشاعرية تأبى إلا أن تكون لرجل منهم دونهم.

ولا يكون الشاعر مبدعًا إلا إذا تعلم من تجارب الشعراء القدامى، وكان له عقل يغربل به المنخول والمنحول والمصقول، فيقوم يبحث لنفسه طريقًا ليخرج بما قد عجز الأوائل عنه، ويطلى هذا الشعر المدَّعى بما يناسبه من الأساليب الرائعة الباهرة الزاهرة.

والشاعر الذي يستطيع أن يفوق أقرانه، فهو الذي يستحق الاحترام في مجالس الأدب العام، ويستحق الإشادة بين الأدباء في زمانه، ولا يؤثِّر الشعر إلا حينما يملك الشاعر زمام القرائح، ويسبح في بحوره الإبداعية، ولا يكون ذلك إلا إذا قرأ ما في قلوب عصره وينطق عنه من دون أن يكون عيِّيًا ولا متلعثمًا.

ولقد صبغت نيجيريا الشاعرة هذا الشاعر صبغة لم تصبغها أمثاله في سنِّه؛ وإذ لم تكن السن هو المعيار الأساسي للإبداع، فقد وُلِد هذا الشاعر شاعرًا من رحم أمه، وأضاف إلى ثقافته العربية وأضاف إلى معلوماته فازدادت أدواتُه وشذَّ لِداتُه.

من نيجيريا حمل هذا الشعور معه، وفيها قد قال ما قاله بين الأنام، إلى أن كتب الله له أنه لا يكون الشاعر منسيًّا، فخرج إلى بلد أحمد شوقي وحافظ إبراهيم يكمِّل مسيرتَه الشعرية والأدبية؛ وإذ الأزهر موطن النجباء من الشعراء، فإنه قد اقتبس من أنفاس هذا المكان المرفوع.

اقرأ أيضًا نظرة تأمل في كتاب فن الكلام للدكتور إيهاب فكري

مواطن الجمال في الشعر النيجيري

والشاعر الجيد يُعرَف مرةً واحدةً من أبيات قالها سابقًا أو حديثًا، والحكم على هذا الشاعر بأنه مؤثِّر صعب؛ لأن الشاعر لا حاجة له في أن يقول عن نفسه، بل شعره هو المتكلم عنه في كل حين، ولا يُطلَب حضوره إذا حضره إبداعُه.

وإذا كان مثل هذا الشاعر ينفر من النقاد أو يزعم غيره أن شعره لا يوفي حقه ناقد، فيكون الكلام عنه شِبْه كذِبٍ، لكن إذا أشار ناقد إلى مواطن الجمال في شعره زاد الشاعر قبولًا لدى الناس.

وقد يقال لماذا يُثنَى عليه بأنه شاعر التأثير؟ أو ليس هناك شاعر آخر أفضل منه؟

فيكون الجواب أن الشعر كثير، التأثير أقلُّ بالنسبة إلى ما يقوله النيجيريون من الكلمات.

وأن الشاعر المؤثر هو الذي لم تكن همَّتُه أن ينال إعجاب المتلقين، بل همُّه استخراج هذه اللآلئ من مواضعها حتى لا ينكمش بها أو يذوب.

والشاعر الذي يمكنه أن يبصر الكون بشعره، ويتكلم بما يجيش في صدور الناس حوله، هو الشاعر المؤثر في الناس، ليس كل من يكتب على الأوزان والقوافي؛ وإذ القوافي والأوزان ليست شعرا، فاستثناء بعض من ينتسب إلى الشعر أحرى.

والشاعر الذي يقلب الكلام كما شاء، ويخبر الناس بما لا يمكنهم، هو مؤثر تأثيرًا جيدًا في هؤلاء الناس.

يقول:

جمع تراهم أناسا من تبسّمهم     وهم ذئاب وكان القوم كالغنم

يثبت لهؤلاء القوم الإنسانية التي نراها، ويثبت لهم التبسم، ولكنه عاد ونفى تلك الصفة عنهم لأنهم تحولوا من الإنسانية إلى الحيوانية، فاتصفوا بالغدر والكيد والمكر، والشراسة والافتراس، ومن تحتهم هم غنم يستطيع هؤلاء افتراسه من بين القُطعان.

يقول:

فما ابتسام فم الدنيا على فرحي     وما أنا سافل أو أنني سام

إن عدم تبسم الدنيا له هو الذي تركه حيران من أمره، وهو ليس مرتفع ولا منخفض، بل إنه يطرب له ابتسمت الدنيا فيكون يسمو ويشمخ، ولكن باق على حاله فظلَّ راكدًا لا يتحرك.

يقول:

ما كل معركةٍ تُدعَى مغامرة     إلا فارق الفتى للأهل والبلد

هو الآن غريب في غير بلده، ويحن إلى أهله وبلده، ولا يعرف أحد أنه بهذا الفارق مغامر؛ لأنه قد يعترضه عارض في الغربة، ولكن لو اعترضه في بلده لوجد له حلًّا بين أهله وأصحابه، ويشبه الغربة بالمغامرة في هذا البيت.

يقول:

الجيل مزبلة إذا أنا لم أزد    قدرًا على الآباء والأجداد

لا يريد أن يبقى لقمةً سائغةً للهوان، فلم يكن يكتفي بما قد صنعه الآباء والأجداد من المفاخر، ويسعى أن يزيد هذا الفضل حتى يكون من الفضلاء الأعزَّاء.

يقول:

أو لم أعشْ عيشًا سيبقى جوهرًا      بصحائف الأبناء والأحفاد

فكر في عقباه، فأراد أن يخطو خطوة إلى الأمام حتى لا يكون مجده الذي سعى له زائلًا، فيكون أبناؤه وأحفاده أذلَّاء لا شأن لهم من بعد وفاته.

يقول:

أوطاننا أرواحنا أجسامنا      فيها لنا ري أوانَ هيام

إن الذي لا يقّدر وطنه مثل ميت مدفون. وإذا علم كل إنسان أنه حينما يعطش يرجع إلى وطنه، فيكون وطنه له روحًا وجسدًا.

يقول:

وكل عز بلا عز البلاد غدا     فسوف يعقبه ذل من الندم

لو أنه قال: «ندم من الذل» لأشبه بكلام الناس العامي، ولكنه أخرجه من ظلمته إلى النور، وكساه قشيبًا من الإبداع، فعُلِمَ أنه يذلُّ من الندم مع حسرة وانكسار على الماضي، وهذا قمة بهاء وجلاء.

اقرأ أيضًا خمس مساجلات شعرية جميلة من الزوامل اليمنية التراثية

أما عن الغزل فهاك أمثلة

يقول متغزِّلًا:

الحب في مصر مثل الحب في الهند      وفيه لا فرق بين اللص والجندي

حتى لا يتبادر إلى ذهن المتلقي أن الحب يختلف باختلاف البلدان، فمصر فيها نساء ورجال يتحابون كما يتحاب رجال الهند ونساؤه.

يقول في الحنين إلى بلده:

قضيت بمصر النيل خمسةَ أشهرٍ     وما ألقمتني الأمُّ أرزًا معسَّلَا

وصَحْنا من الفول المزَيَّت كــــــلما     سحاب أخي الخبَّاز خبزًا تنزَّلا

انداح عليه ذكر وطنه الحبيب والعيش الذي يعيشه قبل غربته في مصر، ويشكو تغير البيئة المفاجئة، ويحن ليأكل ما تركه من الأطعمة اللذيذة. ولكنه لم يرض بالفول المزيَّت ولا بالخبر المتنزل؛ إذ هما لم يكونا مثل الأرز المعسَّل الذي يتناوله في بلده، ولكنه رأى مصر النيل أما تحضنه بعد أمه.

وهذا يدل على اطمئنانه فيها ورضاه بالعيش الذي لقيه هناك، ولكنه لم يقل هذين البيتين إلا ليعلم الناس الفرق بين مصر النيل ونيجيريا.

يقول في نفي التعصب الغربي:

فقلْ للجيل إن البيض سودُ    وإن سادت أوائلَه القرود

فمن قاس الرقيَّ له بلـــونٍ   وشعبٍ إنه شيءٌ بليــــدُ!

إن مما يكره سماعَه البيض تشبيهَهم بالسود، بل لما اشتد بهم التعصب أنكروا أن يكون الله تعالى هو الذي خلق السودَ، ولما عاد الشاعر إلى مقولة الناس الشائعة، كان المراد نفي هذا التعصب القاتل، حتى وإن قال البيض إن سادة السود كالقرود كما يقولون. وإذا كان هذا التعب هو الحائل بين البيض والسود فلن يكون السمو حاصلًا بينهم.

ويعود ويكرر هذا لفظًا ومعنى:

السود لا كالبيض     والبيض لا كالسود

فالقول قول مغفَّل     والرأي رأي بليــــد

في إثبات آدميَّة البشر جميعًا كما دل عليها الكتاب والسنة، ولكن يحاول الغرب وغيرهم أن ينكروا الحق بمزاعمهم بغضًا للسود.

وإن كان هذا ما زال بين الناس مستمرًا، حتى بين العرب الذين نزل القرآن فيهم. والشاعر يرى أن من ينكر هذا الحق أحمق مهما علا شأنه وذاع صيته بين الناس في المجتمع.

ويقول:

لا تسألنّ عن العلا من سادةٍ      لم يعرفوك ومن يكون أبوكا

إذا كنت حريصًا على نيل المعالي، فإنك ستعمل بلا محالة، فتكون معروفًا وترفع شأن أسرتك وأبيك، ولكن إذا أهملت الجد وتسأل السادة عن المعالي فإنهم لن يخبروك بها؛ لأنهم لم يعرفوا لك جهدًا ولا حرصًا.

ويقول:

جعلت أمام القرد موزًا ووردةً    فقلت: انظروا ما أيها القوم يأخذ

فإنك أغبى من يرغَّم أنفـــــــه    وأجهل مِن مَن جهله ليس ينــقَذُ!

إذا وصلت سفاهة الإنسان إلى هذه الدركات من الغباوة، فإن علاجه عصيًّا على الأطباء؛ لأنه لا يكون القرد غبيًا مثله حتى يترك ما لذَّ وطاب، ويأخذ ما يعجب العين فقط دون لذة في النفس، ولكن الشاعر لا يريد القرد هنا.

بل يريد أن يقول إن السفيه هو من يظن من هو أدنى منه أحمق مثله. وقديما قد أحب القرد الموز، فكيف ينفكُّ من طبيعته، بل العجب ممن انسلخ من طبيعته ويريد أن يصل بهذه الحماقة والسفاهة منزلة علياء.

يقول:

إذا طار طير، قيل طار إلى العليا     فكيف إذا طار الفتى من بني الدنيا؟

إن الناس لا يريدون تغير الحال، وإذا كان منهم مَن يحوز ما لم ينالوه حسدوه، أو حاولوا إسقاطه بما يملكون. وقد عرفوا جميعًا أن الطير لا يطير إلا إلى الأفق، ولا يعوق طيرانه شيء، ولا يمنعه إلا قصُّ جناحيه. ولكن الإنسان صعب عليه أن يطير بالجناح، وهذا محلُّ الدهشة بين الناس جميعًا.

يقول:

إذا القوم بالقوَّاد يزهون لم أكن     بزاهٍ لأني لم أجدْ من أفضِّل!

لم يعجب هذا القول إلا لما أجاب عن سؤال، وهو سبب زهوه بقائد معين، وهو أنه لم بفضِّل أحًدا بعد فيفتخر به بين الناس أو يشيد بقيادته في المجتمع.

اقرأ أيضًا قصيدة"قد تبدو الأيام".. قصائد شعرية

شاعر التصوير: علي لوَنْ

إن بعدنا عن الأدب العربي النيجيري في بلاد هوسا، جعلنا لا نعرف كثيرًا عما يكتبه هؤلاء الناس؛ لأنه لا يمكن إنكار الأدب الرفيع عند هؤلاء الشماليين، وكثرة الشعراء اليورباويين توهم بأنهم هم بلا أنداد في الساحة الإبداعية.

ولقد كان الطموح يتزايد إلى الوقوف على أدب هؤلاء الشماليين، ولا يزال الشعراء اليورباويون يحلِّقون في سماء الشعر الجيد، إلا أنه كان عثمان بن فودي وأخوه عبد الله وجدتُه قد سبقوهم إلى قول الشعر في نيجيريا، وهذا يقر بأسبقية الشماليين إلى الشعر العربي النيجيري الذي لا تزال تصدح به الأصداء.

إن من العيب الذي يُخجَل منه، أن يُسأَل نيجيري يدرس اللغة العربية عن شعراء وطنه، ويجهل فضل هؤلاء الشماليين، أو لا يمكن ذكر أسمائهم بما تيسر، وإن كان هذا ينمّ عن عدم الإلمام بهذا الأدب الغائب عن الأفق الجنوبي.

ودُور النشر النيجيرية في الشمال لم تكن تصل إنتاجاتها الأدبية إلى الجنوب إلى عسرًا، ولما كانت الإنتاجات الأدبية بعيدة، كان الأجدر بالجنوبي ألا يعرف هذا الأدب الغائب. وإذا قيل إن الهوساويين لا ينتجون الأدب فهذا من باب إجحاف وأنكار لحقوقهم الأدبية.

ولقد تناول أحد المتكلمين أسماء الشعراء في الشمال، وذكر شذرات منهم لا بأس بهم، منهم إبراهيم أحمد المقري، ومصطفى ثاني، وأحمد الأزهري، وأمين يهوذا الذي يكتب الشعر النثري، وعلي لوَنْ، وهو أيضا يكتب الشعر النثري. وبالإضافة إلى هؤلاء الشعراء المذكورين الشيخ ناصر الدين كبرا، وبعض أبنائه وأحفاده ممن يكتب الشعر.

هؤلاء الشعراء حضورهم في الدراسة الأدبية لدى الجنوبيين أقل، ولا يعرفهم إلا مَن له صلة بهذا الأدب بعمق، أو يبحث عن الإنتاجات الأدبية في نيجيريا.

والحديث في هذا المقال سيكون عن شاعر التصوير الذي يبهر المتلقين، ويفحم المشككين في الأدب العربي الهوساوي الذي هو أقوى مما هو في ظن هؤلاء المشككين.

والشاعر ليس إلا مَن يدور في فلك الخيال، ويسبح في فضاء الإبداع في مصر. ولقد بهر متابعيه بتصويراته الشعرية، ويسمع الدهر أغانيه التي لا تمجها الآذان، وتتراقص بها الشفاه عند التغني، كم قال وسحر، وأعجز وحيَّر.

اقرأ أيضًا معارضة قصيدة لــ "إيليا أبي ماضي" على يد شاعر نيجيري

شاعر من نوع خاص

من يصغي إلى هذا الشاعر الذي فاق أقرانه، ظنه من ماء ابن الرومي انحدر، أو من عُباب المتنبي عبَّ ما قطَر؛ وإذ هو في بلاد الشعراء، فإنه قد شرب من النِيل، ورأى مصر وشاهدها وأوحت فيه إيحاءات شعرية، وألهمته إلهامات البارودي، وصنعتْه صناعةً شوقيَّة، وخلقتْ فيه روحًا تطغى على العالم الإبداعي.

وهو القائل:

نجوى بباب الليل تُجْـــــــــــهضُ ظلَّها     والغيمة العذراء ترضع طــــــــــــفلَها

في ركنها اشتعل البنـــــــــفسجُ عاريا    والياسمينُ فتى يغازل رملَــــــــــــــها

تمشي ونصف البوح يسكب خطوَها      لغزًا ونصفُ الضوء يرضف كحلَها

يتشرد المعنى وقهوة ســــــــــــــــرها      بيضاءُ هادئةٌ لتربكَ ليلَـــــــــــــــها

متأوِّه جرحُ الفراغ ومرهَـــــــــــــــقٌ       ضوء الغياهب حين ينـحت ظلَّها

ما كان الرسَّام ليرسم بأدواته هذه الصورة التي رسمها الشاعر بحروفه وألفاظه ومعانيه الدقيقة، وهو فنيٌّ رسَّامٌ، يبصر المتلقي هذه الصور أمامه دون أن يشير إلى مواطن الضعف والخطأ في هذا التصوير البديع، ولا يسأل هذه الصور إلا وتجيبه عن المواطن الخفية التي لا يراها المِجْهَر ولو دقَّق.

ولقد جمع الشاعر ألوانًا شتى في هذه الأبيات.. اللون الأسود الذي هو الليل.. اللون الأصفر الذي لوَّن الياسمين الذي مثل لون الرمل.. اللون البنفسجي الذي يعرى.. واللون البني الذي هو لون القهوة.. وهذا لا يستطيع جمعه إلا رسَّام يجيد الرسم على اللوحة، وعنده ذوق خاص يعجب الناظرين.

والأخيلة التي حشرها الشاعر زينة هذه الأبيات، وهي الاستعارات التي هي المبالغة في التشبيه عند البلاغيين، وذلك في "باب الليل" "الغيمة العذراء ترضع طفلها" "اشتعل البنفسج عاريًا" "جرح الفراغ" "ينحت ظلها".

ولقد نقل الشاعر هذه الشاعرية إلى التصوير الجيد، لا يدركها إلا من أطاعتْه الأخيلة ليكون متمكنًا من رسم هذه الصور الأنيقة بالألفاظ والمعاني.

وحينا تكون النجوى تجهض الظل في الليل، فيكون الليل في قبضة النجوى لا يستطيع الهرَب؛ لأن النجوى هنا مثل القابلة دخلت عليها الحُبلَى جاء بها المخاض، وهي تتضاعف قوتُها حتى يخرج هذا الولد.

والغيمة العذراء ترضع هذا الطفل لصفاء لبانها. وفي ركن هذه الغيمة العذراء قد عري البنفسج، ويمكن أن يكون النجم هو هذا البنفسج العاري. والياسمين على وجه الأرض هو فتى كان بينه وبين الغيمة العذراء الجميلة حديث حبٍّ، وهو يغازلها، ولكنه مشى خلفها ليبوح بضرام الحب في قلبه، ولكن هذه العذراء من جمالها الكحل تحت جفنها يرشفها الضوء.

والشاعر بهذه الأوصاف النادرة والصور الخيالية قد فاق أقرانه، وبهر المتلقين كذلك، ومن عجب هذه الأبيات أنك تصوِّر صورة فتاة وفتى متحابين، وصورة جمال تلك الفتاة، وكيف كان هذا الفتى يلاحقها ليجد مرامه المنشود.

وعاد بنجواه مرة ثانية:

بالباب أرتكب القصيدة قــــــبلةً     وفمي بوشوشة الغباء مرمَّم

أمضي وذاكرة الرماد تخــــــــطني     بأنامل النجوى سرابا يُلهمُ

فنجانيَ المسكوب خارطة عــــلى     شفةٍ يعتِّقه فراغٌ مــــــفعَمُ

وحدي أراوغ خطوة سكرى بلا     سفر فيعرقني شعــاعٌ أبكمُ

هذا الغزل المستور (العفيف) الذي لا ينهكه إلا من تفنن في مجاله، وبربط الأبيات السابقة بهذه الأبيات يظهر لنا أن الشاعر يسبر غور هذا الحب الذي يريده، وهو قد أوحى إليه بأنه "النجوى" وبيَّنه بـ"فراغ".

والفراغ كما يقول ابن الجوزي من أسباب الحب عند الإنسان، ولكن هذا الفراغ ليس فراغًا عاديًا، بل إنه مفعم هنا، وهناك مجروحٌ. فيا له من خيال واسع عند هذا الشاعر العجيب!

وبعض عناوين قصائد الشاعر توحي بدقة تصويره الخيالية، منها همسة من رحم الغيم، سنبلة المرايا، رُبى جسدي، شطآن أنفاسي، نقش على الصمت. فمن أبحر في هذه العناوين، وجد أن الشاعر قد فتح أبواب التفكير المنغلق الذي حال بين بعض الشعراء الشباب.

اقرأ أيضًا قصيدة حب ضاع مع الزمان.. شعر فصحى

الموهبة الشعرية لا تحتاج إلى تعليم

ومثل هذا الشاعر قد لقيَ السعة من القبول لدى الناس في العالم العربي والإسلامي، وقد حلق بإبداعه في فضاء التصوير.

وإذا رجعنا إلى أن الشاعر لم يكتب الشعر في نيجيريا قبل دراسته في الأزهر، فنعلم يقينًا أنه شاعر نيجيري مصنوع عربيًّا. وهذا الشاعر قد التقى شعراء فحولًا، مثل الدكتور علاء جانب الذي لُقِّب أمير الشعراء في مسابقة أمير الشعراء بأبو ظبي، وهو قد درَّسه في الأزهر الشريف.

وهذا هو الشاعر المعروف في الدولة العربية الراقية أدبًا.

وهو قد لقي رقة وعذوبة وإحساسًا مرهَفًا في البلد العربي الذي صنعه شاعرًا، ولم يكن مثل هؤلاءالشعراء الشباب النيجيريين المفتونين بالتقعر في البحث عن الألفاظ، وبالغرزمة التي تصيبهم في خاتمة المطاف، والرائج الذي لا يكون رائقًا وشيِّقًا.

ولقد كان هم هذا الشاعر الإحساس بعد قراءات وتناقد بينه وبين زملائه الطلاب الذين يكتبون الشعر في الأزهر الشريف.

يقول:

ضوءٌ على وجَـــــع يقبِّل وردةً      ثكلى يعانقها ويغزل شــــعرَها

ويلملم الأفقَ المبعـثرَ حولَ مقْـ      ـلتها.. ويحضنها ليوقظ سُكرَها

الوردة الثكلى تئنُّ وطفلــــــها       ليل على وتر يمزِّق صبــرَها

تأسى على فمها الرمال ومديةٌ     عطشى تُسافَر كي تُقطَّعَ نهرَها

ما قاله الشاعر في تلك الأبيات لو حدث لكان الوجع أشدَّ وأكثر على هذه الوردة الثكلى، ولكن مع ذلك يكبر الحزن داخل القلب أسًى على هذا الحدث، ولكن الضوء إذا أثار مشاعر هذه الوردة فلا أحد يدري ما الذي سيقع بعد.

وما زالت الوردة تكره مع أنه يغزل شعرها المرسَل الشعِث، ويعانقها، ويمزِّق صبرها حتى تلتهب شوقًا معه. ولا ندري هل يريد الضوء بالوردة خيرًا.

وإذا أريدَ تاريخ ولادة شاعرية هذا الشاعر، فإنه سينكشف أن الشاعر لم يكتب الشعر قبل ست سنوات، وهو يمارسها بعد هذه الحقبة بين حفظ الإنتاجات الأدبية للشعراء المصريين، ويعرض إنتاجاته على النقاد.

ويحضر الجلسات الأدبية والنوادي الإبداعية حتى اكتملت أدواته، وخرج إلى الناس يُظهر الشاعرية الكامنة، ويستخرج منها معدنًا نفيسًا. وهو يهذَّب القرائح قبل أن تسوقه تلك الموهبة مساق الشعراء الفحول. وقد كتب ديوانين شعريَّين.. نشوة بلابل.. وسكرة البوح.. وهما ديوانان مصريان أزهريان، وليسا نيجيريَّين.

وبالدراسة الفائقة له، يتجلى أن الشاعر لم يكن كلاسيكيًّا، بل هو رومنسيٌّ، كاد يحاذي الشابي في أخيلته؛ إذ الشابي نفسه تسير معانيه حول الكون المحيط، وحول المستحيلات، وكثيرًا ما يشخِّص في قصائده.

يقول في قصيدة نشرتْها مجلة أندونوسية بعنوان (أغلى الناس):

أرياح ودِّكِ صافحتْ إحساسي       وأريج حبِّك فاح من أنفـــــاسي

جرَّعتِني كأس الحنـــان مبرَّدًا       وجعلتِ صـــدركِ مجثمي ومراسي

هذه رقة المشاعر ودقة الإحساس الصادقة، وهو يشخِّص الرياح التي تهبّ، وهذه لطافة كبيرة في هذا التصوير الشفاف العجيب، ولما أراد الاطمئنان لنفسه جرَّعتْه أمُّه كأس الحنان البارد، ولما وصل إلى القلب ارتاح قلبه، ووسَّع صدرَها الذي لم يكبر حجمه طولًا وعرضًا.

ومصادر إبداع الشاعر لمن يسأل.. القرآن الكريم، فهو قد صيّره عربيًّا فصيحًا، وسهل له الصعاب، وذلل له الوهاد، وقرب له البِعاد، وألهمه الجِياد. وقد حفظه حفظًا متقَنًا، ثم أضاف إلى ثقافته العربية بالعكوف على الدواوين للشعراء الجيدين من البلدان العربية.

 اقرأ أيضًأ

-ماذا تعرف عن سيد الشعر العربي أبي نواس؟

-الإعراب الوسيط.. قواعد نحوية بسيطة لتسهيل عملية الإعراب

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة