الأدب الرقمي.. الشعر العربي وسبب تطور الوسائل الحديثة

الأدب الرقمي في الشعر العربي النيجيري، شعر التحسر للملك المخلوع سنوسي لاميدو نموذجًا. لقد تحوَّل الشعر العربي النيجيري من الورقة إلى الحاسوب مواكبةً لعصر الجهاز أو النتّ، وغيَّر الشعراء موقفهم من استخدام القلم والورقة لتسجيل بنات الأفكار.

اقرأ ايضاً نزعة شعرية جديدة في الشعر العربي النيجيري

الشعراء ونشر دواوينهم الشعرية

وساعد عصر الجهاز كثيرًا من الشعراء الذين لا يستطيعون نشر دواوينهم الشعرية ورقيًّا. وخرج فوج آخر من الشباب الذين يريدون أن يسمع العالم أصداح أصواتهم، فنشأوا شعراءَ لتمكنهم من الاطلاع على أشعار غيرهم سواء في فيسبوك أو غيره.

وقد احتل فيسبوك مكانة خاصة عند الشعراء النيجيريين؛ ذلك لمميزاته عندهم بما يناسب وضعهم الاقتصادي.

في حين احتل تويتر مكانة خاصة عند الشعراء في السعودية ولبنان ومصر والأردن والشام، وغيرها من البلدان العربية. وتناول النقاد العرب الأدب الرقمي في هذه البلدان.

اقرأ ايضاً القصائد الغزلية عند الشاعر العربي قيس بن الخطيم

الأدب العربي وانتشار النصوص الأدبية

ولكن هذا النوع من الأدب ليس بدعًا في الأدب العربي عمومًا، بل لقد نشأ في الخمسينات، وتدُوْوِلَ في الغرب وأوروبا.

ولكن الشعراء في نيجيريا يريدون التقلب مع التقلبات التكنولوجية؛ لأن بعض النصوص تبقى رهينةَ الصناديق التي يودعها الشعراء إبداعاتهم.

وقد ساعدت هذه التكنولوجيات في انتشار النصوص الأدبية، فلا نعود نسمع الحوليات كما في المدارس الأدبية القديمة.

ويتعدد المتلقّون لأن سرعة انتشار النصوص الأدبية تساعد في أن يمرر المتلقي البعيد عينه عليها وهو لم يغادر مكانه ذلك، وساعدت هذه التكنولوجيات في بقاء النصوص أزمانًا للبرمجية الممتازة فيها.

حتى إن إدارة فيسبوك تتحكم في إعادة المنشورات بعد سنوات من نشرها. وهذه التكنولوجيات أيضًا بما فيها من البرامج تترجم النصوص المكتوبة بالعربية إلى اللغات المبرمجة، فيندهش الكاتبون إذا أعجب شخصٌ لم يفهم العربية بمنشوراتهم.

اقرا ايضاً تجديد العروض في الشعر العربي النيجيري

 التطور التكنولوجي في الأدب

ولا مبالغة في قول إن مستخدمي فيسبوك من دارسي العربية في نيجيريا كان غرضهم الوحيد نشر الإنتاج الأدبي، فبهذا حقق كثير منهم متابعين، واكتسبوا الشهرة عن طريق الرقم.

ولا عيب في هذا الرقم إلا انعدام الجودة في الإبداع؛ لأن الهدف الأسمى هو نشر المكتوب، فلا ينتظر الكاتب أو الشاعر نفسه من متابعيه إلا التعليق الرائق، في حين يغيظه نقد الناقد، فلا يلتفت إليه؛ لأنه يعد نفسه شاعرًا عظيمًا يستحق الإشادة.

وقد انبرى قبل يومين شعراء للوقوف مع الملك المخلوع سنوسي لاميدو في مصابه، وكتبوا ما يحمل التحسر والتضجر من ظلم لحق بهذا الملك المعظَّم.

اقرأ ايضاً كيف أثر الأدب الفرنسي على أمير الشعراء وما أهمية العلم وتعليم المرأة عنده؟

انفتاح الشعراء في بعض القصائد 

والقصائد الشعرية التي قيلت في هذا الشأن دليل على انفتاح هؤلاء الشعراء التواصلي؛ لأنهم من قبيلة يوربا، والملك المخلوع من قبيلة هوسا. وهي دليل أيضًا على وشائج أخوية بين النائين في دولة مثل نيجيريا. 

وهل يُعتَقد أن هذه القصائد قيلت بلا جدوى؟

إن أبعاد هذه القصائد كامنة في المعاني التي تحملها وتتضمنها، وهي ليست هذيانًا.

يقول د. منير الدين الرياضي بن صلاح الدين: 

*عزل سنوسي عن الكرسي*

يا مالك الملك تؤتي الملك من نعم

لمن تشاء ولو بالملك لم يدم

وتنزع الملك ممن شئت لا حسدا

من عندك الخير يا ذا المجد والقدم

عَزْلُ السنوسي عن الكرسيِّ يؤسفني

وعظٌ لمن في نوال الملك ولم ينم

قالوا تعدَّى سنوسي في تفاعله

على الحكومة بالتقبيح والتهم 

قالوا استهان بغَنْدَوْجَيْ ودولته

بل قام يدعو إلى التقوى ولم يلم

 قالوا تكبّر بالتلميح إذ نطقا

عن السياسة بالإرشاد لم يقم

قالوا سنوسي يرائي أن تمَلَّك ما

يستعبد الناس في إلقاه كالغنم

وقد رآه جميع الشعب مظلمةٔ 

في حقه فدعَوْا للعدل مِلأُمم

 قالوا سنوسي أمينٌ عادلٌ ورعٌ

يدعوا إلى الخير يغزو الفقر بالقلم

فلست أرضى بقول القادحين ولا 

ما قاله المادحون اليوم بالألم

إني أراه أيا قـومـي كـتـجـربةٍ 

تحقيق ما قال رب العرش من قدم

يا سيدي يا سنوسي لست مطَّرَدا

ولست أَعْزَلَ لكن فزت  بالكرم

الحق مرٌّ فلا عبدٌ يقول به

إلا الذي لا يخاف القتل بالشتم

وما تَـحمَّـلَ ما يأتي به أبـــدًا 

إلا الذي خصّه الرحمن بالشيم

هذي بلادٌ نعادي من يصححنا

ومن يقم بصلاحٍ منه نَـنـتـقِمِ

وإن أزال سنوسي عن إدارته

غندوجي قل هل تدوم الحال بالديم

ما كل ما حازه الإنسان يُسعده

كم مَّن يرى الخيرَ شرًّا في دجى الظلم

تأتي المصيبة في خير ونطلبها

عند الولادة يأتي ولدنا بدم

أبشرْ بعزلك واصبر أنت قدوتنا

إن كان خيرا فداك الله بالنعم

إن المصيبة سر المجد يعرفها

أهل الوجاهة إن لم أرمها بفمي

هل من جديدٍ أتى الدنيا بخالصه

إلا الذي حلّ بالأسلاف من أمم

 ما قلت هذا لستنيد الحقوق ولا

مستهزئًا بأميـرٍ غار في همم

نصيحتي لذوي الألباب والفضلا

ولا يعيها دعيُّ القوم ذو السقم

تدبروا لا تقولوا ما يقاومكم 

به الفريقان عند الله يا أممي

ذروا سنوسي وغَنْدَوْجَيْ وقومَهما

وادعوا لهم لا تكونوا من ذوي الندم

الله أعلم لا تدرون حكمته

فيما قضاه من الخيرات والنقم

هذي نصيحة شُعْرورٍ تلعثم في 

إلقاءها عن مقال الحق لم يَصُمِ

غضُّوا أيا قوم من أبصا كم طرفا

عما سها فيه هذا الشعر بالقلم 

هجرت شعري ولا شعري يفارقني 

شيطانه ظلٌ يأتيني ولم ينم

يا رب صل على المحمود سنته

تكفي منارا لمن يمشي على القدم

خير البرايا إمام الرسل كلهمُ

ولا يساويه في الإحسان من أدمي

تفاصيل القصيدة

القصيدة تتكلم عن شخصية الملك المخلوع باستفاضة، ومكائد دُبِّرت له، ويضمِّن النص القرآني طالبًا من المتحسَّر عليه ذكرَ قول الحق جل وعلا.

وإن كان المخلوع نفسه قد كتب هذه الآية على رسالة وصلته من المحكمة التي تفيد خلعه. ولكن السياق الذي وظَّف فيه الشاعر الآية غير السياق الذي وظَّف فيه المتحسَّر عليه؛ لأن الشاعر قرن هذا الملك المسلوب بـ(نعم) مريدًا من ذلك شيئين: استمرار الملك للمخلوع، وعدم انقطاع النعم ولو سُلِب المُلْك.

ولذلك قال: (ولو بالملك لم يدم) أي ولو بالملك لم يدم إيتاء النعم، فإن النعم مستمرة. ولكن لما شاء الله تعالى للملك المخلوع خيرًا عُيِّن مديرًا للجامعة في ولاية كادونا.

ويوظف(الخير) في هذا السياق ليعلم المتحسَّر عليه أن كل أمر المؤمن عجبٌ. وسبب توظيف (الخير) في سياق التحسر حتى لا يذهب المتحسَّر عليه بعيدًا أنه في شر.

وأكثر من توظيف (قالوا) ردًّا على الإشاعات؛ لأن الخبر المنسوب إلى القول قد يكون مدسوسًا أو مخلوقًا.

يقول: محمد جامع بن بيدروا اللاغوسي النيجيري

وانْظُرْ بَنِي يَعْقُوْبَ هم قد دَسَّسُوا

إذ بَانَ يوسُفُ أشرفَ الْوِلْدَانِ

مع ذاكَ صَانَهُ ربُّنَا من كيدِهم

وأعَزَّهُ مِلِكًا مَدَى الأزمانِ

والْمُلْكَ يَنْزِعُهُ –وما هو ظالمٌ–

من خلقِهِ متملِّكَ الْبلدانِ

أين الألى سادوا وكانوا أَقْوِيَا؟

صاروا الدَّفينَ ومُلْكُهُمْ في الشانِ

فلكلِّ شَيءٍ ربُّنَا هو قَادِرٌ

قد أَغْرَقَ الْفِرْعَونَ في الطُّوْفَانِ

نَزَعَ السّنوسي الْعَدْلَ مَنْ هو صالحٌ

بَعْضٌ من الأنذالِ من سُلْطَانِ

ما ذنبه؟ ما سوءه؟ ما جُرْمُهُ؟

هل للعدالة ثمّت الإحسانِ؟

لن يستطيعو أن يجيبوا جَابَةً

أبَدًا فإنّهُمُ ذَوُو الْبُطْلان

هذا لَعَمْرِي حِيْلَةٌ شَرِّيَّةٌ

تُحْيِي التَّشَاحُنَ في ذَرَى الشّجعانِ

يا ابْنَ السّنوسى الْبَارُّ أَنْتَ مُكَرَّمٌ

وَأَبُوكَ أصلا طَيّبُ الدّيدَانِ

أبقاك ربّي سرمدًا مُتَفَوِّقًا

إذ سُدْتَ عَدْلا مَالِكَ الْفُرْسَانِ

الشاعر في القصيدة ينفي التهم الموجهة للملك المخلوع بتوظيف أساليب متعددة من الاستفهام الإنكاري (ما ذنبه، ما سوءه، ما جرمه؟ هل للعدالة؟) والإنشاء (أين الأولى؟ هذا لعمري) والنفي (لن يستطيعوا).

 ولم يلجأ إلى الإثبات إيمانًا منه أن التهم الموجهة غير صادقة، وقد استخدم الأسلوب القصصي بيانًا للظلم التاريخي.

أكتفي بالنصين المعروضين، وأرجو أن يعير القراء هذه القراءة الانتباه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة