كان للمدينة المنورة نظام فريد في المباني السكنية يميزها عن كثير من المدن، وكان نظام الأحواش، بما فيه من مساحات متباينة وفراغات مختلفة، هو السائد في ذلك الوقت، وكانت المباني السكنية تلتف وتدور حول تلك الأحواش بارتفاعات ومساحات مختلفة، وظلت هذه الأحواش لعدة قرون حتى دعت الحاجة إلى عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف في المدة ما بين عامي 1370-1405هـ، وإعادة تخطيط وعمارة المنطقة المركزية، ما دعا إلى إزالة الأحواش والمباني القديمة.
استخدام الأحواش في المدينة المنورة
ولقد نشأت أحياء سكنية جديدة في أنحاء المدينة المنورة، وبُنيت عمائر ووحدات سكنية جديدة، تواكب التطور الهائل الذي تشهده مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في شتى مناحي الحياة. وكان لاستخدام الأحواش في المدينة المنورة أثر كبير على حياة السكان الأسرية والحياتية والاجتماعية والاقتصادية، إذ تربطهم روابط الأخوة والمحبة والصداقة الخالصة، ويسود بينهم التعاون والتكاتف والتلاحم في جميع شؤونهم، كما تجمعهم حلقات مترابطة من التقدير والاحترام.

وكان يتولى تنظيف هذه الأحواش وتهيئتها أصحاب النخوة والشهامة من «الفزيعة» سكان الأحواش، ويتم فرشها بالمفاريش، بعد أن تُرش أرضية الحوش بالماء لمنع ثورة الغبار، كما يُخصص فيها مكان لعمل الشاي والقهوة، والطبخ، وإعداد كل المستلزمات.
ويُقدِم سكان الحوش على فتح بيوتهم، وتوفير كل ما يلزم الضيف من ماء وشاي وقهوة وتوزيعه على المدعوين، على أن تكون هذه البيوت بعيدة عن البيت الذي تُقام فيه حفل العروس أو العريس، وذلك من باب الأدب والاحترام. كما أن أغلب الأحواش لها باب يُغلق بعد العشاء ويُفتح قبل أذان الفجر، كما كان للمدينة المنورة سبعة أبواب في السور الأول الداخلي هي: «باب المصري»، «باب بصري»، «باب المجيدي»، «باب التمار»، «باب الحمام»، «باب الصدقة»، «باب الحبس».
وستة أبواب في السور الثاني الخارجي هي: «باب العنبرية»، «باب قباء»، «باب العوالي»، «باب الكومة»، «باب الشامي»، «باب الجمعة».
تاريخ إنشاء الأحواش
ويعود إنشاء هذه الأحواش إلى عدة قرون مضت، فقد ارتبط تاريخ إنشاء الأحواش ببناء أسوار المدينة المنورة الخارجية، وكان للمدينة المنورة قبل مرحلة عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف ما بين عامي 1370-1405هـ، سوران أحدهما يسمى: «السور الداخلي»، والآخر يسمى: «السور الخارجي».
أما السور الداخلي فهو سور قديم يحيط بمنطقة الحرم النبوي والأحياء، الأحواش، والحارات القديمة مثل: «حارة الأغوات»، ومنطقة «ذروان»، ومنطقة «المناخة».
وبنى أمير المدينة في ذلك الوقت إسحاق بن محمد الجعدي عام 263هـ.
وبنى عضد الدولة المنصور بن بويه سورًا حول المدينة عام 540هـ.
وبنى السلطان نور الدين زنكي سورًا يحيط بـ«المناخة الجديدة» عام 558هـ.
وجدَّد هذا السور الملك الصالح بن قلاوون عام 755هـ.
وقد بنى السلطان سليمان بن سليم العثماني أشهر سور للمدينة عام 939هـ، وجدّد هذا السور السلطان عبد العزيز عام 1285هـ.
وبأمر من السلطان محمود، بُني السور الخارجي على يد محمد علي باشا عام 1220هـ.
وهذا السور أحاط بالبيوت التي كانت خارج السور الداخلي، مثل منطقة «العنبرية»، و«زقاق الطيار»، و«باب الكومة»، و«درب الجنايز»، وهذه مناطق غنية بالأحواش.

ونظرًا لما أدته هذه الأحواش من دور مهم في حياة أهل المدينة المنورة، وبما أنها انقرضت، فلا بد لنا أن نذكر الأحواش هنا للأجيال التي لم تسعد بمشاهدتها ولا بالقيمة الاجتماعية لها: علمًا بأن الأحواش تختلف وتتباين في المساحة وعدد بيوت كل حوش، وكلما كان الحوش بعيدًا عن المسجد النبوي الشريف كان أكبر مساحة وأكبر في عدد البيوت، كما كانت البيوت ذات مساحات مختلفة لكن طبيعة الأحواش كانت تتركز في الجهة الغربية من المسجد النبوي الشريف بدءًا من الساحة، وباب الكومة، وزقاق الطيار.
وكذلك في الجهة الجنوبية الغربية من المسجد النبوي الشريف بدءًا من العنبرية، وأول قباء، ومنطقة مناخة الحطب، والناحورية، وكذلك في الجهة الجنوبية للمسجد النبوي الشريف، من منطقة حوش الأشراف إلى الأحواش الموجودة في درب الجنايز ومنطقة ذروان.
أما المنطقة الشرقية للمسجد النبوي الشريف، فهناك يوجد بقيع الغرقد، وبقيع الخبخة، وعدد من المزارع، وكانت البيوت تأخذ طابعًا آخر لوحدات متباعدة. وكذلك الحال في المنطقة الشمالية، أي: منطقة باب المجيدي، فكانت البيوت متراصة، وتأخذ طبيعة مختلفة وهي تعانق المزارع التي كانت تكتظ بها المنطقة، وعلى ذلك خلت المنطقة الشرقية والشمالية من نظام الأحواش.
أسماء الأحواش والأزقة
كما عرفت المدينة مسميات أخرى للتجمعات السكنية غير الأحواش، منها: الأزقة، وهي نافذة أو غير نافذة، والسقيفة كذلك، ومسميات أخرى وهي كما يلي:
الأحواش والأزقة غرب وجنوب وشرق المسجد النبوي الشريف وفي حارة الأغوات: «حوش الجمال» – «زقاق الخزينة» – «زقاق مكناس» – «زقاق البلاط» – «زقاق الحنابلة» – «زقاق البدور» – «مدخل الحارة» – «زقاق الحمزاوي» – «زقاق الخياطين» – «سقيفة الرصاص» – «زقاق الزرندي».
في شارع العينية: «كومة حشيفة» – «زقاق حوش أسعد» – «زقاق العينية الأول» – «زقاق العينية الثاني».
في سوق القماشة: «زقاق الكبريت» – «زقاق الحمصاني» – «زقاق الشعاب» – «زقاق رباط قلاوون» – «مقعد بني حسين» – «سقيفة البقار».

في حارة الأغوات: «زقاق مظهر» – «زقاق الرستمية» – «زقاق سيدنا إسماعيل» – «زقاق الخشب» – «زقاق اللبان» – «زقاق الحبش».
في شارع الساحة والحماطة: «سقيفة شيخي» – «زقاق الشجرية» – «زقاق عنبر أغا» – «زقاق الحبس» – «حوش فواز» – «حوش التكارنة» – «منفذ كومة حشيفة» – «حوش الجمال» – «زقاق الطوال» – «سقيفة الأمير» – «حوش الشامي» – «حوش الرماد» – «حوش التركي» – «حوش درة» – «زقاق القفل» – «حوش البري» – «حوش عونة» – «حوش العينية» – «حوش المرزوقي» – «حوش الباشا» – «حوش بابين».
في منطقة باب الكومة: «حوش خميس» – «حوش الرشيدي» – «حوش سلمان» – «حوش علي خضرة» – «حوش السيد» – «حوش سرحان» – «حوش شعبان» – «حوش اللكيع» – «زقاق جعفر» – «حوش القائد».
في مدخل السحيمي: «سقيفة بني ساعدة» – «زقاق البستان».
في شارع درب الجنايز مدخل الشونة بما فيها من أزقة وسقف: «حوش الأشراف» – «حوش الشريف شاهين» – «حوش المسيوفي» – «حوش الخزندار» – «حوش الحرمي» – «حوش الخمارة» – «حوش النعيمي» – «حوش النورة» – «حوش جديد» – «حوش الفقيه» – «حوش الأغا» – «حوش دولات» – «حوش أغا المستسلم» – «حوش الشريف» – «حوش الرجاوزة» – «حوش الصعيدية» – «زقاق النخاولة».
في زقاق الطيار وشارع القشاشي والسبح: «زقاق الطيار» – «زقاق بيومي» – «حوش العطيفي» – «حوش كرباش» – «حوش خير الله» – «حوش المغربي» – «حوش شكر» – «حوش السمان»، وفي المقابل: «حوش الوقف» – «حوش وردة» – «حوش الجربي» – «حوش مرزوق» – «حوش قمر» – «حوش شلبية» – «حوش مسعود» – «حوش شلبي».
في القشاشي: «زقاق السبع» – «حوش العريضية» – «زقاق الحارثي».
في السيح: «حوش أبو شوشة» – «حوش مرمة».
في مناخة الحطب: «حوش منصور».
في جنوب مسجد سيدنا عمر رضي الله عنه المتجه نحو قباء: «زقاق سيد أحمد» – «حوش عميرة» – «حوش مناع».
في العنبرية: «حوش الجوهري» – «حوش أبو جنب» – «حوش شنان» – «حوش معيكة» – «حوش الكاتبية» أو «السنوسية» – «حوش الخياري»، وفي المقابل: «زقاق السلطان» – «حوش العبيد» ومنه إلى «الهاشمية» – «حوش أبو دراع» – «حوش الراعي».
في الناجوري: «زقاق البربورية» – «حوش الصعيدي» – «حوش الحرفي» – «حوش المارق» – «حوش الأحمدية» – «شارع الجديدة» – «حوش الناجوري» – «حوش المحمودية» – «حوش محمود» – «حوش الهندي».
وكما أُزيلت هذه الأحواش وبيوتها لغرض عمارة المسجد النبوي الشريف وتوسعته، وإنشاء المنطقة المركزية والساحات والشوارع حول المسجد، وإعادة تخطيط وتجميل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، أُزيلت البساتين التي كانت تغطي معظم المدينة المنورة حول المسجد النبوي الشريف، ومنها:
«بستان بئر حاء»، الذي أُدخل في التوسعة، و«بستان بضاعة»، و«بستان الفيروزية»، و«بستان التمار»، و«بستان الجنان»، و«بستان البوصة والنشير»، و«بستان الداوودية»، و«بستان الصافية»، و«بستان العينية»، و«بستان الصالحية»، و«بستان الحجارية»، و«بستان المراكشية»، و«بستان المحمودية»، و«بستان المشرفية»، و«بستان التحسينية»، و«بستان الهاشمية»، و«بستان اليساطية»، و«بستان السلطانية».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.