الأحلام الزهرية

بعيدًا عن غموض ولعب السياسة الجهنميّة السّارية على كوكب الأرض، بعيدًا عن أولئك السّاسة الذّميين الدّمويين والدّمى السّياسيّة المتحرّكة بأيدي وأصابع قوى الرّجعيّة في الحياة الدّنيا، وفي بلدها الآية في الجمال والروعة الخلابة...

بلدها "سويسرا العالم العربي" أو الطّبعة المشرقيّة من فرنسا، أي"باريس الشّرق الأوسط"..

بعيدًا عن تلك القطعان والأغنام وجماهير العلف الجعفري والزينبون الّذين إن أشير لهم بأن ينبحوا وإن أومئ لهم بأن يصمتوا خرسوا وبكموا..

سكتوا سمعًا وطاعة لزعيمهم المختار أو وثنهم البشريّ وهبلهم المقدس بعيدًا، بعيدًا عن ذلك السّيل الضّاري المتّصل الدّائم من الإهانات والشّتائم الّتي ألحقوه بها حتّى أضحى مجموعة شعارات طنّانة رنّانة تعرف رتابتها المعهودة في الآذان وأمام الأعين وفي دهاليز وأركان العالم الافتراضي الّذين حبسوا تجنيد أنفسهم بين تراكيبه، حيثما وقته يبدأ شغلهم الشّاغل.

بعيدًا عن تلك الخزعبلات والترهات المغلوطة المكررة المعجنة المكررة عنها، والّتي غرست في قلبي كراهتها وكراهة من يتّفق معها أو يشاركها رأيها...

تلك الكراهة الّتي هي بذرة من نور، مسحت وفسخت تمامًا عن دماغي وخلاياي.

بعيدًا عن كلّ هذا وقبحه وحلوكته وتلوثه...

بعد أن بدأت عيناي تظفران بالوضوح التّام الشفاف وصارتا تريا العالم والوجود من خلال بلور نظيف صاف يرى الأشياء على ما هي..

بدأتُ أبصر حقيقة ماهية تلك الفتاة، أو المرأة الّتي منذ سنوات بات اسمها أشهر من نار على علم في بلدها الّذي اختنق تلوثًا وظلمًا وظلامًا من ذيول الفساد، والتزمت والظّلام السّمج الشّرير الحالك...

بدأتُ أبصر وجاهة رأيها وموقفها وصحّة تصريحاتها الّتي تبديها وتفصح عنها دونما خوف أو تلكك أو تردد..

بدأتُ أعرف مبررات رأيها الّذي لطالما كنت من بين جهابذة محاربيه ونقيضه، رأيها الّذي بدأت أبصر فيه النّور ومعنى الحياة وحبّ الحياة الّتي لأجلها يقابل كلّ احتلال بالحرب والمواجهة والمقارعة مهما كان مأتاه..

بدأتُ أبصر في داخله معالم الفكر الحرّ والحرّيّة والسّيادة الإنسانيّة والبشريّة ومباني الذّكاء المنظم القادر والمناعة من التّنويم والتّغبية والتّخدير والاستحواذ الذّهنيّ والنّفسيّ فيه..

في رأيها الّذي كنت من بين أعدائه سابقًا بدأت أبصر تجلّيات الحرّيّة الحقيقيّة، الحرّيّة الجميلة..

الحّرّية الّتي تكفل حبّ الحياة الّتي تيممت بها هي مثل بلدها المسكين المهدد بالحرمان منه.

ومن حقيقة تجربتي ومن منابع قلبي وفكري وإرادتي الذّاتيّة أكتب وأسرد ما أقوله هنا في بعض من تأليفاتي الّتي يخطّها قلمي إهداء وهدية عن طيب خاطر وحبّ جديد لهذه المثقّفة الجميلة المحبوبة لي حديثًا، ديما...

ديما...

الاسم الغاية في الرّوعة والجمال والسّحر...الدّلالة على معنى الدّوام والبقاء بل الخلود.

ديما.. الوجه النّظر الحلو الدّال على البريق واللّمعان وعن شخص دائم الظّرافة والطّرافة والموهبة والذّكاء والإبداع والجمال والإشراقة والشّجاعة والجسارة...

ديما...

المرأة الّتي أبصرتها وتجسّدت معها في حلمي الأخير المتناسق الألوان البيضاء والزّرقاء والرّماديّة في أبعاد عالمه المحاط بسحب الغمام والسّلوى وبساطة الحياة الألقة وعفويتها..

نعم.. تراءت لي ديما في منامي، التقيتُ بها، هناك في رؤياي، في طريق مجنبة بتراب وبعض الصّخور الصّغيرة المطلّة على نهر شبيه بالبحر الصّغير، البيضاء أمواجه الضئيلة الباردة الهادئة في عطلة الصّيف البسيطة الهادئة..

مررتُ بملتقاها ولقاءها فنادتني ورافقتني إلى مكتبة عموميّة صغيرة وسط هذه الطّريق البسيطة في مبناها المبهجة في معناها..

كان ذلك في عقب عشيّة خافتة الضّوء للسّماء الّتي لا تزال تظلّل الأرض بزرقتها الباهتة، ولكن ذات لون خلاب يضفي على الدّنيا زينة العشيّة النّيّرة رغم لونها المتضائل.

قادتني إلى تلك المكتبة الصّغيرة الخاوية إلّا من كتب صغيرة جدًا قليلة حيث أفرغت أدراجها، وأدوات سباحة كبيرة وصغيرة كانت مخبّأة في خزانة طويلة متوسّطة الحجم رماديّة..

استدعتني لإلقاء نظرة عليها والتّفرّج عليها بكلّ ضحك شيّق ومرح لعوب، ولم يكن إلى جانبنا في هذه المكتبة العتيقة سوى امرأة ورجل لم أعرفهما، ولكن من المؤكّد أنّهما عونان يعملان في أمانة المكتبة وإدارتها..

قد كان من الجليّ أنّهما لم يصدرا أيّة ردّة فعل غاضبة أو مشمئزّة لدخولنا هناك دون استئذان بل على العكس قابلانا بابتسامة تلقائيّة ومرّا إلى حيث إدارة أمانة المكان في شغل بسيط جدًا أضحى شاغرًا لخلو المكان من رواده وكتبه الكثيرة المعروضة للمطالعة..

واستأنفتُ أنا وديما النّظر إلى أدوات السّباحة والعوّامات الّتي بقيت محافظة على جدّتها رغم تقادم زمنها، أنا أتفرّج بفرح وابتسامة، وهي كذلك.

ولكن زيادة تتحدّث هي إليّ بلطف ودقة وصداقة ومحبّة ما كنت لأتصوّر شعورها بها اتّجاهي..

المرأة في الواقع الحقيقيّ لا تعرفني ولم تسمع لي اسمًا، وأنا من سمعت بها منذ سنوات عدّة وأعرفها جيّدًا كشخص واسم كما أعرف نفسي.

نعم.. ظهرت لي في منامي، ورؤيتها في عالم أحلامي طبعًا نتاج تفكيري الرّاهن فيها واختلاف نظرتي إليها اختلافًا مغايرًا لسابقتها الّتي اتّسمت بالدّونيّة والمقت والاحتقار..

لم يكن عليّ احتقارها أو انتقادها، بل كان واجبًا عليّ احتقار ذلك الجمهور الذّميم الذميّ الّذي لطالما كنت أحسب نفسي أنتمي إليه سابقًا وعداني بعقليته السّوداء المنحرفة الخربة حتّى جعلني أمقت كلّ من يختلف عنه أو عن معبوده الّذي كادوا أن يمنحوه رتبة إله يعبد ويقدس له وعدد المعبودين وراء خارج حدود وطنها العزيز الّذي سرقته وخنقوه حتّى النّخاع..

أولئك المختبئون وراء اسم الله واسم المقاومة والدّفاع عن الأرض والعرض ووراء اسم "العيش المشترك".

نعم تراءت لي تلك المرأة الثّائرة الجميلة بصوتها وفكرها وجمالها وبريقها وأنوثتها..

تراءت لي تلك المرأة الّتي كانت على مدى وقت طويل أكره النّاس في نظري، وتحوّلتْ بلمح البصر إلى أحبّ النّاس لي بعد معرفتي واكتشافي لحقيقة ذاتها من العمق البعيد..

تراءت لي في منامي الهادئ الودود تلك المرأة ذلك الوجه النّاعم المشرق وجنّيّة الاحلام الزّهريّة..

ديما...

فراشة الأحلام الورديّة...

 

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة