الأبراج العاجية ومملكة الشعراء

  • لماذا يوصف الشعراء بأنهم يعيشون في أبراج عاجية؟ وأين تقع تلك الأبراج؟ ومما تتكون؟ 

دعونا نفهم أولا المقصود بالوصف: الأبراج العاحية. العاج مادة نفيسة وتكاد تكون نادرة، ولا يمكن الحصول عليها إلا بعملية وحشية تقتضي قتل الحيوانات التي وهبها الله تلك المادة؛ خاصة الأفيال التي تتكون أنيابها المشهورة من العاج.

ولكي تحصل على قطعتين من العاج فإن عليك قتل فيل واحد على الأقل. ولقد كان الحصول على العاج في وقت من الأوقات هواية لأصحاب الجاه على مستوى العالم. وهو ما اقتضى قتل عدد كبير من تلك الحيوانات المسكينة حتى أضحت على وشك الانقراض. ولولا سن القوانين التي حرمت هذه التجارة البائسة لوجدنا أنفسنا في يوم من الأيام وقد فقدنا فصيلة الأفيال بأسرها على وجه الأرض، ولانقرضت الأفيال مثلما انقرضت آلاف الحيوانات من قبلها، ولم يعد بإمكاننا مشاهدة الأفيال إلا في الصور وفي المجسمات داخل المتاحف الطبيعية.

العاج إذن يشير إلى النفاسة والندرة. والأبراج مثلها، فعي وصف لا يطلق إلا على الأبنية الشاهقة بمواصفات معينة. وهذه لا يملكها ولا يعيش فيها إلا الصفوة من الناس الذين يملكون القدرة على تحمل تكاليف الحياة في مثل تلك البنايات.

وإذا تخيلنا الوصف الناتج عن الجمع بين العاج والأبراج أدركنا مدى الندرة والنفاسة التي يشير بها وصف الأبراج العاجية لحياة الشعر والشعراء. وهذه النفاسة والندرة في حياة الشعراء تتضمن الجمال المطلق نظرا للجمال الطبيعي الذي يتميز به العاج، وللجمال المصنوع الذي يضيفه الإنسان لما ينشئه من أبراج.

لكن الوصف نفسه: الأبراج العاجية يتضمن جانبا سلبيا، ينبغي ألا نغفل عنه، فهو يشير إلى العزلة وإلى انقطاع الشعراء عن حياة الناس. وكأنما الناس يقصدون بهذا الوصف أن الشعراء يعيشون في عالم يخصهم، ليس فيه من حياة الواقع شيء. وهذا صحيح، والصحيح أن نسمي هذا العالم: مملكة الشعراء، لأن للشعراء في هذه المملكة قوانينهم الخاصة، ولهم ملك خاص يحكم حياتهم.

أما القوانين فهي نوعان: قوانين خاصة يحددها عالم الشعر نفسه، وقوانين عامة يحددها عالم الفن. والشعراء يعيشون وفق هذين النوعين من القوانين، ويحتكمون في كل شئونهم إلى ملكهم النتوج الأزلي: الخيال.

وربما لهذا حكم الناس على الشعراء بأنهم يعيشون في أبراج عاجية، قاصدين بذلك فرادة الشعر والشعراء، لكنه حكم ظالم، لأن ظاهره فيه التقدير، وباطنه فيه الحسد والسخرية من الشعر والشعراء. ولو علم الناس كيف يعيش الشاعر حياته لأشفقوا عليه، ولعلموا أنه أحوج ما يكون إلى المعونة والإشفاق والرحمة.

لكن السؤال: من أين جاء الناس بهذا الحكم القاسي على الشعر والشعراء. وأغلب الظن أن هذا جاء من مصدرين: الأول غموض الشعر نفسه؛ خاصة لمن لا يتذوق الشعر ولا يستطيع التعاطي معه. والثاني- تلك القصص الكثيرة التي نتداولها عن حياة الشعر والشعراء.

وكلنا يذكر قيس بن الملوح؛ الشاعر الأموي الذي عشق ابنة عمه وقال فيها الشعر. لكنه بسبب هذا القول منعه عمه من الزواج بمن يحب، خاصة أن ابن الملوح بهذا الشعر الذي عبر فيه صراحة عن حبه وذكر صراحة اسم حبيبته اخترق الحدود الاجتماعية في عصره، وسبب ما يمكن أن نعتبره فضيحة في عصرنا. ويقال إن ابن الملوح صار يقول الشعر في ليلى حبيبته ويتتبعها في مكان تحل به حتى اشتكاه ابوها إلى القاضي، فحكم عليه بالنفي، وهام ابن الملوح على وجه حتى صار مجنونا ولقب بالمجنون.

أي أن ابن الملوح جن بليلى أو في حقيقة الأمر جن بفكرة الشعر نفسه، وقد كان قادرا على أن يكف لسانه ويتزوج ليلى لو أراد. ونحن في حقيقة الأمر لسنا واثقين من أحداث وحياة المجنون، وكتاب كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني يذكر أنه ليس مجنونا واحدا وليس قيسا واحدا، بل إن ليلى نفسها ليست ليلى واحدة، فهي ليلى العامرية، وهي ليلي الأخيلية، ولعل هناك غيرها من الليلوات التي لم تذكرها كتب التاريخ ولم يذكرها الأغاني.

المهم أن قصة المجنون صنعت في عقول الناس صورة ذهنية عن الشعر باعتباره عالم الخيال، وعن الشعراء باعتبارهم مجانين. وقد زاد تأصيل هذه الصورة بما جعلها أشبه بالحقيقة المؤكدة واحد كنزار قباني في العصر الحديث، بقصائده التي تتحدث عن مملكة الناس التي صنعها الشاعر بكلماته، فظن الناس أن الشعراء جميعهم هم شهريار العصر الحديث، وأن الشاعر ليس إلا إنسانا ماجنا، يعيش بين صدور النساء، أو أنه رجل بائس خدعته حبيبته وأنكرت حبه، فراح يغني لها كما غني كامل الشناوي: لا تكذبي..إني رأيتكما معا.. ودعي البكاء فقد كرهت الأدمعا.. ما أهون الدمع الجسور إذا جرى من من عين كاذبة فأنكر وادعي.. إلخ القصيدة الرائعة التي صورها الكبير عبدالوهاب بلحنه وصوته، قبل أن يؤكدها عبدالحليم حافظ ونجاة الصغيرة بإحساسهما وصوتيهما الحالمين.

للناس إذن كل الحق أن يعتقدوا أن الشعراء يعيشون في مملكة خاصة من الخيال. وهذا صحيح، لأن الخيال هو القادوم والإزميل الذي ينحت به الشاعر وفيه كلماته، أي أنه الأداة الرئيسة التي يعتمد عليها الشاعر في صياغة مشاعره وترجمتها إلى كلمات.

هذا صحيح، لكن الصحيح أيضا أن الشعراء أنفسهم يعيشون الحياة الواقعية بكل ما لديهم من حساسية خاصة. والفرق بين الشاعر وغير الشاعر أن الشاعر يستطيع أن يلتقط بحساسيته الخاصة كل الأصوات المبهمة في المجتمع، ومن ثم يحولها إلى صرخات عالية أو آهات هامسة، بحسب تجربته وهدفه من القصيدة. ولذلك كان الشعراء أنفسهم في مقدمة الثوار الذين دافعوا عن شعوبهم ضد كل مظاهر الظلم والاستبداد، وكامل الشناوي الذي غني لحبيبته الخائنة من قبل : لا تكذبي، وقال لمنافسه المجهول: حبيبها.. لست وحدك حبيبها.. حبيبها انا قبلك.. وربما جئت بعدك.. وربما كنت مثلك حبيبها، ثم لام نفسه وقلبه فقال: أنت قلبي فلا تخف.. وأجب هل تحبها.. وإلى الآن لم يزل نابضا فيك حبها.. لست قلبي أنا إذن.. وإنما أنت قلبها، هذا الشاعر المرهف هو الذي غني للوطن ورفع صوته عاليا حماسيا ضد الظلم وضد المستعمر حين قال: على باب مصر تدق الأكف ويعلو الأنين . ومثله محمود درويش الذي يعتبر الصوت التاريخي للقضية الفلسطينية منذ قال: سجل أنا عربي.. ورقم بطاقتي خمسون ألف.. وأطفالي ثمانية.. وتاسعهم سوف يأتي بعد صيف.. فهل تغضب؟ 

والحقيقة أن الشعر يتخذ في كل عصر وجها مختلفا للتعبير، فمرة يكون حالما رومانسيا، فيكون الشعر رومانسيا، يغني مثلما غني أبراهيم ناجي في رائعته الأطلال: يا فؤادي لا تسل أين الهوي.. كان صرحا من خيال فهوى، ومرة يكون موضوعيا، يعبر بطريقة مباشرة عن وقائع الناس وحياتهم، فيقول مثلما قال أحمد شوقي: سلام من صبا بردا أرق.. ودمع لا يكفكف يا دمشق.. وللحرية الحمراء باب.. بكل يد مضرجة يدق، وهذا ما أسميناه الشعر الكلاسيكي.

ومرة ينطلق الشعر من عقال الخيال ويقترب من حياة الناس ولغتهم، فيقول مثلما قال أمل دنقل: المجد للشيطان معبود الرياح.. من قال لا في وجه من قالوا نعم.. من علم الإنسان تمزيق العدم.. من قال لا فلم يمت.. وظل روحا أبدية الألم.

نحن إذن أمام نماذج مختلفة وطرائق شتى للتعبير الشعري؛ ترتبط بظروف العصر وبحياة الناس. لكن مهما اختلف الشكل فإن الشعراء يظلون محكومين بملكهم الخاص: الخيال، ويتصرفون بحسب ما يتيح لهم هذا الخيال من طرق التعبير.

أما حياة الشعراء أنفسهم، فلو تتبعناها فسوف نجدها لا تختلف عن حياة الناس، فهم يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق، فيهم الغني وفيهم الفقير، ومنهم صاحب السلطة ومنهم من لا يستتطيع الدفاع عن نفسه. وهم في الأخير، مثل كل الناس، يتزوجون وينجبون ولديهم مشاكل أسرية، ولديهم لحظات سعادة ولديهم الكثير من الألم. وألمهم في أغلبه بسبب حياة الناس نفسها، فأكثر الشعر إنما هو تعبير عن حياة الناس، تعبير عن أفراحهم وأحزانهم، تعبير عن انتصاراتهم وانكساراتهم، وباختصار: الشاعر يترجم حياة الناس على النحو الذي يراه بعينيه. وكل تجربة من تجارب الشعراء تعكس هذه الحياة بأدق التفاصيل التي لا يلاحظها الناس. ولذلك فإن أصعب مهنة في هذه الحياة هي مهنة تفسير الشعر وتأويله التي نسميها النقد الأدبي. أما الشغراء فهم في الأخير يمرضون ويموتون.

الشعراء إذن مظلومون وحياتهم صعبة، فهم مطالبون بالسعي لتوفير متطلبات الحياة من طعام وشراب، وهم مثل كل الناس يسعون إلى تكوين أسرة وإنجاب بنين وبنات، لكنهم في الوقت نفسه، لا يستطيعون الفرار من قيد الخيال، ولا سبيل أمامهم للتخفيف من هذا القيد إلا الشعر نفسه، قيعبرون عن آلامهم وعن إلام الناس. وتظل الدائرة مقفلة، يرون حياة الناس ويعيشونها فيغرقون في التعبير عنها، ويرون حياة الناس فيحلمون أن يعيشوا كما يعيش الناس، فهم لا يحبون أبراجهم العاجية، ولو انتبه الناس إليهم للاحظوهم وهم يمشون في الأسواق، وللاحظوا واحدا مثلي، تمنى كثيرا أن يكف عن قول الشعر وعن تتبع حياة الشعراء، لكنه لا يملك من أمره شيئا، ويجد نفسه مضطرا أن يقول كما قال الشاعر القديم: مشيناها خطى كتبت علينا.. ومن كتبت عليه خطى مشاها.. ومن كانت منيته بأرض.. فلن يموت في أرض سواها، أقول هذا بينما أمشي في السوق وأكلم الناس، وبين يدي حقائب ثقيلة من الخضر والفاكهة، وأنا مضطر إلى حملها كل يوم تقريبا، وإلا فإن أولادي الذين لا يعترفون بمملكة الشعر والشعراء، ويروني أعيش في برج عاجي، لن يسمحوا لي بدخول البيت، رغم أن الشعر هو الذي يشتري حاجياتهم ويرعى شئونهم... فسلام على الشعر والشعراء، وسلام على أبراجهم العاجية في كل زمان ومكان.

(ملحوظة: كل الأبيات الشعرية التي ذكرت في هذا المقال مأخوذة من مصادرها الأصلية: ديوان كامل الشناوي، وديوان محمود درويش، وديوان أمل دتقل - الأعمال الكاملة لكل واحد منهم. أما البيت الأخير: مشيناها خطى... فهو بيت مشهور في الشواهد النحوية، وما ورد عن مجنون ليلى مأخوذ من ملخص كتاب الأغاني بتحقيق الدكتور طه حسين، أما الإشارات الخاصة بنزار قباني فهي خاصة بدواوينه الأولى على الأخص: طفولة نهد، وقالت لي السمراء).

بقلم د.صلاح فاروق العايدي

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.