كن نفسك واكتشف ظلك قبل أن يبتلعك ظل الآخرين

 أحيانًا يبدو لنا أنَّنا نتشابه في كثير من الأمور في شخصياتنا، لكنَّني لا أتَّفق حتمًا مع هذه الفكرة ولا أتقبَّل أن أكون نسخة من شخصٍ آخر سواء أكنت أعرفه أم لا، وهذا لا يندرج تحت مفهوم (الكبرياءِ وتنزيه النَّفس عن الغير)، بل يندرج تحت الثِّقة بالنَّفس والاعتماد على الذّات.

‏ (اصنع من نفسكَ إنسانا مختلفًا) هذه الجملة لا بد أن يفهمها كل واحدٍ منّا بطريقة معينة مختلفة عن الآخر، لكنّنا سنُلاحظ أنّ الجميع اشتركَ في فكرةٍ واحدة قد يكون استنتجها من هذه العبارة الصَّريحة، ألا وهي فكرة أن تكون أنت من يتَّخذه الملأ قدوةً لهم أو حتّى يحاولون التَّطبع ببعض طباعه أو التّعلم منه بمختلف الأمور بغضِّ النّظر عن أهميتها، لأنني مقتنعةٌ تمامًا بأن (القلّة والنُّدرة تُعطي الشيء القيمة الأعلى، وأن الكثرة والوفرة تعطي الشّيء القيمة الأقل والأدنى).

وهذا ما يتجسّد في واقعنا. مِثال: السّلعة المتوافرة بشكلٍ كبير في السّوق يكون سعرها رخيصًا وقليلًا، مقارنة بالسّلعة التي تكون نادرة وغير متوافرة دائمًا، سيكون سعرها مرتفعًا؛ لأنها صعبة المنال. وهكذا هو حالنا نحن، لهذا كن دائمًا متميزًا ونادرًا ويصعب الوصول إليك بسهولة ولا يوجد منكَ اثنان وإن وُجدَ فليكن قليلًا.

‏ من المعروف أنّ الإنسان يشعر بقيمته عند (التّقدير)، وأقصد بهذا المصطلح أنّ من طبيعة الإنسان أنه يحب من يقدّره ويعطيه قيمة، فيشعر أنّه شخص مهم أو أنّه يمكنه أن يكون مؤثرًا في جهة معينة. لكن أريد التَّنويه لنقطةٍ مهمة ألا وهي: أنك أنتَ من تصنع هذا التّقدير بنفسك وأنت من تجعل الغير ينظر لك بنظرةٍ مختلفة، وبناءً عليها ستُجبره على تقديرك دون إعداد أو تحضير منه، لكن كيف لنا أن نخلق من أنفسنا شيئًا فريدًا يستحق أن يجعلنا نشعر بهذا التَّميز بذاتنا؟

نعم سأقدم لك السبل.

أول نقطة هي أن تتجاهل كل ما يُقال لك؛ كي تستطيع العثور على ذاتكَ الحقيقية، عن شخصيتكَ غير الوهميّة، عن تفاصيلك الفريدة، وعن كل شيء أصلي بك، تستطيع تحديد ذاتك ونفسك وتصنيفها تحت خانة معينة، لكنّنا عندما نبقى نُتابع هذا ونقلّد ذاك سنبقى نحن نسخًا تقليديّة من شيء كان فريدًا حتّى أصبحَ الآن عاديًّا، فكما قال الحُكماء: (من سَمَت نفسهُ عنِ التَّقليد سَمَت مكانته بينَ العبيد).

ثانيًا: اكتشف نفسك بعيدًا عن الواقع، توهَّم قليلًا، احلم قليلًا، اسرح في خيالك قليلًا، ستجدُ أنَّ كل هذا كان خيالًا ووهمًا، لكنّك عندما تتمسَّك به وتُصِر على أن تجعلهُ واقعًا (سيكون).

ثالثًا: علينا أن نعرف من نحن؟ ماذا نحب وماذا نكره؟ ماذا نستطيع أن نُنجز وعن ماذا نعجز؟ نقاط ضعفنا ونقاط قوّتنا، علامات الاستفهام في شخصيّاتنا أين توجد؟ وأتساءل: لماذا هذا السّطر في شخصيتي فارغ؟ هل لأنّني لم أجد إجابة لأجيب عنه؟ أم لأنّني أمتلك الإجابة لكنّني تهتُ عنها قليلًا؟ هنا يكمنُ دَورنا.

‏ لقد كرّم اللّه سُبحانه وتعالى الإنسان وميّزه عن غيره من المخلوقات، وصفة التّفرد والتّميز وضعها الله تعالى بنا وأعطانا كرامة لكلِّ فردٍ منّا، حيثُ قال في كتابهِ العزيز: {ولقد كرّمنا بَني آدم}، أي أنّ صفة الكرامة والتّفرّد متأصلة بنا وموجودة، وأنّ التّفرد يشرحُ عبارة «أنّ من سارَ في ظلّ غيرهِ حجبَ عنهُ ضوءَ نفسه»، هكذا علينا أن نكون متبوعين غير تابعين، لأنّنا لو سِرنا على هذه المبادئ سنجدُ أنفسنا دائمًا في المقدمة وأنّنا نحنُ الأفضل، لكنّنا لا نستطيع أن نحقق هذا دون أن نبدأ بدايةً بتأسيس هذا الإنجاز باتباع هذه المبادئ، فكيف للإنسان أن يصنع من نفسه عَلَمًا دونَ أن يضع ساريَتَه أولًا؟

‏ نستنتجُ من فضاءِ الكلماتِ السّابقة، أنّ مهما ترقّى الإنسان وارتفع وتعلّمَ وتثقّف لكنّه بقيَ ينتمي لهذا وذاك، يُقلّد دون إدراك، يؤدّي بنفسهُ للهلاك، وبتقليدهِ يظنُّ نفسَه ملاكًا، وبوصوله لنسخةٍ أخرى من شخصيّة أصليّة فلا أقول سِوى أنَك (نُسخة مقلَّدة)، هكذا جميعنا نراك، فقُم واكتشف ذاتك فإنّ كل فردٍ منّا يوجد داخله شيءٌ مميّزٌ يلمع ويسطع ويزهو وينمو، لكنّه يحتاج لمن يكتشفهُ ليسطعَ أكثر، ويحتاج لمن يَسقيه لينمو أكثر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.