"تخيَّل أن أفكارك هي بمثابة قطرات المياه، قطرة واحده قد لا تعني شيئاً، لكن كلما راودتك أفكار عديدة ومتتالية كلما كبرت القطرة وتحولت إلى بقعة، ثم إلى بركه، ثم إلى مستنقع، ثم إلى محيط، فما هو نوع المحيط الذي تخلقه لنفسك بأفكارك؟
هل هو مستنقع سيء، قاتل ومسمم، أم أنه محيط أزرق جميل يتسم بالحياة ؟ "لويز هاي
استوقفتني هذه المقولة للمؤلفة لويز هاي موضحة عن دور الأفكار في بناء حاضرنا ومستقبلنا.
حياتنا كما نعلم جميعاً هي انعكاس لطريقة تفكيرنا، سواء كانت هذه الطّريقة سلبية أو إيجابية.
عندما نقوم بعملية التفكير فإن افكارنا تؤثرعلى مشاعرنا و بالتالي على سلوكنا .
فكلما انغمسنا في تفاصيل ما يضايقنا و يزعجنا كلما ازداد شعورنا سوءاً فكل فكرة مزعجة تجر ورائها فكرة تلو الاخرى حتى تصل الى درجة تصبح فيها منزعجا لدرجة غير مقبولة.
و بما ان حياتنا اليومية مليئة بالكثير من المواقف والقرارات التي نفكّر فيها ونحللها ونفسّرها على مزاجنا ،فهذا يجعلنا احيانا كثيرة نقع في فخ المبالغة في تقييم المواقف . فمن الطبيعي جدا ان تراودنا الافكار السلبية من حين إلى أخر، ولكن التعمق فيها أو العيش بها يمكن أن يؤثر على حياتنا بطريقة سلبية.
فعلى سبيل المثال،اذا أمضيت وقتاً رائعاً في عملك و أتممت مهامك جميعها وتلقيت الشكر و التقدير من مديرك. الا انك سمعت تعليق مزعج من قبل احد زملاءك فإن تركيزك فورا يتجه على التعليق السيء وتنسى الثناء الذي تلقيته.
و السؤال الذي يطرح ذاته هنا، هل انت من الاشخاص الذين إذا سمعت تعليقا او خبرا سيئا او اصبت بخيبة أمل ...الخ ، فإنك لا شعوريا تنغمس في التركيز و التفكير بسلبيات الامور اكثر من الايجابيات؟؟و ما الذي يجعلنا اصلاً نركز على المشكلات التافه ونضخمها و نتفاعل معها بقوة اكبر في كثير من الاحيان ؟؟؟
السبب الرئيسي يعود في تفسيرنا لاي موقف يحدث معنا الى العقل الباطن الذي هو أساس تصرفاتنا و هوالمسؤول عن مزاجنا، وعن تحديد الصفات الحقيقية لشخصيتنا ...فعقلنا الباطن يعمل تماما كالرادار الذي يلتقط أي كلمة أو فكرة ويخزنها بغض النظر عما إذا كانت إيجابية أو سلبية. فكل ما يتم تخزينه وبرمجته في العقل الباطن سوف يعود لنا على هيئة أفعال أو أقوال أو أشخاص نلتقي بهم . مثال يتكرر معنا بكثرة و هو عندما يُكرر أحد منا طوال اليوم جملة “ انا مرهق” سوف يتفاعل العقل الباطن مع هذه الجملة ويرسل إشارة للجسد للشعور بالارهاق لأن تلك هي رغبة الشخص والنتيجة أنه سوف يشعر بالارهاق طوال الأسبوع.و هكذا بالنسبة لبقية الاحداث التي تحصل معنا...
غير طريقة حوارك الذاتي
لا بد من الاشارة ايضا ان حوارنا الذاتي مهم جدا في طريقة تعاطينا مع كافة احداث حياتنا،فالطريقة التي نتحدث بها مع انفسنا عن الأحداث والتجارب والأشخاص تلعب دوراً كبيراً في تشكيل كيفية تفسير ما يحصل معنا، لذلك عندما تجد نفسك تفسر شيئاً ما بطريقة سلبية أو تركز فقط على الجانب السيء من الموقف، ابحث فورا عن طرق لإعادة صياغة الحدث بشكل أكثر إيجابي،فالامر الهام هنا ، هو ان تدرك ما يحدث في عقلك قبل ان تكون هناك فرصة لافكارك ان تتزايد وكلما اسرعت في اكتشاف نفسك وانت تبدأ في الانغماس في افكارك السلبية كلما كان من السهل التوقف عن ذلك،لذا أقتل انغماسك في التفكير السلبي ، وأوقف قطار أفكارك قبل أن ينطلق .
لذا يجب تجنب الأحاديث السلبية مع النفس لان ذلك يزيد قوتها، ويحولها من مجرد أفكار إلى يقين واقعي في نفس الشخص، فتعويد النفس على طرد هذه الأفكار بمجرد ظهورها في المخيلة لن يسمح لها بالسيطرة عليه، فيصبح مزاجه أفضل وقدرته على التحليل أكبر، كما يجب أن يدرب المرء نفسه على فصل الأوهام والمخاوف الغير مبررة عن الحقائق الواقعية حتى يخفف تأثير تلك الدائرة السلبية المتعبة للنفس.
فالاشخاص الذين يميلون الى توقع الامور السيئة قبل الايجابية يعتقدون انهم بذلك يقومون بأخذ الاحتياطات اللازمة لعدم مفاجأة الأحداث التي لا تسرهم ، حيث ان التوقع السلبي يجبرهم على التعامل ومواجهة و احتساب المخاطر والتحضير للأسوأ .و لكن لو فكرت قليلا و سألت ذاتك ماذا قدم لك التفكير السلبي على مر السنين هل صنع لك معروفا كنت تتمناه أو غيّر من حالك التي تشكو منها أو أسعد قلبك،ستجد انه لم يقدم لك سوى الحزن والعبوس...
فسواء علقنا في زحام مروري، أو تلقينا مكالمة مزعجة، أو سمعنا نقد غير مرغوب ، أو أي شيء من قائمة الأمور المحتملة التي سببت انزعاجنا فإن هذا لن يغير من الواقع شيئاً في حال جلسنا في مكاننا و استسلمنا للتفكير بتلك المنغصات،لان حدوثها هو جزء من الواقع ، لذا كل ما يلزم عليك فعله هو ان لا تدع هذه الامور تسبب لك الضغط النفسي و التوتر بل عليك التدرب على تحدي هذه المنغصات بتوجيه تركيزك على مواقف آخرى ايجابية اكثر . فالتفكير في أي حدث إيجابي مهما كان صغيرا، سواء كان هذا الحدث من الماضي أو منتظرا في المستقبل، يساعدك على تشتيت التركيز عن الأمور السلبية، مما يخفف حدة التوتر.
غير عقليتك وستغير عالمك
لكي نتخلص من تأثير المواقف السلبية علينا ايضاً ان نتعلم كيف نتخذ عقلية ايجابية منفتحة بدلا من الاسترسال في التوقعات السلبية و التركيز عليها فقط، فالموقف الذي يختاره عقلنا ان يتبناه هو اساس و اصل الحل ،حيث اننا نفسر لانفسنا ما الذي نراه من حولنا وكيف نشعر تجاه الذي نراه، اذاً لابد ان نتفحص العقلية التي نتبعها ،فالعقلية هنا نقصد بها العدسات الداخلية التي نرى من خلالها الاحداث،فهي تؤثر في كل ما نفعله ونراه.
فالكثير منا يستنفذون قدرا كبيرا من طاقتهم في التركيز على سلبيات الامور لانهم لا يعتمدون عقلية ايجابية منفتحة .
فالشخص الذي يعتمد عقلية تشاؤمية و يستبق الامور السلبية دائما فهو بذلك يعمل على تعقيد الامور بدلا من حلها , و في معظم الوقت يعظم الاشياء فيزيد الامور سوءاً فتصبح المشكلة الحقيقية فيه هو شخصيا .
كما انه لا يرى بصيص اي نور أمامه في كل مشكلة تقابله ،لا يرى لها حلول، ويتحدث دائما بأنه مغلوب على امره ، مبتلى ، معذب و ان الدنيا واقفة ضده و لم تجد غيره لتصيبه بالمصائب ،فالشخص ذو العقلية التشاؤمية يمكننا تشبيهه و كأنه صاحبَ وحشاً لايرحم...
بينما الشخص ذو العقلية الايجابية بالرغم كل ما يحدث معه من امور سلبية الا انه يبحث دائما عن مخرج أمل،عن شمعة نور تنير الظلام الحالك حوله ويخرج دائما بحلول تسعد قلبه ..
انتبه جيدا ان اتباع العقلية الايجابية لا يعني محاولة تزييف الحقائق وتجاهل المواقف الصعبة، انما المقصود بها القدرة على التعامل مع هذه المواقف بطريقة أكثر إيجابية وإنتاجية، وأنك تعتقد أن الأفضل سيحدث وليس الأسوأ.
و في الختام ، تعامل مع أفكارك و توقعاتك السلبية و كأنها شكل من اشكال سوء المعاملة مثلما لن تسمح لشخص ان يسيء معاملة شخص تحبه كذلك يجب عليك ان تتعامل مع ذاتك لا تسمح لافكارك و توقعاتك السلبية ان تسيء لك ..
و اخيرا، تذكر ان الدرع الواقي ضد التركيز على الاحداث السلبية يكمن اولا في عقلك الباطن فما عليك فعله الا ان تعيد برمجته لانه يقوم بالتفاعل مع أفكارك وأفعالك وتحويلها إلى عادات أو حقائق. ثانياً حوارك الذاتي، كن منتبها له و اجعله ايجابيا منتجا. ثالثاًعقليتك، فما يستهلك عقلك يتحكم في حياتك حيث ان الاعتدال و التنويع و الدمج بين اتباع عقلية ايجابية منفتحة و اوقات آخرى لا ضرر من اتباع العقلية التشاؤمية في حال كان الهدف منها فقط ان تحضّر نفسك لكل السيناريوهات الممكنة لأنها تجعلك تتصور وتتخيل وتفكر بأسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تحدث مما يعني أن أكثر ما يخيفك ستفكر به، وستتعامل معه بشكل مسبق.
خير الامور اوسطها و انت صاحب الخيار فيما تختار
بقلم ابتسام عطالله الرمحين
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.