تعد شركة إنسليكو ميديسن Insilico Medicine إحدى أكبر الشركات في مجال نقل الذكاء الاصطناعي التوليدي من الأبحاث النظرية إلى تصميم الأدوية الحقيقية التي يتم اختبارها على المرضى. وتعتمد الشركة على منصة ذكاء اصطناعي تكتشف الأهداف البيولوجية للمرض وتصميم جزيئات دوائية جديدة تتناسب مع الأهداف بدقة، وهو ما ظهر في نجاح الشركة في تطوير دواء لمكافحة التليف الرئوي مجهول السبب.
وفي هذا المقال نلقي الضوء على اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي، وما هي أبرز جهود وابتكارات شركة إنسليكو في اكتشاف الأدوية الجديدة، وما الفرق بين الطرق التقليدية واكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي، وما الأمراض التي يساهم الذكاء الاصطناعي في علاجها حاليًّا؟
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية الجديدة؟
بدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في اكتشاف الأدوية الجديدة في الفترة الأخيرة، ويدخل مراحل مذهلة، حيث يتحول الأمر من الاكتشاف العشوائي الذي يعتمد على التجربة والخطأ إلى عملية التنبؤ فائقة الدقة والقائمة على البيانات، من خلال 4 مراحل أساسية كالتالي:
- تحديد الهدف البيولوجي: يحلل الذكاء الاصطناعي ملايين الجينات والبروتينات والمقالات الطبية في وقت قياسي لتحديد السبب المباشر للمرض بدقة متناهية.
- تصميم الجزيئات التوليدي: في هذه المرحلة يبتكر الذكاء الاصطناعي جزيئات جديدة تمامًا من الصفر تناسب الهدف البيولوجي.
- التنبؤ بالسمية والفاعلية: لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بابتكار الجزيئات، وإنما تقوم الخوارزميات بمحاكاة التفاعل مع الدواء داخل الجسم لتوقع الآثار الجانبية وامتصاص الدواء قبل تصنيعه معمليًّا.
- تحسين التجارب السريرية: في المرحلة الأخيرة يتم تحليل البيانات المرضية باختيار الفئات الأكثر استجابة للعلاج وبالتالي تقليل احتمالات فشل التجربة في مراحلها الأخيرة.

ما هي شركة إنسليكو وماذا تفعل لاكتشاف الأدوية الجديدة؟
شركة أنسيلكو ميديسن هي شركة عالمية متخصصة في التكنولوجيا الحيوية، ويعدها كثيرون الأولى في الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي التوليدي لتصميم وتطوير الأدوية الجديدة من الصفر. ومن أبرز المهام التي تقوم بها الشركة ما يلي:
- اكتشاف الأهداف المرضية: تستخدم الشركة منصتها الذكية للتحليل الجيني والجزيئي لتحديد البروتينات والجينات الدقيقة المسببة للمرض.
- التصميم التوليدي للمركبات: تعمل الشركة على ابتكار جزيئات كيميائية جديدة غير موجودة بالطبيعة، لتلتصق بالهدف البيولوجي وتقضي على المرض.
- التنبؤ بنجاح التجارب: تستطيع الشركة أيضًا باستخدام الذكاء الاصطناعي التنبؤ بنجاح التجارب، من خلال محاكاة طريقة تفاعل الدواء واكتشاف نسبة نجاحه أو تأثيره السريري قبل الدخول في مرحلة الاختبارات البشرية.
- ابتكار علاج التليف الرئوي: من أبرز جهود الشركة في الفترة الأخيرة نجاحها في نقل أول دواء مبتكر ومصمم بالكامل آليًّا إلى المرحلة الثانية من التجارب السريرية، وهو لعلاج التليف في الرئة مجهول السبب.
ما الفرق بين الطرق التقليدية واكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي؟
كانت الطرق التقليدية تعتمد على التجربة والخطأ المعملي، وبالتالي اختبار آلاف المركبات بشكل عشوائي، أما الذكاء الاصطناعي فيعتمد على النمذجة التنبؤية والتصميم التوليدي الذكي للجزيئات من الصفر، وهو ما يمكن تبسيطه كالتالي:
- المدة الزمنية: كانت الطرق التقليدية تستغرق من 4 إلى 6 سنوات للوصول إلى مركب دوائي واعد، أما الذكاء الاصطناعي فيستطيع الوصول إلى نفس النتيجة في مدة ما بين 12 و18 شهرًا بفضل سرعة التحليل الحسابي.
- التكلفة المالية: الطرق التقليدية كانت تتطلب ميزانيات ضخمة تتجاوز مئات الملايين من الدولارات بسبب كثرة التجارب الفاشلة، أما الذكاء الاصطناعي فيخفض التكاليف بنسبة 70% للتركيز على الجزيئات الأكثر نجاحًا فقط.
- طريقة ابتكار الدواء: تعتمد الطرق التقليدية على الفحص العشوائي لمكتبات كيميائية موجودة مسبقًا بغرض العثور على مركب مناسب، أما الذكاء الاصطناعي فيعتمد على التصميم التوليدي لجزيئات كيميائية جديدة تتطابق مع الهدف كالمفتاح والقفل.
- تحديد أسباب المرض: اعتمدت الطرق التقليدية دائمًا على الأبحاث المخبرية الطويلة التي تستغرق سنوات للتعرف على الجين أو البروتين المسبب للمرض، أما الذكاء الاصطناعي فيحلل البيانات في ثوانٍ لاستخراج الهدف البيولوجي.
- التنبؤ بالأمان: اكتشاف آثار الدواء في الطرق التقليدية كان يحتاج إلى وقت ومراحل متأخرة أثناء التجارب الحيوانية أو البشرية، أما الذكاء الاصطناعي فيقوم بمحاكاة تفاعل الدواء داخل الجسم قبل تصنيعه معمليًّا للتنبؤ بالسمية والامتصاص مبكرًا.
هل الأدوية المطورة بالذكاء الاصطناعي آمنة للمرضى؟
نعم، الأدوية التي يتم تطويرها بالذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون آمنة للمرضى مثل الأدوية التقليدية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يصممها فقط، وإنما يقوم بعمليات اختبار وأمان صارمة كالتالي:
- الخضوع للتجارب السريرية: رغم أن الأدوية مصممة بالذكاء الاصطناعي، فإنها تمر بمراحل الاختبارات البشرية المعتمدة، ولا يحصل الدواء على ترخيص إلا بعد موافقة الهيئات الرقابية المتخصصة.
- التنبؤ المبكر بالسُمية: يمتلك الذكاء الاصطناعي ميزة كبيرة في تحسين الأمان، حيث يتنبأ بالآثار الجانبية والسُمية المحتملة للدواء حاسوبيًّا قبل تجربته، مما يؤدي إلى إقصاء الجزيئات الخطرة قبل التصنيع.
- التصنيع والتجريب الفعلي: لا يتم حقن المريض بصيغ برمجية، وإنما يتم تصنيع المركب الكيميائي في المعامل ويتم اختباره ميدانيًّا على الخلايا والأنسجة الحية للتأكد من السلامة البيولوجية للدواء قبل اختباره على البشر.
- الاستهداف الدقيق للأنسجة: الأدوية المصممة بالذكاء الاصطناعي تكون موجهة بدقة، وهو ما يقلل احتمالية تفاعل الدواء مع الأنسجة السليمة ويخفض الآثار الجانبية مقارنة بالأدوية التقليدية.
ما الأمراض التي يسهم الذكاء الاصطناعي في علاجها حاليًا؟
حاليًا يركز الذكاء الاصطناعي على الأمراض المعقدة بيولوجيًّا والمستعصية والتي عجزت الطرق التقليدية عن إيجاد حلول وعلاجات حاسمة لها، ومن أبرزها ما يلي:
- الأمراض التنفسية والرئوية: نجحت نماذج الذكاء الاصطناعي في اكتشاف وتصميم أدوية واعدة لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب وحققت نتائج سريرية ملموسة.
- أورام السرطان وأمراض الدم: هناك أيضًا نجاح كبير في ابتكار علاجات موجهة لتثبيط الطفرات البروتينية التي تغذي أورام الثدي والرئة والدماغ، بالإضافة إلى ابتكار جزيئات تخترق آليات المقاومة التي تطورها الخلايا السرطانية ضد العلاج الكيميائي.
- أمراض التنكس العصبي: حاليًا، يقوم محلل الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات الجينية والطبية لاكتشاف البروتينات المسببة لتلف الأعصاب، من أجل الوصول إلى تصميم أدوية تمنع تراكم الصفائح الضارة في الدماغ.
- أمراض المناعة الذاتية: يتم العمل على ابتكار جزيئات تنظيمية تعدل استجابة الجهاز المناعي المفرط وتساعد على إخفاء الأعراض، وكذلك تصميم مثبطات مناعية لعلاج الصدفية الشديدة والتهاب المفاصل الروماتويدي.
- الأمراض المعدية والنادرة: يتم الآن تجربة مركبات كيميائية جزيئية قادرة على فتح الجدران الخلوية للبكتيريا الفائقة التي طورت مناعة ضد العقاقير العادية، كما يتم تسريع إعادة توجيه الأدوية المعتمدة سابقًا لاستهداف طفرات جينية لدى الأطفال.

ما التحديات التي تواجه اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي؟
رغم أن الذكاء الاصطناعي في مجال اكتشاف الأدوية يتطور يومًا بعد يوم، فإنه ما زال يواجه مجموعة من العقبات البيولوجية والتقنية والقانونية، والتي تحول دون تعميم نتائجه بسرعة. ومن أبرز هذه العقبات ما يلي:
- نقص جودة البيانات الطبية: لأن الخوارزميات تعتمد على البيانات، فإنها تواجه مشكلة كبيرة، لأن معظم البيانات البيولوجية والسريرية إما غير مكتملة أو محمية بحقوق ملكية لشركات أدوية ترفض مشاركتها.
- تعقيد البيئة البيولوجية: يصعب على النماذج الحاسوبية محاكاة تعقيد الجسم البشري بنسبة 100%، فمهما بدا الجزيء الدوائي مثاليًّا حاسوبيًّا يظل الأمر غير متوقع، فقد يتصرف الجزيء بطريقة مختلفة عند تفاعله مع الخلايا الحية.
- مشكلة التفسير: في كثير من الأحيان يصعب فهم كيفية وصول الخوارزميات إلى النتائج الطبية، وهو ما يجعل الهيئات الرقابية تتردد في اعتماد الأدوية والمركبات دون أن تعرف السبب البيولوجي لاختياره كعلاج.
- التحديات التشريعية: هناك الكثير من القوانين الحالية التي تفرض ضوابط حول تسجيل براءات الاختراع للمركبات المكتشفة بواسطة البرمجيات مع بطء التشريعات الرقابية لتواكب سرعة التقنية.
- حتمية التجارب المعملية والسريرية: رغم سرعة الذكاء الاصطناعي في مرحلة التصميم والتطوير فإن الأمر لا يستغني عن التجارب السريرية الطويلة والمكلفة على البشر للتأكد النهائي من السلامة والفاعلية للدواء.
في ختام رحلتنا في عالم اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي، يتجلى لنا أن التجربة الاستثنائية لشركة «إنسليكو ميديسن» ليست إنجازًا تقنيًا عاديًا، بل هي بداية لحقبة جديدة تعيد رسم خارطة الطب الحديث وتفتح أبواب الأمل لملايين المرضى في أنحاء العالم. إن دمج التكنولوجيا الحيوية بالخوارزميات التوليدية يختصر عقودًا من الانتظار والتكاليف، ويمنحنا القدرة على مواجهة أمراض كان يُعتقد في الماضي أنها مستعصية.
نشكرك على متابعة المقال، ونسعد جدًّا بترك رأيك وتوقعاتك لمستقبل الأدوية المبتكرة في قسم التعليقات بالأسفل. ولا تنسَ مشاركة المقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة والتوعية بهذه الطفرة العلمية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.