التحالفات الاقتصادية لم تعد اتفاقيات تجارية عابرة، بل أصبحت أدوات إستراتيجية تعيد تكوين موازين القوى عالميًا. بفضل هذه التكتلات، تسعى الدول إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، وحماية مصالحها في عالم مملوء بالتقلبات. ففي عالم يعيش على وقع تحديات اقتصادية وسياسية واجتماعية، تبحث كل دولة عن تحسين وضعها على خريطة الاقتصاد العالمي، وحل كثير من المشكلات، ورفع القدرة التنافسية، وتجنب الأزمات. لذا، تتجه معظم الدول إلى محاولة الارتباط بكيانات اقتصادية كبيرة من أجل حماية مصالحها وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة، حتى إن بعض الدول تنشط في كيانات اقتصادية عدة في الوقت نفسه.
في هذا المقال نستعرض أبرز 5 تحالفات اقتصادية كبرى، ونكشف كيف يسهم كل منها في صياغة الحاضر والمستقبل على المستويات الاقتصادية والجيوسياسية.
الاتحاد الأوروبي
على الرغم من الصراعات الكبيرة التي عاشتها أوروبا في القرن العشرين، والحروب التي خلفت خسائر هائلة؛ فإن سياسة المصلحة غلبت في النهاية، واتجهت معظم دول أوروبا إلى تكوين ما نعرفه الآن بالاتحاد الأوروبي الذي أصبح أحد أكبر الكيانات والتحالفات السياسية والاقتصادية الدولية.
تأسس الاتحاد الأوروبي عام 1992 بعد توقيع معاهدة (ماسترخت). وعلى الرغم من أن الحديث عن إنشاء كيان يجمع الدول الأوروبية ببعضها بعضًا كان قديمًا، وربما من بعد أحداث الحرب العالمية الثانية، فإن الخطوات الحقيقية كانت في نهاية القرن العشرين، حين قررت الدول الأعضاء الدخول في اتحاد فيدرالي يقوم على نقل الصلاحيات القومية في هذه الدول إلى المؤسسات التي تتفق عليها الدول الأعضاء.
يضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة، منها 19 دولة تستخدم العملة الموحدة للاتحاد الأوروبي، وهي اليورو، إضافة إلى وجود كثير من القوانين والسياسات الموحدة في مجالات الصيد والزراعة والصناعة والتجارة والسياسة.

وعلى الرغم من الحماس الكبير الذي دخلت به المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي؛ فإنها خرجت منه عام 2016 بعد إجراء استفتاء عام في البلاد، فقد اختار المواطنون في المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي لتكون أول دولة تتخذ هذا القرار، وهو ما تم تنفيذه رسميًا عام 2020.
ومن الجدير بالذكر أن كل دول أوروبا تستطيع أن تطلب دخول الاتحاد الأوروبي، فإن الأمر يتوقف على مجموعة من الشروط التي يجب الالتزام بها، مثل أن تكون الدولة ذات مؤسسات مستقلة تعمل في نظام ديمقراطي وتحترم القانون، ووجود نظام اقتصادي يعتمد على السوق الحر ويمتلك القدرة على المنافسة، إضافة إلى موافقة الدولة على الالتزام بتشريعات وقوانين الاتحاد الأوروبي.
وعلى مستوى القوة الاقتصادية، فإن الاتحاد الأوروبي يُعد أكبر سوق موحد موجود في العالم، وهو ما يخدم مصالح الدول الأعضاء، إضافة إلى قوة العملة الموحدة التي تسمح للدول الأوروبية بمواجهة تحديات وتقلبات الاقتصاد. ويعد الاتحاد الأوروبي أيضًا شريكًا تجاريًا لكثير من الدول والكيانات الاقتصادية الأخرى.
مجموعة الدول السبع
يُعد ملتقى مجموعة الدول الصناعية السبع أحد أكبر الكيانات والتحالفات الاقتصادية والسياسية في العالم الذي يضم أكبر الاقتصادات في كوكب الأرض، وهو ما يظهر بالأرقام التي تقول إن مجموعة الدول السبع تمثل حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو 43% أما حصتها من صافي الثروة العالمية نحو 58%، وفقًا لصندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصاد العالمي 2025، في حين يمثل عدد سكان هذه الدول 10% فقط من سكان العالم.
تضم مجموعة الدول الصناعية السبع كلًا من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، واليابان، وإيطاليا، وألمانيا، وفرنسا، وكندا. وهي الدول التي تشترك في كونها دولًا اقتصادية كبرى تعتمد النظام الليبرالي الديمقراطي، إضافة إلى قوة هذه الدول على الصعيدين السياسي والعسكري، بجانب هذه القوة الاقتصادية الهائلة.
تأسست مجموعة الدول السبع عام 1973، وأصبحت ملتقى لمناقشة القضايا المشتركة وتقريب وجهات النظر، ووضع السياسات والحلول في كثير من المجالات التي تخص الاقتصاد والأمن والمناخ. ويحضر الاجتماعات التي تقام سنويًا في إحدى دول المجموعة ممثلون من الاتحاد الأوروبي.

ومن الغريب في مجموعة الدول الصناعية السبع هو عدم وجود أمانة تضم الدول، أو معاهدة تنص على إنشاء المجموعة، وإنما يتدار المجموعة بالتناوب على رئاستها سنويًّا، وتحدد الدول نفسها جدول الأعمال والأولويات التي يجب مناقشتها، وتنظيم اللقاءات بالتفاهم بين المسؤولين أصحاب المستوى الرفيع، وهو ما يمكن أن نفسره بأن القوة التي تتمتع بها هذه الدول بجانب المصالح المشتركة تُعد أقوى من المعاهدات والنصوص الرسمية.
وعلى مستوى الاستفادة من هذا التجمع، فإن الدول الأعضاء تستطيع تحديد كثير من المسارات العالمية بتفاهمها واتفاقها فيما بينها، لا سيما في مجالات الاقتصاد والأمن والبيئة، إضافة إلى توحيد السياسات والمواقف بطريقة تخدم مصلحة هذه الدول في القضايا والأزمات الكبرى.
مجموعة العشرين
يبدو من اسم المجموعة أنها تضم 20 دولة، لكن الأمر لا يتوقف عند ذلك، فقد انضم إليهم الاتحاد الأوروبي بصفته كيانًا اقتصاديًا، ويشارك في الاجتماعات واتخاذ القرارات ووضع السياسات، ومؤخرًا الاتحاد الأفريقي في عام 2023 ليصبح عضوًا دائمًا؛ لذا فإن مجموعة العشرين تُعد من أكبر الكيانات والتحالفات الاقتصادية في العالم، فتشير الأرقام إلى أن الدول الممثلة في المجموعة التي تمثل ثلثي سكان العالم، تستحوذ على 90% من الإنتاج العالمي، ونحو 75% من التجارة العالمية.

وعلى الرغم من أن مجموعة العشرين قد تأسست عام 1999، فإن بداية حضور رؤساء الدول والحكومات ووزراء المالية والخارجية بدأت منذ عام 2008، فقد أصبحت اجتماعات مجموعة العشرين أكثر أهمية وأكثر جدية في مناقشة القضايا المطروحة في جدول الأعمال التي تستهدف تعزيز الاستقرار المالي بين أعضاء المجموعة، وعلى المستوى الدولي، ومعالجة القضايا الكبرى التي يصعب حلها بواسطة الدول المنفردة.
أما عن الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، فهي تضم كلًا من البرازيل، وأستراليا، والأرجنتين، وكندا، والصين، وفرنسا، وألمانيا، والهند، وإندونيسيا، والمكسيك، واليابان، وإيطاليا، والمملكة العربية السعودية، وروسيا، وجنوب إفريقيا، وتركيا، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، إضافة إلى إسبانيا التي تُعد ضيفًا دائمًا على المجموعة.
وتعد المملكة العربية السعودية هي الدولة العربية الوحيدة العضو في مجموعة العشرين، وقد استضافت السعودية اجتماعات المجموعة عام 2020 في الرياض، أما آخر اجتماعات مجموعة العشرين فكانت في العاصمة الهندية نيودلهي في سبتمبر عام 2023، وكان آخر اجتماعات مجموعة العشرين في البرازيل عام 2024، ومن المقرر أن تستضيفها جنوب إفريقيا عام 2025.
وعند النظر إلى الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، فإننا نلاحظ عدم وجود دول ذات اقتصادات ضعيفة، إضافة إلى حرص الاتحاد الأوروبي على الوجود بين أعضاء المجموعة، على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي نفسه يُعد كيانًا اقتصاديًا كبيرًا، وأيضًا وجود عدد من الدول الأوروبية التي تمتلك عضوية في الاتحاد الأوروبي. وعلى هذا نفهم أهمية التحالفات الاقتصادية، وخاصة إذا كانت تحالفات مع دول غنية وذات نشاطات اقتصادية متنوعة، وهو ما يمنح فرصًا كثيرة، ويعزز القدرة التنافسية للدول الأعضاء.
منظمة شنغهاي للتعاون
تُعد منظمة شنغهاي للتعاون أحد الكيانات والتحالفات الاقتصادية والسياسية الكبرى في العالم، وهي منظمة ذات طابع إقليمي، فهي تضم عددًا من الدول الآسيوية والأوروبية ذات المصالح المشتركة. وقد نشأت المنظمة عام 2001 بعد توسع مجموعة شنغهاي الخماسية التي أُنشئت عام 1996، وكانت تضم 5 دول، وضمت منظمة شنغهاي للتعاون عند إنشائها ست دول هي: الصين وطاجيكستان وأوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان وروسيا.

وبعد التأسيس، سمحت منظمة شنغهاي للتعاون بانضمام دول أخرى مثل الهند وباكستان منذ عام 2017، وانضمت مصر شريكًا بعدِّها الدولة الإفريقية الوحيدة في المنظمة، وانضمت إيران عام 2023 لتكون الدولة التاسعة في منظمة شنغهاي للتعاون، في حين رُفضت عضوية الجزائر، واستُقبلت كل من السعودية وقطر في اجتماع المنظمة عام 2023 بصفتهما شريكين في الحوار وليستا عضوين.
وعلى مستوى التعاون الاقتصادي، فإن الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون ترتبط بمجموعة من الاتفاقات الاقتصادية التي من شأنها أن تعزز التعاون الزراعي والصناعي والتجاري، وفي مجالات التكنولوجيا والأمن. لكن أهم ما يمكن مناقشته في اجتماعات المنظمة هو السعي لإنشاء منطقة تجارة حرة بين الدول الأعضاء، وهو ما يمكن أن يصنع طفرة كبيرة على مستوى تدفق السلع بينها، وتجاوز كثير من الإجراءات الروتينية، وتحقيق مكاسب كبيرة، ورفع مستوى المنافسة، وقد يتطور الأمر إلى التفكير في عملة موحدة للدول الأعضاء.
وربما علينا نحن العرب أن ننظر جيدًا إلى منظمة شنغهاي للتعاون التي تكونت في الأساس من أجل إحداث توازن أمام الكيانات والتكتلات الاقتصادية الأخرى على غرار الاتحاد الأوروبي، وهو ما ساعد الدول الأعضاء على تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي بينها، إضافة إلى تطوير كبير في البنية التحتية المشتركة، وتوحيد المواقف في كثير من القضايا، والأهم من ذلك هو الثقل الكبير الذي أضافه الاتحاد بين هذه الدول على مستوى العلاقات الدولية.
منظمة البريكس
البريكس هي مجموعة أو منظمة حديثة تأسست عام 2009 لتحقيق التعاون والتكامل بين مجموعة دول تمثل نحو 30% من مساحة اليابس في كوكب الأرض، ويعيش بها نحو 45% من سكان العالم. لذا فإن مجموعة البريكس تمثل ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، على الرغم من أنها تضم مجموعة من الدول من قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. وهي القوة التي يمكن أن تصنعها التحالفات حتى ولو كانت بين دول أقل شأنًا من الدول الصناعية السبع، أو من دول منظمة شنغهاي، أو الاتحاد الأوروبي.
تضم منظمة البريكس كلًا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا وإيران والإمارات المتحدة وإندونيسيا. وكانت المنظمة التي عقدت اجتماعها الأول في روسيا عام 2009 تُسمى مجموعة البريك، لكن اسمها تغير بعد ذلك عندما انضمت جنوب إفريقيا عام 2011، ثم انضمت كل من الإمارات وإثيوبيا ومصر وإيران منذ عام 2024. ومن الجدير بالذكر أنه وُجهت دعوة للمملكة العربية السعودية للانضمام إلى مجموعة البريكس، لكن لم تعلن رأيها النهائي حتى الآن بشأن قبولها الانضمام من عدمه.
أُنشئت مجموعة البريكس لتكون قوة اقتصادية تستطيع تحقيق كثير من المزايا للدول الأعضاء في عالم تحكمه الكيانات الكبرى التي تتحكم فيه على نحو كبير مجموعة الدول الصناعية السبع ومن بعدها الاتحاد الأوروبي، فمجموعة البريكس تضم عددًا من الدول ذات الاقتصادات النامية، وبذلك تُعد المنظمة فرصة لهذه الدول لتحسين أوضاعها، وتحويل الأفكار الاقتصادية إلى حقائق واقعية، وعلى رأسها (عملة البريكس) التي من المفترض أن تكون وسيلة للتعامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء في مجالات التجارة والمعاملات الجمركية وغيرها.

ولكي نفهم أهمية الانضمام إلى التكتلات والكيانات الاقتصادية الكبيرة، يجب أن ننظر إلى موقف تركيا التي قدمت طلبًا للانضمام إلى مجموعة البريكس في أواخر عام 2024، إضافة إلى ترشحها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقدمت طلبًا آخر للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون. لذا فإن لغة البحث عن المصلحة الاقتصادية في أي مكان لا تجعل عضوية الدول في أي من الكيانات الاقتصادية تتعارض مع عضويتها في كيان آخر.
وهكذا، فإن هذه التحالفات الاقتصادية الخمسة هي الأقوى على مستوى العالم في الوقت الحالي، ويمكن قياس قوتها بقوة أعضائها، وقدرتها على التفاهم والتعاون والتكامل، والحصول على نتائج كبيرة على هيئة سلع وخدمات وتسهيلات ومزايا، تصب في النهاية في صالح الشعوب، وتحسِّن حياتهم، وترفع مستوى معيشتهم، وتجعلهم أكثر إحساسًا بالأمان والاستقرار في مواجهة التغيرات والأزمات والأمور الطارئة.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن قائمة بأكبر خمسة تحالفات اقتصادية في العالم، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.