تاريخ إقليم حضرموت: بين التسمية الأصلية وشكل الشطرين الساحلي والداخلي

يُعد إقليم حضرموت واحدًا من أعرق الأقاليم الجغرافية والتاريخية في شبه الجزيرة العربية، حيث يمتد تاريخه إلى عصور ما قبل الميلاد مرتدًا إلى حضارات قديمة تركت بصمتها في كبرى كتب المؤرخين والرحالة.

تميز هذا الإقليم بموقعه الاستراتيجي المشرف على المحيط الهندي وتنوع تضاريسه بين السواحل الممتدة والوديان الخصبة الممتلئة بالثروات الطبيعية. في هذا المقال نستعرض أصل تسمية حضرموت، وحدودها المتغيرة عبر التاريخ بين الكبرى والصغرى، بالإضافة إلى طبيعة شطريها الساحلي والداخلي وأبرز قبائلها ومناخها.

إقليم حضرموت التاريخي

يمثل إقليم حضرموت التاريخي عمقًا استراتيجيًا وثقافيًا فريدًا في جنوب شبة الجزيرة العربية؛ حيث تعاقبت عليه الدول والممالك القديمة منذ فجر التاريخ، وظل محتفظًا بهويته الثقافية والاجتماعية المستقلة عبر العصور كواحد من أهم مراكز الإشعاع الحضاري والتجاري.

وعُرف إقليم حضرموت قديما بأنه أرض اللبان والبخور، وشهد قيام مملكة حضرموت القديمة التي بسطت نفوذها على طرق التجارة العالمية الصاعدة من المحيط الهندي باتجاه البحر المتوسط، وورد ذكره في النقوش والمسند وفي كتابات المؤرخين الكلاسيكيين الإغريق والرومان.

وسميت حضرموت بهذا الاسم على اسم ملك حكم هذا الإقليم، وقد وردت هذه التسمية في التوراة في سفر التكوين بلفظ «حضرميت».

واسمها الأصلي وادي الأحقاف، وذكر المسعودي في «مروج الذهب» هذه التسمية: «... واسم هذا الملك ونسبه حضرموت بن قحطان بن عابد بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، الذي سميت باسمه حضرموت، وأقام دولته على أنقاض دولة عاد، وأسست هذه الدولة قبل ثمانية عشر قرنًا من ميلاد المسيح...».

ومن سلالتهم ملوك العباهلة الذين كتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنهم وائل بن حجر الحضرمي الصحابي المشهور وغيره.

وبعد أن نزلت بهذه القبائل الكوارث التي قضت على جُلِّهم, فحلت محلهم في إقليم حضرموت أوزاع من القبائل التي تجاورهم، كقبيلة قضاعة ونهد وغيرها. وقد كانت مهرة - وهي من قبيلة قضاعة - قد سكنت بسائط حضرموت وسواحلها، ولم يتجاوز أفرادها القسم الساحلي منها.

يقع إقليم حضرموت في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة العربية المشرف على المحيط الهندي، ولقد اختلف المؤرخون اختلافًا كبيرًا في حدود حضرموت، ويرجع ذلك إلى الناحية السياسية في الأكثر، فسميت:

  • حضرموت الكبرى.
  • حضرموت الوسطى.
  • حضرموت الصغرى.

مساحة إقليم حضرموت

تتفاوت مساحة إقليم حضرموت بحسب التقسيمات التاريخية والسياسية؛ فبينما تُقدر مساحة حضرموت الوسطى (السلطنات السابقة) بنحو 120 ألف ميل مربع (ما يعادل 310 آلاف كيلومتر مربع تقريبًا)، فإن مساحة المحافظة الإدارية الحالية في اليمن تتجاوز 190 ألف كيلومتر مربع، مما يجعلها كبرى المساحات الجغرافية في المنطقة.

خريطة إقليم حضرموت

تُظهر خريطة إقليم حضرموت امتدادًا طبيعيًا واسعًا يربط بين سواحل بحر العرب جنوبًا وصحراء الربع الخالي شمالًا، وتتنوع تضاريس الخريطة بين شريط ساحلي ضيق، وسلسلة جبلية وهضبة بركانية شاهقة تقسمها شبكة معقدة من الأودية الضخمة والخصبة.

1. حدود حضرموت الكبرى

تقع حضرموت الكبرى ما بين خطي طول 45 و56 شرقي غرينتش، وفي العرض ما بين خطي عرض 13 و19 شمال خط الاستواء. فعلى هذا تكون حدود حضرموت من عدن غربًا إلى عُمان شرقًا، وما بين البحر العربي جنوبًا ورمال الأحقاف شمالًا. وتشمل المناطق الآتية:

أبين، والضالع، ويافع، والعوالق العليا والسفلى، والعواذل، وبيحان، ومنطقة القعيطي والكثيري، والمهرة، وظفار. ذكر هذه الحدود ابن خلدون في تاريخه، واعتمده الباجي في كتابه «منجم العمران المستدرك على معجم البلدان». وقد وقع خلاف في منطقتين من مناطق حضرموت: هل هما من حضرموت، أو أنهما خارجتان عن حدود الإقليم؟ المنطقة الأولى، وهي شبوة، وتقع شمال غرب حضرموت، والثانية منطقة ظفار، وتقع شرق حضرموت. وأما النصوص الواردة عند المؤرخين في منطقة شبوة، فهي كما يلي:

أقوال المؤرخين في شبوة:

  • النص الأول: الوارد في كون شبوة من حضرموت، في كتاب رسول الله ﷺ الذي رواه وائل بن حجر الحضرمي الصحابي المشهور، ما نصه: «لأقيال شبوة من أبناء معشر وأبناء ضمعج وذي ضمعج ومذكورين من قبيلة حضرموت»، كما ذكر ذلك في «العقد الفريد» لابن عبد ربه، وذكر غيره مثل ذلك.
  • النص الثاني: ما ذكره الشيخ عبد الله بن محمد باقشير في كتاب «السعادة والخير» فيما نقله عن أبي بكر المرجاني في كتاب «مفتاح السنة»، ما نصه: «ومن حضرموت أودية دوعن ووادي عمد، وشبوة وما حواليها، إلى آخر ما قال». فمن هذا النص يُفهم بأن شبوة وادٍ من أودية حضرموت؛ لأنها دخلت في ذكر أوديتها.
  • النص الثالث: وقد ثبت أن شبوة كانت من حضرموت، فقد انضوت تحت نفوذ السلطة الكثيرية، ولا سيما في عصر السلطان بدر بن عبد الله الكثيري المشهور بـ«أبي طويرق».
  • النص الرابع: ذكر أبو الحسن الهمداني في «وصف جزيرة العرب» ما نصه: «وفيما بين بيحان وحضرموت شبوة، مدينة لحمير»، فمن هذا النص ذهب بعض المؤرخين إلى إخراج شبوة من إقليم حضرموت؛ لكون النص يوهم بأن شبوة ليست من إقليم حضرموت، إلا أنه استطرد فقال: إن شبوة من نواحي حضرموت.
  • النص الخامس: وهو ما ذكره أبو جعفر محمد بن جرير، المتوفى سنة 315 هـ، الموافق 959 م، في كتابه «المحبر»، عند ذكر قصة المتنبيات بحضرموت، وكان نصه كالآتي: «فكم متفرقات في قرى حضرموت، بتريم ومشطة والتجير وتمنة وشبوة وذمار، إلى آخر ما ذكره». فمن هذا النص نجد أن شبوة منطقة من مناطق حضرموت.
  • النص السادس: وهذا النص من النصوص القائلة بأن شبوة ليست من حضرموت، فقد قال الهمداني: إن أولها للمخارج من بيحان دهر. وفي اختصار «شمس العلوم» لنشوان الحميري: «العبر اسم موضع باليمن بين حضرموت ومأرب». وأما الهمداني فقد جعل العبر من حضرموت كغيره، وقد ذكر حضرموت مرتين، وحدَّها من العبر. وأما شبوة، فتحديدهم حضرموت بمفازة صيهد يدخلها في حضرموت، فيعتمد بعض المؤرخين على هذه النصوص في إخراجهم شبوة من حضرموت ونسبتها إلى اليمن.

أقوال المؤرخين في ظفار:

المنطقة الثانية المختلف في نسبتها إلى إقليم حضرموت، وهي ظفار، وتقع شرق حضرموت:

  • النص الأول: ما ذكره ابن خلدون في تاريخه، واليازجي في «منجم العمران»، بتحديدهما لحضرموت شرقًا إلى عُمان، فأدخلا بذلك منطقة ظفار في حضرموت.
  • النص الثاني: ما ذكره الشيخ عبد الله بن محمد باقشير في كتاب «السعادة والخير»، فيما نقله عن أبي بكر الشراجي في كتاب «مفتاح الجنة»، ما نصه في كلامه عن حضرموت: «أعلم أن أولها ظفار». فهذا النص يقتضي أن ظفار من حضرموت.
  • النص الثالث: ما رواه الشيخ عبد الله باسودان عن شيخه العلامة علي بن شيخ بن شهاب العلوي أنه قال: «حضرموت في العرف العام من رباط الحبوظي إلى حان، ويدخل رباط الحبوظي دون حان، ورباط الحبوظي في ظفار». فمن هذا النص تدخل ظفار في حضرموت.
  • النص الرابع: ذكر صاحب كتاب «النور السافر» ما نصه: «ويحدها من جردان ونواحيها إلى تريم المحروسة إلى قبر هود عليه السلام وما وراء بلاد مهرة». فيفهم من هذا النص بأن حدود حضرموت إلى بلاد مهرة فقط، وبذلك تخرج ظفار من حضرموت.
  • النص الخامس: وحدد حضرموت الإمام علي بن حسن العطاس، صاحب المشهد، في كلامه بأن أهل حضرموت يقيمون من الساحل جنوبًا إلى مأرب شمالًا، ومن عين بامعبد غربًا إلى سيحوت شرقًا. فهذا النص يخرج ظفار من إقليم حضرموت، ويقصرها على هذه الحدود.

2. حدود حضرموت الوسطى

ذكر بعض المؤرخين تحديد حضرموت بما يقل عن تحديد حضرموت الوارد في كتب التاريخ القديم، فقصرها على الحدود الآتية: ما بين رمال الأحقاف شمالًا والبحر العربي جنوبًا، وما بين عين بامعبد غربًا ورأس صوقرة شرقًا.

فيكون عرض هذا الإقليم من الجنوب إلى الشمال ما يقرب من ستمائة وستين كيلومترًا، وطول ساحل حضرموت قرابة أربعمائة وخمسين كيلومترًا، وهذا الساحل في معظمه صخري، وليس على خط مستقيم. أما مساحة حضرموت الوسطى بالميل المربع، فتقدر بمائة وعشرين ألف ميل مربع تقريبًا، أي ما يقرب من ثلاثمائة وعشرة آلاف كيلومتر مربع تقريبًا. وتشمل ما كان يسمى بسلطنات القعيطي والكثيري والواحدي والمهري.

3. حدود حضرموت الصغرى

أطلق بعض المؤرخين تسمية حضرموت على وادي حضرموت الرئيس، وهو داخل حضرموت، محدد من العقاد غربًا إلى شعب نبي الله هود شرقًا. ذكر ذلك صاحب كتاب «الشامل في موضوع جغرافية حضرموت»، العلامة السيد علوي بن طاهر الحداد.

إقليم حضرموت في اليمن

يشكل إقليم حضرموت في اليمن المعاصر أكبر الأقاليم والمحافظات الجغرافية من حيث المساحة، ويمثل رافدًا اقتصاديًا وثقافيًا رئيسيًا للجمهورية اليمنية، ويتمتع بخصوصية إدارية واجتماعية نابعة من تاريخه العريق الممتد وثرواته النفطية والزراعية وموانئه الحيوية.

تُعد مدينة المكلا الساحلية هي عاصمة إقليم حضرموت الإدارية والاقتصادية الحالية، وهي الحاضرة الكبرى والميناء الرئيسي للإقليم المشرف على بحر العرب، في حين تُعتبر مدينة سيئون العاصمة التاريخية والثقافية لشطر حضرموت الداخلي (الوادي).

محافظات إقليم حضرموت

يتكون إقليم حضرموت الإداري -وفقًا لمشاريع التقسيم الفيدرالي المعاصرة- من 4 محافظات رئيسية تجمعها روابط تاريخية وجغرافية مشتركة، وهي: محافظة حضرموت (بشقيها الوادي والساحل)، ومحافظة شبوة، ومحافظة المهرة، ومحافظة أرخبيل سقطرى.

أما إقليم حضرموت السعودي فيرتبط بعلاقات جوار تاريخية واجتماعية وثيقة مع المملكة العربية السعودية عبر الحدود الشمالية المشتركة في منطقة العبر وشرورة؛ حيث أسهمت هذه الحدود المفتوحة تاريخيًا في تنشيط حركة التجارة والتبادل الثقافي، والامتداد القبلي المشترك بين أبناء الإقليم والمملكة.

شكل إقليم حضرموت جغرافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا

لإقليم حضرموت أهمية كبرى، سواء لموقعه الجغرافي بالنسبة إلى جزيرة العرب أو بالنسبة إلى تحكمه في الممرات الدولية، وكانت تعرف ببلاد المر واللبان والأحقاف وحضرموت في عرف الناس. وفي ذهن الجميع تقع ما بين عين بامعبد غربًا وظفار شرقًا، ومن البحر العربي جنوبًا إلى الربع الخالي شمالًا، فتشمل المناطق التالية: الواحدي وبيحان ومنطقة القعيطي والكثيري والمهرة.

ولو ألقينا نظرة على خريطة هذا الإقليم، لوجدناه يتشكل معظمه من سلاسل جبال شاهقة وقفار خالية، تتخللها وديان وواحات خصبة. وأعلى نقطة من جبال حضرموت الجنوبية تعلو عن سطح البحر بستة آلاف قدم، أي ما يساوي ألفًا وثمانمائة متر تقريبًا. وأما أعلى نقطة في جبال الشمال، فتبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة قدم، أي ما يعادل ألفًا وخمسين مترًا تقريبًا.

ومن هذا يتضح لنا أن الجبال الجنوبية تعلو على الجبال الشمالية، وهذه السلاسل من الجبال تقسم حضرموت إلى شطرين:

1. الشطر الساحلي

وهو يمتد من عين بامعبد غربًا إلى رأس صوقرة شرقًا، ويشكل أهمية بالنسبة لحضرموت؛ لكونه توجد فيه ثغورها، وعليه يعيش معظم سكان حضرموت، وتكثر فيه الينابيع والعيون، ومن أهمها:

  • عيون حجر أو نهر حجر، ويعرف باسم نهر ميفع الذي يصب بالقرب من رأس الكلب، ويمر بمنطقة ميفع الخصبة، وطول هذا النهر مائتا كيلومتر تقريبًا، وعرضه من خمسة إلى عشرة أمتار تقريبًا، وعمقه يتراوح ما بين خمسة سنتيمترات وخمسة وعشرين سنتيمترًا تقريبًا.
  • عيون غيل باوزير، وهذه العيون مهمة في المنطقة، ويزيد عدد هذه العيون على خمس وعشرين عينًا، وتقوم عليها زراعة التبغ والنخيل وأنواع من الحبوب والفاكهة، وتستخدم مياهها للشرب.
  • عيون منطقة تبالة، وهذه عيون تلي في الأهمية ينابيع غيل باوزير. وتبالة قرية تقع شرق مدينة الشحر، وتبعد عنها بحوالي اثني عشر كيلومترًا تقريبًا، ومنها مُدَّت أنابيب إلى مدينة الشحر لمد هذه المدينة بماء الشرب العذب، وتقوم على هذه العيون زراعة جوز الهند والنخيل والتبغ.
  • عيون الحامي، وتقع عند بلدة الحامي، وهي شرق مدينة الشحر، وهذه العيون تقوم عليها زراعة جوز الهند والنخيل والحبوب وبعض الخضراوات والفواكه.
  • وتقع في غرب الشطر الساحلي عيون متناثرة، وهي في أودية حبان وجردان ورضوم والجوري وعين بامعبد وحوطة الفقيه علي.

ومن أهم المدن والقرى التي تقع في هذا الشطر، مرتبة من الغرب إلى الشرق: عين بامعبد، وبلحاف، وبئر علي، وميفعة، وحدية، وبروم، والمكلا، وشحير، وغيل باوزير، والشحر، والحامي، وقصيعر، وبها ميناء صغير، ومصيغة، وسيحوت، وبها ميناء صغير، وعتاب، وقشن، وبها ميناء صغير، والغيضة، وبها ميناء صغير.

ومن أهم قبائل الشطر الساحلي، مرتبة من الغرب إلى الشرق: قبائل آل السود، وآل باعوضة، وآل العظم، وآل باخرخور، وآل سليمان، وآل حبتور، وآل عمرو بن علي، وآل بادِيان، وهؤلاء في منطقة كانت تسمى بالواحدي. وأما في منطقة حجر، فتسكنها قبائل نُوح، وحجر بن دغار، وبلحيث، وباقطمي، والسموحي.

وأما القبائل التي تعيش حول مدينة المكلا، فهي: العوابثة، والعكابرة، والمحمديين، وآل الحيق، والشعاملة، والعصارنة، والحامديين، وآل بهيش.

وأما القبائل التي تعيش حول مدينة الشحر، فهي قبائل ثعين، والحموم، وبيت حمودة، والقرزي، والشعاملة، والمسيلبين، والعصارنة، وآل باحباب، والعمارة، والجهويين.

وأما القبائل التي تعيش في جهة مهرة فتنقسم إلى قسمين رئيسيين، وهما:

  1. الشرواح.
  2. صالح.

ويشتغل سكان الشطر الساحلي بالزراعة، وصيد الأسماك، واستخراج الزيوت من الأسماك، والسميقة، ورعي المواشي، وتوجد بعض الصناعات مثل الشج في منطقة الواحدي، وتعليب الأسماك وسحقها بمنطقة المكلا، وصناعة الطباشير بمنطقة غيل باوزير.

وفي المكلا مصنع كبير للتجارة يسد معظم حاجة حضرموت، وتوجد مصانع صغيرة للمصنوعات الجلدية والخزفية، وأفران لتجفيف الفواكه، وأحواض الحبس. ومن محاصيل هذه المنطقة التمر، والحبوب، والخضار، والفواكه، والشباك، وجوز الهند، والعسل في وادي جردان.

ويعتمد سكان هذه المنطقة في حياتهم على مياه الأمطار، والعيون، والآبار الجوفية، وكثير من سكان هذه المنطقة يرتادون الهجرة والعمل في البحر.

وهذه المنطقة توجد بها طرق تربط جميع أجزائها، منها طرق مسفلتة وزراعية ممهدة، وتكاد تكون هذه المنطقة مكهربة جميعها، وأكبر تجمع سكاني هو مدينة المكلا، ويقدر البعض أن سكان هذه المدينة يربون على سبعين ألفًا، وتنتشر في ساحل حضرموت الثقافة والتعليم، وفي هذه المنطقة عدد من المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، وكلية متوسطة للتربية، وكثير من سكان هذه المنطقة يميلون إلى الطابع البدوي، وعلى الأخص القبائل.

2. الشطر الداخلي

وأما الشطر الداخلي الذي يقع في جنوب الربع الخالي، ويمتد من ريدة الصيعر وشبوة غربًا إلى ظفار شرقًا، فقد اتصف هذا الشطر بحضارته ونشاط سكانه، وإليه وفدت عديد من الأودية، وقد شيدت عليه عديد من الحضارات، ومنه انطلقت الهجرات المؤثرة إلى الهند وجنوب شرق آسيا وسواحل شرق إفريقيا والسودان والمملكة العربية السعودية والكويت وإمارات الخليج العربي.

ويعتمد سكان هذه المنطقة على مياه الأمطار الموسمية التي على إثرها تسيل وديان حضرموت، ويرتفع منسوب المياه في الآبار الجوفية والعيون المتناثرة، وعلى هذه الآبار والعيون والأمطار يعتمد السكان في الزراعة ومياه الشرب. وفي هذه الأودية تكثر أشجار النخيل وأشجار السدر، أي العلوب، وشجر الأثل والمربط والمشط والشفر والقرص، وتنتشر في هذا الشطر زراعة الحبوب والخضار والفواكه والنخيل في وادي دوعن وعمد، وتنحدر وديانه في مجملها من الغرب إلى الشرق، وينقسم سكانه بين البادية والحضر.

ومن أشهر القبائل التي تعيش في هذا الشطر من حضرموت، مرتبة من الغرب إلى الشرق: قبائل الصيعر وبلعبيد وقبائل نهد ومرة ورضية ووادي دهر ومهيد والكرب وآل مخاشن وقبائل العمودي وسيبان ونوح والخناشة والحساكة وآل محفوظ وآل السود والدين والمشاجرة والأراثة والقثم والحامدي وبافخ وسني أرضه والجعدة وآل ماضي وآل باتيس وآل باصليب وباصبيب والمعوربة وآل كثير والشنافر وآل جابر وآل باجري والعوامر وآل حريزة وبافقع وقبائل آل تميم والمناهيل.

وفي هذا الشطر تكثر المدن والقرى، وأهمها مرتبة من الغرب إلى الشرق هي: شبوة وعرمة وحورة وفيلون والخيرية والمشهد وعمد وحريضة والهجرين والقطن والعقاد وقارة آل عبد العزيز ومدينة شبام وحوطة أحمد بن زين والغرفة وسيئون وتاربة وساه والغرف وتريم عينات وقسم والسوم. وفي أسفل وادي حضرموت ثلاثة ينابيع:

  1. ينبوع الخون «مقطع الخون».
  2. ينبوع وادي فغمة «مقطع فغمة».
  3. ينبوع نهر شعب نبي الله هود. وهذه الينابيع جميعها لا تستغل.

وتوجد في غرب حضرموت، أي في واديي دوعن وعمد، عديد من العيون الصغيرة، وقد مُدَّت منها إلى بلدان وقرى هذين الواديين أنابيب لمياه الشرب؛ لأن مياه الآبار عميقة، وتبلغ أكثر من سبعين قدمًا تحت سطح الأرض غالبًا، وتربط جميع مدن وقرى هذا الشطر طرق ممهدة في الغالب، وقليل منها ترابي، وبفضل أبنائها عمت جميع بيوتها المياه الصحية العذبة والتيار الكهربائي.

وفي هذه الجهة انتشرت الثقافة الدينية والأدبية، ولقد أسست فيها عديد من أربطة العلم والمدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية، وقد عرفت الصحافة ومختلف أنواع الثقافة قبل أن تدخل أي منطقة من منطقة الجزيرة العربية، ما عدا الحرمين الشريفين.

ومن أهم الوديان:

وادي حضرموت الرئيس، ووادي دوعن وعمد وسر وعدم، ووادي بن علي، ووادي العين، ووادي جعيمة، ووادي المسيلة، وبها غيلان مهمان، وهما غيل بن يُمين وغيل عمر.

ويعمل سكان هذا الشطر من حضرموت بالزراعة ورعي الماشية والصناعات اليدوية البدائية، كالنجارة والحدادة والصناعات الجلدية وصياغة الحلي ومواقد النورة «الجبس» وصناعة الخزف، ويكاد أن يكون شخص أو شخصان مهاجرين من كل بيت، ويقدر البعض أن نصف سكان هذه الجهة في المهجر، وتشكل الهجرة أكبر مورد اقتصادي لحضرموت.

وقبائل حضرموت بشقيها الساحلي والداخلي تنحدر من سلالات قحطانية، وتوجد بحضرموت أسر من غير القحطانيين، كالسادة العلويين الهاشميين العدنانيين المنتشرين في جميع أنحاء حضرموت، وغيرهم من المشايخ مثل آل بارجاء وآل بعباد وآل العمودي وآل باوزير من القحطانيين.

ومعظم هؤلاء يشتغلون بالعلم والثقافة والدعوة إلى الإسلام، وفي حضرموت أسر لم تعرف أصولها، ومعظمها يشتغل بالزراعة والبناء والصناعة ويعرفون بالعمال، وفي بعض الجهات بالصبيان. وفي حضرموت مجموعة قليلة من أصل إفريقي، ويسمون «العبيد»، الذين جلبوا من إفريقيا إلى حضرموت لحساب الحكام والأثرياء في العصور الماضية.

وفي الساحل قلة من أصل هندي جلبوا من الهند مع السلطان القعيطي. ويستعمل المزارعون المضخات لرفع المياه من الآبار للزراعة، وحاصلات هذا الشطر من حضرموت العسل، وهو أجود أنواع العسل في العالم، والتمر والقمح والذرة والسمسم والتبغ والخضار والفواكه، ويستخرج من منطقة شبوة وما حواليها الملح، وهو من أجود أنواع الملح الصخري. ومن أخصب مناطقها وادي حضرموت الرئيس والقطن ووادي شحوح وساه وجعيمة. ويربط الشطر الساحلي بالشطر الداخلي أربعة مسالك:

  1. الطريق الأول، ويعرف بالطريق الغربية، ويمر عبر عقبة الجحي.
  2. والطريق الثاني طريق المَعْدي، ويسمى الطريق الشرقي.
  3. والطريق الثالث عقبة باغريب.
  4. والطريق الرابع من جهة الغيضة عبر وادي المسيلة.

ويعد ميناء المكلا الميناء الرئيسي لحضرموت كلها، ويحيط بها مطارات: مطار الريان بالساحل، ويقع بين الغيل والمكلا، ومطار بالداخل، ويقع بسيئون، ويربط حضرموت عدة طرق معبدة مرصوفة، منها طريق يمر من جهة الراجحي، وطريق آخر بري يمر عن طريق العواذل إلى عتق وعرقة وجردة، ويربط حضرموت طريق رملي بالمملكة العربية السعودية من جهة العبر إلى شرورة، ويربطها بعُمان طريق رملي ويمني من جهة المهرة.

3 - أبين والعواذل

ومن أهم مناطق حضرموت الكبرى:

منطقة أبين

هذه المنطقة الخصبة التي يطلق عليها الزراعيون دلتا أبين، وبها وادي بنا الذي أُنشئت عليه السدود، وتنقسم أبين إلى مقاطعتين كبيرتين، فتقع المنطقة الحجرية على الساحل، والمنطقة الساحلية، وتشتهر هذه المنطقة بزراعة الحبوب والخضر والذرة والقطن، ومن أهم مدنها شقرة، وزنجبار، والكود، وجعار، وتشتهر بجبالها السوداء التي يوجد على سفوحها بعض الآثار الحجرية، وينقسم سكانها إلى مسلحين وغير مسلحين، ويذكر البعض أن المسلحين يزيدون على ثلاثين ألفًا، ويغلب عليهم القرب من الحضر.

بلاد العواذل

تقع شمال غربي أبين، وهي امتداد طبيعي لها، وهي منطقة جبلية تقع على حدود الجمهورية العربية اليمنية، والعواذل منطقة من أخصب الأراضي وأجملها، وهي مصيف يتمتع ببرودة جوه وطيب مناخه، وتقع فيها ناحية مكيراس، وتقع مدينة مكيراس على جبل الظاهرة الذي يرتفع عن سطح البحر بثمانية آلاف قدم، وتقع أسفلَه فريسي لودر.

ومن أهم قرى العواذل، بعد بلدتي مكيراس ولودر، قرية عريب، وذاتا، وقرية العادية، وبها آثار قديمة، وتكثر في منطقة العواذل زراعة الفواكه، والقمح، والبطاطس، والطماطم، والبصل، والسمسم، والبن، ويعتمدون في زراعتهم على مياه الآبار والعيون والسيول التي تصب في وادي المحجبة القادمة من بعض العيون، ويسكن سكان العواذل، بصفة عامة، في مناطق جبلية أدت بمميزاتها إلى حياة البداوة.

4. يافع والشعيب

وإلى منطقة حضرموت الكبرى في الأهمية منطقة يافع والشعيب، من ناحية سكانها ومواردها الزراعية.

منطقة يافع

تنقسم إلى قسمين: يافع العليا، ويافع السفلى، التي تشتهر بسلاسل جبالها الشاهقة المروية، التي تخترقها أودية عميقة، وتربة خصبة، في حين تتصف يافع العليا بأراضيها المنبسطة، وتكثر في هذه المنطقة الزراعة، فمن إنتاجها الزراعي الذي تنفرد به البن اليافعي، بالإضافة إلى الحبوب والخضار، ويغلب على سكانها طابع حياة البداوة.

ويشتغلون بالزراعة، وتربية المواشي، والدواجن، والنحل، ويعتمدون على مياه الأمطار في حياتهم، وفي هذه المنطقة تعيش قبائل الموسطة، والظبي، والمفلحي، والمكاترة، ومكتب يهر، ويقال: إن سعد، وآل كلد، والناخبي، واليزيدي، ومن أهم مدنها القارة والمحجبة، ويغلب على هذه المنطقة الجهل في الماضي.

منطقة الشعيب

ومن مناطق حضرموت الكبرى منطقة الشعيب، وهي امتداد طبيعي لمنطقة يافع من جهة الغرب، وتقع على هضبة خصبة تكثر فيها زراعة الخضار، والفاكهة، وأنواع كثيرة من الحبوب، وتنجح فيها زراعة شجرة «القات»، ويغلب على سكانها الطابع البدوي، شأنهم شأن يافع، وتشتهر هذه المنطقة بجبل جحاف الذي يبلغ ارتفاعه حوالي ثمانية آلاف قدم، وتشكل هذه المنطقة أهمية؛ لكون الطريق المؤدي من عدن إلى الجمهورية العربية اليمنية يمر عبرها.

5. منطقة العوالق

ومن أهم مناطق حضرموت الكبرى منطقة العوالق، التي تشتهر بكثافة سكانها وصلابتهم، وتتسم هذه المنطقة بوعورة أراضيها، وسلاسل جبالها الشاهقة، ووعورة مسالكها. ويتعارف أهلها على تقسيم هذه المنطقة إلى عوالق عليا، وعوالق سفلى:

العوالق السفلى

والعوالق السفلى تقع قرب الساحل، وبها ميناء أحور الصغير، وفي العوالق عديدٌ من الأودية، وأهمها أحور، ووادي الحطيب، والمنقعة، وضيعة، وهو أطول الأودية.

العوالق العليا

ومن أهم أوديتها وادي حورة، وعبدان، ووادي يشبم، وتشتهر ببعض السهول الفسيحة التي يزرعها السكان، وحاصلاتها من الحبوب، ويعتنون بتربية الماشية، ويعتمدون في حياتهم على مياه الأمطار كسائر مناطق حضرموت، ومن أهم مدن العوالق حورة، والمحفد، وخضاب، وعتق، والصعيد، ويشبم، وأهل العوالق يشتهرون بالعمل في الجيش، وكثير منهم مهاجرون.

المناخ

المناخ فيها صحي، وهو أكثر نقاءً وجفافًا في السهول والأودية، حار في الصيف، وأشد أيام السنة حرارة الأربعينية، وهي أربعون يومًا تبدأ من 4 مايو إلى نهاية أشهر الصيف، والشتاء فيها معتدل، والبرودة هي الغالبة، وقد يضطرب الجو في أثناء السنة، إذ يكون الجو حارًا أو باردًا، فينقلب في أثناء النهار أو الليل، وهذه حالات قليلة.

الأمطار

تكثر الأمطار في القطر الداخلي من حضرموت، وتقل في القطر الساحلي، وتكثر الأمطار، في الغالب، في حضرموت في فصلي الصيف والخريف، وتقل في فصلي الشتاء والربيع. وللحضارم تقويم فلكي تقوم عليه مواسم الزراعة وصيد الأسماك، ويسمى هذا التقويم «الشبامي»، ويتكون من ثمانية وعشرين نجمًا، وفي النجم ثلاثة عشر يومًا، يعرفون بها المناخ ومسار الرياح. ولعلماء حضرموت مؤلفات في ذلك، ومن أشهرها تقويم العلامة السيد عبد الرحمن المشهور العلوي.

في ختام هذا العرض التاريخي والجغرافي الشامل، يتضح لنا كيف شكل إقليم حضرموت عبر العصور نسيجًا فريدًا يجمع بين أصالة التاريخ الممتد وثراء الطبيعة التضاريسية. وسيظل إقليم حضرموت -من الوديان الداخلية التي صدرت العلم والهجرات المؤثرة إلى جميع أنحاء العالم، إلى السواحل الممتدة الحافلة بالثروات البحرية والأنشطة الاقتصادية- نموذجًا للتنوع والترابط الثقافي والقبلي في جنوب شبه الجزيرة العربية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.