أقرب البعيدين الجزء الثاني شوقي لكِ كالمواليد


إن البُعد يولد الاشتياق، كثيرًا ما سمعت هذه العبارة لكن لم أعش شعورها من قبل، لأني بطبيعتي كلما ابتعدت عن أحد كنتُ أنساه تدريجياً وأعتاد على بعده، لكن معكِ كان الأمر مختلفاً فأنتِ كمواليد الشخص كلما قلة زاد عمره وكذلك شوقي إليكِ... كنت أشتاق لك وأفتقد وجودك حتى لو كنت غائبة لوقت قصير، كنت أشتاق لكِ بدون سبب.

لم أكن أدرك هذا الشوق... أو وجودي حولك ووجودكِ حولي لم يجعلني أدرك شعور الابتعاد عنكِ ومدى شوقي إليكِ عندما تبتعدين حتى غبت لمدة.

كنتُ قد خططت مع أصدقائي للقيام برحلة لبضعة أيام لا تتجاوز الأسبوع لتغيير الأجواء والخروج من حالة الملل والروتين الَّتي كنت أسيرها بسبب العمل، فسافرنا وكنت قد أخبرتك أني سأغيب وأخبرتك بتفاصيل الرحلة وقد أعجبكِ المكان الَّذي كنت سأسافر إليه وشجعتني على الفكرة. 

كنتُ قد جهزت أمتعتي للسفر، واستيقظت مبكرًا كعادتي، كان موعد الرحلة بوقت متأخر فكان شيء بداخلي يدفعني أن أذهب للعمل في ذلك اليوم لم أكن أعرف ما يدفعني وما هي الضرورة الَّتي تدفع شخصاً مقبلاً على السفر أن يذهب بنفس اليوم إلى عمله ربما كنت أعلم لكني أكابر لأخفي الأمر بداخلي.

كان خوفي ألا أراكِ طول مدة سفري، لا أتكلم معكِ، لا أسمع صوتكِ وأفتقد مشاداتنا الظريفة، فذهبتُ للعمل فتفاجأتِ بوجودي وقلتِ ضاحكة أيها البخيل هل ألغيت رحلتك لأنك ترغب ألا ينقص مرتبك؟...

كان شيئاً بداخلي يدفعني أن أقول أني أتيت شوقاً لرؤيتك آخر مرة، وأن تكوني آخر شخص أراه قبل سفري، لكني كبتّ ذلك الصوت بداخلي وقلتُ لكِ مازحاً لا أخاف أن تفسدي العمل فأتيت لأطمئن فعبستِ، ثم ضحكنا، فقضيت اليوم كله بجانبك بحجة الاطمئنان على العمل، ولكني لم أكن أريد أن أبتعد عنكِ لدرجة فكرت أن أتصل بأصدقائي فأخبرهم أنه طرأ لي أمرًا ضرورياً بالعمل ولا أستطيع القدوم، ولكن كلامنا عن المكان الَّذي سأذهب له بحماس وأنكِ تريدين أن تذهبي إليه مستقبلاً دفعني أن أذهب فأخبرك بتفاصيل رحلتي وأرى هذه اللمعة المتشوقة لهذه التفاصيل بعينيكِ دفعني أن أذهب.

كنتُ قد أصريت أن أوصلك للبيت كعادتي رغم رفضك وطلبكِ أن أذهب وأستريح قبل موعد السفر لكني أصريت على إيصالك فاستسلمت لعنادي الَّذي أراه لأول مرة يأتي بشيء مفيد فلكم أكره عنادي الَّذي يجعلني أخسر في كثير من الأمور، ولكنه لأول مرة يأتي بشيء جيّد.

قضينا الطريق نتكلم بأمور مختلفة، وكنت أفتح المواضيع للكلام حتى أبقيكِ تتكلمين ولكن ضاعت مني المواضيع وبقينا صامتين فكنت أنظر لكِ طول الطريق حتى أشبع عيني منكِ فأنظر إليكِ لحظة وأنظر باتجاه آخر لحظة أخرى حتى لا تشعري بنظراتي، كنت أحسّ أن الطريق قصير جدًا كنت أريده أن يستمر أكثر وألا ينتهي، ولكن دائماً ما تنتهي الأشياء الجميلة بسرعة فأوصلتك قبل نزولك ودَّعتني وتمنيّتِ لي رحلة سعيدة وأن أستمتع بوقتي...

كنتُ سعيدًا جدًا بكلماتك قد تبدو كلمات عادية ومجرد مجاملة بالسياق العام، لكنها كانت لدي مميَّزة لأنها أتت منك فكنت أواسي نفسي بها وأن قدومي للعمل هذا اليوم لم يكن مضيعة للوقت بالعكس جعلني أكون معكِ لوقت طويل أظن أنها أكثر مدة قضيناها معًا حتى لو كانت ضمن العمل لكنها كانت معك.

حزمت حقائبي وتوجهت للمطار مع أصدقائي وكنا نتكلم حول خططنا للسفر وماذا سنفعل، كنت مهكنًا جدًا من يوم العمل الطويل، ولأني لم أنم بشكل جيّد الليلة السابقة بسبب كثرة تفكيري بكِ وأنكِ ستكونين بعيدة عني لعدة أيام فيزداد بعدي عنكِ بعداً فأخذت أفكر كيف سأكلمك وأبحث عن مبررات لأتكلم قبل البحث عن الاستمتاع برحلتي، ولم أشعر حتى طلع الصباح فكان حماسي أن آتي للعمل وأراكِ متغلباً على تعبي فلم أشعر به حتى أصبحت أمام واقع أني أقرب البعيدين عنكِ.

فحان موعد الرحلة وركبنا على متن الطائر، كنتُ متعباً جداً، النوم والتعب يسيطران عليَّ، ولكن سيطرتكِ كانت أقوى لا أستطيع النوم من كثرة انشغالي بكِ وتفكيري بما حدث اليوم، وكم كان الوقت معكِ جميل، كانت أول مرة نقضي وقتاً طويلاً دون أن نتشاجر أظن أنكِ لاحظتِ ذلك، وكنتِ تعرفين سبب قدومي أو أن هذه مجرد أوهامي...

فاستغرقت بالتفكير والتخيّل حتى أخذني النوم من دون أن أشعر إلا حين أيقظني صديقي عند وصولنا لنهاية رحلتنا 6 ساعات من دون أن أشعر بشيء أو أستيقظ، لأول مرة أنام بهذا الشكل وأنا على متن مركبة أو طائرة، فأنا لا أنام وأكون مستيقظاً حين أكون برحلة معينة، ولكن مذ عرفتك والكثير من الأشياء الَّتي تحدث معي لأول مرة حين أركز فيها أجدها كلها تشدني لكِ أكثر وأكثر.

بدأنا رحلتنا على حسب ما خططنا، وكان الجو رائعاً جداً والأماكن الَّتي قمنا بزيارتها جميلة بشكل لا يوصف كانت مناطق ريفية، فأنا أعشق الريف والمناظر الطبيعية، ولا أحب المدن المركزية وبناياتها المعتمة، استمتعت بالرحلة كثيراً لأنها أتت على مرامي، وكنت أوثق كل شيء حتى أُحدثكِ عنه...

كنتِ في بالي طول الرحلة أفكر فيكِ دائمًا، حاولت أن أكلمك أكثر من مرة، وكنت أتراجع بكل مرة لست شخصاً مترددًا بل أنا دائمًا ما أقوم بالأمر الَّذي أعزم عليه، لكن معكِ كان الأمر مختلفاً لا أريد أن أخسرك وأبتعد أكثر... وكان شوقي إليكِ يزيد كل ما مرَّ الوقت، وكان شوقي ولد بكِ فأنتِ بداية شوقي ومواليده.

آخر يوم بالرحلة كان هناك شعور متناقض بداخلي، حزن أنه آخر يوم نقضيه بهذا المكان الرائع وشعورٌ بالحماس والفرح أني سأعود لأراك من جديد، لم أعتد على الابتعاد عنكِ أبدا، كلما حاولت أن أبتعد بتفكيري عنكِ زاد تفكيري بكِ فاستسلمت لكِ.

فعدتُ في مساء يوم الجمعة فور وصولي لأرض الوطن، كنت أشمّ عطرك بالهواء، كنت متلهفاً لرؤيتك ولكن تذكرت أنه اليوم عطلة ولا يوجد عمل، كنت أتمنى أن ينتهي اليوم سريعاً حتى أراكِ.

عندما وصلت سيطرت عليه فكرة أن أكلمك وأتصل بك، كنت أضعف جدا أمام هذه الفكرة، لم أستطع التحمل أكثر فحاولت أن أبتعد عنها بجلوسي مع أصدقائي والتكلم عن الرحلة، وكم كانت ممتعة وما أتعبنا فيها لأشغل نفسي عنكِ، كنتِ مسيطرة على تفكيري لدرجة فاجأتني لم أكن أشعر بهذا الشوق لك من قبل، أنا معجب بكِ جدًا ومنجذب لكل شيء فيكِ، يرعبني هذا الأمر كثيرًا كم أصبحت مستسلماً لكِ، وأنا بهذا البعد عنكِ فماذا لو أصبحت قريباً إليكِ...

شوقي لكِ يزداد كلما ابتعدت حتى لو كان ابتعادي قليل جدا لكني أصبحت أشتاق لكِ جدا، لم أنم كثيرًا الليلة السابقة بسبب تحمسي لرؤيتك والتفكير كيف سيكون لقاؤنا وماذا سأقول وأفعل عندما أكون أمامك الكثير من الأفكار والحوارات الخيالية قد دخلت عقلي، وكنتُ أستعد لكل الاحتمالات كيف أكلمك، ماذا سأقول، كيف سأجيب، حتى أخذني الوقت كانت ليلة طويلة جدًا لكنها جميلة لأنك حاضرة فيها حتى لو كانت مخيلتي فقط...

في صباح اليوم التالي استيقظت مع أول رنة منبه، وكأني كنت أنتظر هذا الصباح منذ دهور طويلة، نهضت فورًا وتأنقت وخرجت لأذهب للعمل، بل كنت ذاهباً لكي أراكِ، عند وصولي توجهت إلى مكتبك بحجة أن أرى أحوال العمل وماذا حدث في فترة غيابي، لكني كنت أريدك أن تكوني أول من أراه بهذا الصباح، وصلت فكان مكتبك مغلقاً، نظرت للساعة فكنت قد وصلت قبل موعد العمل بأكثر من نصف ساعة... ضحكت ساخرًا من نفسي كم كنتُ مستعجلاً لأراك لهذه الدرجة حتى وصلت بهذا الوقت. 

جلستُ أنتظرك أسمع الأغاني وأحاول أن أجعل الوقت يمضي، كانت دقائق ثقيلة جدًا، لدرجة شعرت أنها أطول من الليلة السابقة، أصبح وقتي مختلاً بسببك، فالوقت عندي أصبح يقسم إلى الوقت معكِ والوقت بدونك، ولكم هو قاسٍ هذا الأخير لا يمضي يكون ثقيلاً بل مملاً جدا. 

وصلتِ أخيرا بعد صراعي مع الوقت من لهفتي لكِ كنت أنا من ألقى التحية، وقلت تأخرتِ كثيراً، لم أفكر بما أقول وكان كلامي خارج كل الحوارات الخيالية الَّتي رسمتها... ابتسمتِ وابتسمت الدنيا معكِ كنت صامتاً جداً لدرجة السكون، وأنظر إليكِ وأنتِ تبتسمين، لم أسمع ما قلتِ كنت مركزاً جداً بتفاصيل وجهك، عيونك ابتسامتك لدرجة لم أسمعكِ.. 

فقلتِ: إلى أين أخذتك السفن وأخذت عقلك؟

فضحكت وقلتُ: هاااا ماذا قلتِ!

أعدتِ كلامك: أنا لم أتأخر أنت من أتى مبكرًا، يبدو أنك ما زلت متأثرًا بالرحلة.

فأجبتك: لا لكني كنت أفكر ماذا فعلتِ بغيابي.

فقلتِ ضاحكة: بأحسن حال، العمل كامل بدونك وبدون مشاجراتك.

كان بداخلي شيء من الغضب لجوابك الَّذي يبين أنكِ لم تفتقديني لم يؤثر غيابي بكِ، هكذا أنت دومًا بنظري قويةٌ جدا، ولكم أحب قوتك وأكرهها، تناقض آخر ولد معك متيمٌ بكِ لدرجة التناقض مع نفسي، فأردت أن أغضبك فقلت: امممم واضح العمل منهار إذا كنتِ من تسيِّريه.

عقدتي حاجبيك غاضبة وأنا متأمل فيك، هكذا أنت دائمًا تصدقين استفزازاتي وتتأثرين بها دوماً مهما كانت صبيانية أو واضحة لأي أحد لكنكِ تصدقين.

فأجبتِ: تمام تمام سنرى. 

فقلت بدون تفكير: اشتقت لك. 

خرجت بدون وعي مني، كنت غارقا في وجهك، بجمال وجهك، الَّذي يدفع قلبي للجنون كلما أراه يتسارع بالدقات، ولم أحب وجهك الَّذي يسبب ربكةً في قلبي. 

سكتِ... لم تجيبي بشيء كنت أحاول أن أجد مهرباً مما قلت أفكر، خفت أن تكون هذه الكلمة الَّتي ستنهي كل شيء لأني لم أمهد لشيء فدائمًا ما كنا متضادين وفجأة يأتي مني هكذا كلام. 

لكنك أجبتِ فجأة: وأنا أيضًا اشتقت لك.

ضحكت كانت ضحكتي تملأ وجهي، ضحكتي السخيفة الَّتي لا أحبها وأقتصد بها لأني أحسّ أنها غريبة، ولكن من غير شعور كنت فرحًا لم أسيطر عليها، هذه المرة كنت فرحًا جدًا بهذه الكلمات من قلتها، لكنها أفرحتني لم أعرف ماذا أجيب غريب أمري معك، أكون عكس كل شيء معك أفقد نفسي معك مسيطرةٌ أنت عليه جدا. 

فسكت كلانا أنت تهربين بنظراتك خجلانة وأنا وقحٌ كعادتي لا أبعد عيني عنك، فتفطنت لسكوتنا فقلت فلنأكل معًا ما دام أننا اتفقنا على شيء، ضحكنا ثم ذهبنا لتناول الفطور. 

انشغلنا بالعمل بعدها انتهى اليوم سريعًا جدًا عكس غيره، كنت أريد رؤيتكِ جدًا لكن لم يعطني العمل مجالاً لذلك، حتى انتهى فأوصلتك وأنا أنظر إليكِ طول الطريق، لم نستطع التكلم فوصلنا لبيتك ثم توجهتُ أنا للبيت لم أرد مقابلة أحد، كنت أريد أن يبقى وجهك آخر شيء وكلماتك آخر كلمات، برغم أني أوصلتك منذ لحظات، لكني اشتقت لكِ فشوقي لكِ كالمواليد كلما قل وقت ابتعادي عنك زاد شوقا إليكِ. 

بقلم الكاتب


علي ستار جبار كاتب ادبي و ابداعي حاصل على شهادة الهندسه


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

علي ستار جبار كاتب ادبي و ابداعي حاصل على شهادة الهندسه