في مايو 2021، كتب إيلون ماسك كلمتين على تويتر: «بيتكون + رمز الحفاظ على البيئة»، وفي أقل من 24 ساعة، خسرت سوق العملات الرقمية ما يزيد على 365 مليار دولار من قيمتها الإجمالية.
لم يكن ماسك يُعلن إفلاسًا ولا أزمة مالية، بل مجرد رمز تعبيري يُلمّح إلى قلقه البيئي من تعدين البيتكوين. تلك اللحظة كشفت عن ظاهرة اقتصادية لم تُدرَّس بالكامل بعد: قدرة شخص واحد على تحريك رؤوس أموال تفوق ميزانيات دول بأكملها بمجرد نشر منشور.
هذا ليس مجرد تأثير إعلامي أو «ترند» عابر، بل هو معادلة اقتصادية صارمة باتت تُدرَّس في كبريات جامعات الاقتصاد في العالم. ما يجري هنا يعيد رسم حدود القوة الاقتصادية، من المؤسسات والحكومات إلى أفراد يملكون هاتفًا ومليارات المتابعين.
تغريدة واحدة من حساب يتجاوز 5 ملايين متابع يمكن أن تحرّك أسعار الأصول بنحو 3.7% خلال ساعة وتُحدث تقلبات بمليارات الدولارات.
ما هو اقتصاد المؤثرين؟
يُعد «اقتصاد المؤثرين» صناعة عالمية منظّمة تعتمد على قدرة الأفراد ذوي القاعدة الجماهيرية الواسعة على تحريك رؤوس أموال ضخمة، حيث بلغت قيمتها السوقية 21.1 مليار دولار في عام 2023 مع توقعات بوصولها إلى 48 مليار دولار بحلول عام 2027.
وتتجاوز هذه القوة مجرد «الترند» العابر لتصبح معادلة اقتصادية تدرّس في كبريات الجامعات، إذ تعتمد الشركات الكبرى حاليًا على تخصيص ما بين 15% إلى 25% من ميزانياتها التسويقية لهؤلاء المؤثرين.
وتكمن فاعلية هذا الاقتصاد في ما يُعرف بـ«تأثير الصدى الرقمي» وسرعة انتقال المعلومة التي تُترجم إلى قرارات بيع أو شراء فورية، مدعومة بسيكولوجية الدماغ البشري التي تتعامل مع آراء الشخصيات الموثوقة كـ«إشارات اجتماعية قوية» ومعلومات يقينية وليست مجرد وجهات نظر.
ورغم النجاح التجاري، يواجه هذا الاقتصاد تحديات قانونية معقدة تتعلق بضبط التلاعب بالأسواق وتحديد حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي.

من المنبر إلى الخوارزمية: كيف تشكّل هذا التأثير؟
قبل عصر الإنترنت، كان تأثير الشخصيات الكبيرة على الاقتصاد يسير عبر قنوات بطيئة: مقابلة صحفية، خطاب رسمي، أو تصريح في مؤتمر تمتد تداعياته أيامًا. اليوم، تحوّل المشهد جذريًا؛ إذ تنتقل المعلومة من الشخص المؤثر إلى ملايين المتابعين في ثوانٍ معدودة، وتُترجَم إلى قرارات شراء أو بيع فورية قبل أن يتمكن أي محلل مالي من تقييم الموقف.
أزالت المنصات الرقمية -وخاصة تويتر/إكس، وإنستغرام، ويوتيوب- الوسيط التقليدي بين رأي المشهور والسوق، وقد وجدت دراسة نشرتها مجلة «Journal of Finance» عام 2023 أن التغريدات الصادرة عن حسابات تتجاوز 5 ملايين متابع في القطاع المالي تُحرّك أسعار الأسهم المذكورة بمعدل 3.7% خلال الساعة الأولى من النشر، ولا يعتمد هذا التأثير فقط على مصداقية الشخص، بل على سرعة انتشار المحتوى وكثافة التفاعل معه، وهو ما أفرز ما يُسمى في الأدبيات الاقتصادية بـ«تأثير الصدى الرقمي».
ماسك وكاردوسو وكاردي بي: 3 نماذج.. 3 أنماط من الضرر والفائدة
حين أشاد إيلون ماسك بعملة «Dogecoin» في يناير 2021، قفزت قيمتها بنسبة 800% في أسبوع واحد، وهو ما جعل المستثمرين الأفراد الصغار يدخلون السوق في الذروة قبل أن تنهار العملة وتخسرهم مدخراتهم. في سياق مختلف تمامًا، نشرت المغنية الأمريكية كاردي بي منشورًا تشكو فيه من ارتفاع أسعار البيض عام 2023، فاكتسب منشورها 40 مليون مشاهدة وفتح نقاشًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا حول التضخم الغذائي دفع بعض المشرّعين إلى مطالبة وزارة الزراعة الأمريكية بالتحقيق في الأمر.
أما اللاعب كايل كوزما، فأطلق عام 2022 تعليقًا عابرًا على خوذة «Riddell» التي يرتديها، فارتفعت مبيعاتها الرقمية 230% في اليوم التالي وفقًا لتقارير الشركة المصنّعة. هذه الحالات الثلاث توضح أن التأثير الاقتصادي للمؤثر لا يقتصر على القطاع المالي، بل يمتد إلى السلع الاستهلاكية، والرأي العام، والسياسة الاقتصادية.

التلاعب بالسوق أم حرية التعبير؟ السؤال القانوني الذي يُقلق البورصات
المشكلة الحقيقية التي تتصارع معها هيئات الأوراق المالية في العالم ليست مجرد تقلب الأسعار، بل السؤال الأعمق: متى يتحوّل المنشور إلى جريمة مالية؟
يجرم قانون مكافحة التلاعب بالأوراق المالية الأمريكي (SEC Act Section 9) نشر معلومات مضللة بقصد التأثير على أسعار الأسهم، لكن إثبات «القصد» في منشور على تويتر يظل عقبة قانونية معقدة. وقد رفعت هيئة الأوراق المالية الأمريكية «SEC» دعوى قضائية ضد ماسك عام 2018 بسبب تغريدة أعلن فيها نيته تخصيص شركة تسلا بسعر 420 دولارًا للسهم، وانتهى الأمر بتسوية دفع فيها 40 مليون دولار ولم تُدَن بالكامل.
في أوروبا، صدر قرار من هيئة الأوراق المالية الأوروبية «ESMA» عام 2022 يشترط على أصحاب النفوذ الرقمي الإفصاح عن أي مصالح مالية قبل الترويج لأي أصل مالي، لكن التطبيق لا يزال متفاوتًا وضعيفًا. المشكلة الجوهرية أن القانون التجاري يمشي دائمًا خطوات متأخرة خلف الواقع الرقمي.
اقتصاد المؤثر كصناعة قائمة: الأرقام التي تُذهل الباحثين
ما بدأ كظاهرة عفوية تحوّل إلى صناعة منظّمة بعقود ووكلاء ومعدلات عائد قابلة للقياس. بلغت قيمة سوق التسويق عبر المؤثرين عالميًا 21.1 مليار دولار عام 2023 وفق تقرير «Influencer Marketing Hub»، ويُتوقع أن يتجاوز 48 مليار دولار بحلول 2027.
تخصص الشركات الكبرى كنايكي وأبل وسامسونج ما بين 15% و25% من ميزانياتها التسويقية للمؤثرين الرقميين، وهو رقم كان يُعدّ مبالغًا فيه قبل 10 سنوات فقط.
ما يجعل هذه الصناعة مثيرة للاهتمام الاقتصادي الحقيقي هو ظهور ما يُعرف بـ«micro-economy of influence»، حيث يستطيع مؤثر بمئة ألف متابع في تخصص ضيق -كطعام الكيتو أو ساعات الأوميغا- أن يُحقق معدل تحويل تجاري يفوق نجمًا بملايين المتابعين لأن جمهوره أكثر التصاقًا وإيمانًا. هذا التمييز بين «الكم» و«الجودة» في التأثير هو ما يشغل اقتصاديي السلوك اليوم.
أخيرًا يقول أحد خبراء السلوك: حين يتحدث شخص يثق فيه ملايين الناس عن منتج أو سوق أو قرار مالي، فإنه يُطلق ما نسميه إشارة اجتماعية قوية، وهي إشارة يُعاملها الدماغ البشري على أنها معلومة موثوقة أكثر مما يُعاملها على أنها رأي، وهذا بالضبط ما يجعل التأثير الاقتصادي لهؤلاء غير متناسب مع حجم ما يقولونه فعلًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.