لماذا يعاني أصحاب الحرف؟ اقتصاديات الدخل المحدود

التغيرات الاقتصادية العالمية، وزيادة الأزمات الاقتصادية العالمية، وضعف النمو الاقتصادي، وزيادة معدلات الفقر.. وغيرها، كلها تؤثر في النمو الاقتصادي الذي يؤثر بالتبعية في أفراد المجتمع (المواطنين). 

نلاحظ أن معظم أصحاب الدخل المحدود يتمركزون في القرى الريفية (التي نشاطها الأساسي الزراعة)، وفي الأحياء الفقيرة (الشعبية) في المدن وحول المناطق الصناعية والمناجم، وفي القرى الساحلية (التي نشاطها الأساسي صيد الأسماك). هذه الطبقة من المجتمع (طبقة محدودي الدخل) تتأثر مباشرة وسريعًا بأي تغيرات اقتصادية، سواء كان هذا التأثر إيجابيًا (مثل وجود مشروعات قومية) أو سلبيًّا (مثل ارتفاع الضرائب أو انخفاض الاحتياطي بالبنك المركزي) أو مباشرًا (مثل الكوراث الطبيعية) أو غير مباشر (مثل وجود حروب وصراعات إقليمية).

وتؤثر تلك التأثيرات في التوجهات الاقتصادية لتلك الطبقة. فمثلًا إذا كان هناك تغير اقتصادي إيجابي نجد أن عادات تلك الطبقة تتغير، مثل زيادة معدلات الزواج والإنجاب، وزيادة استخدام المواد الاستهلاكية من مأكل وملبس وأجهزة وخلافه، والأهم هو توفر فرص عمل لأصحاب المهن والحرف.

أما إذا كان التأثير الاقتصادي سلبيًّا فنجد أن هؤلاء الأفراد يتخذون بعض القرارات التي من شأنها أن تساعدهم على تخطي تلك التغيرات والأزمات، مثل تغير عادات المأكل والملبس والمسكن، فنجدهم يستهلكون المأكولات رخيصة الثمن استهلاكًا، مثل المأكولات النباتية والزراعية (البقوليات كالعدس والفول، الخضراوات كالطماطم والبصل والخيار، وغيرها) في حين يقل استهلاكهم للفواكه، ويقل استهلاكهم للحوم الحمراء والمأكولات البحرية بشكل كبير لارتفاع ثمنها، ويكون استهلاكهم للدواجن والبيض بشكل متزن، مع ملاحظة انخفاض طفيف في الاستهلاك حسب الأسعار اليومية. وتتغير العادات المجتمعية مثل الزواج، فنجد ارتفاع سن الزواج بين الذكور والإناث لقلة القدرة الشرائية لاحتياجات الزواج من مسكن وتجهيزات وغيرها، والأهم قلة فرص العمل لأصحاب المهن والحرف.

أهمية الاقتصاد غير الرسمي ودور أصحاب الحرف

إن النشاط الاقتصادي لتلك الفئة من المجتمع يُعد من أكبر المؤثرات في اقتصاد أي دولة، فمثلًا نشاط الباعة المتجولين، يعد واحدًا من أهم الأنشطة الاقتصادية في أمكنة تمركز طبقة محدودي الدخل. أيضًا فتوفر الأسواق الشعبية يُعد من أهم الأنشطة الاقتصادية لطبقة محدودي الدخل. والحرف مثل النجارة والحدادة وغيرها من الحرف تُعد من أفضل مصادر الدخل أو طرق زيادة الدخل، وكنا قد أشرنا في مقال سابق بأن تلك الحرف تُعد دخلًا إضافيًا لطبقة أصحاب الدخل المتوسط، ومصدرًا للرزق لطبقة أصحاب الدخل المحدود، وبالرغم من أهمية تلك الحرف يندر أن يكون أصحاب تلك الحرف أصحاب مستوى دخل جيد.

الأسواق الشعبية

الجذور التاريخية: من الازدهار الزراعي إلى التفتت والتهميش

السؤال هنا: لماذا يُعد أصحاب المهن والحرف وغيرها من الأنشطة البسيطة من طبقة محدودي الدخل؟

منذ آلاف السنين كانت مساحات الأراضي الزراعية كبيرة جدًا، وكنا نجد أن كل عائلة تمتلك مساحة كبيرة جدًا من الأراضي الزراعية. وللاستفادة من تلك الأراضي تحتَّم على الملاك استخدام مزارعين ليساعدوهم في زراعة تلك الأراضي؛ فتوفرت فرص عمل في مجال الزراعة.

وبالتبعية تحتم على الملاك اقتطاع جزء صغير من أراضيهم لبناء منازل تأوي المزارعين؛ فتوفرت فرص عمل لمهن كثيرة مثل البناء والنجارة والحدادة وغيرها من المهن. واحتاج ملاك الأراضي الزراعية إلى توفير المياه للزراعة وشق طرق لنقل المحاصيل والمنتجات الزراعية عليها؛ فأصبح هناك بنية تحتية متوفرة لسد احتياجات المجتمع. وبمرور الوقت أصبح هناك حاجة لمستشفيات لعلاج الناس ومدارس لتعليم الناس.

ونلاحظ أنه كلما زاد عدد الناس في تلك المجتمعات؛ زاد الطلب على أصحاب المهن والحرف مثل المزارعين والبنائين والحدادين.. إلخ. ونلاحظ في تلك الحقب التاريخية أن تملك الأراضي كان لعائلات ولم يكن لأفراد، والغريب أن معدل النمو الاقتصادي كان مرتفعًا، والدليل أنه تم إنشاء مدن جديدة، وأصبح هناك حركة تجارية بين تلك المدن (اقرأ التاريخ التجاري لأي دولة).

التحولات المجتمعية وتحديات التكيف

وبالنظر العميق لنظم الدول في تلك الحقب نجدها تميل بشكل كبير للنظام الرأسمالي، ثم تحوَّلت الدول من النظام الرأسمالي إلى النظام الاشتراكي، فأصبحت ملكية الأراضي الزراعية في أيدي أفراد المجتمع، فتفتت الأراضي الزراعية، وتحوَّلت الرقع الزراعية الكبيرة إلى مساحات زراعية صغيرة، ومع زيادة عدد أفراد المجتمع أصبحت مساحات الأراضي المملوكة لأفراد المجتمع صغيرة، وأصبح بناء تلك الأراضي أفضل من زراعتها.

وفعلًا قلَّت المساحات المزروعة، وقلَّ الإنتاج؛ فتوجهت الدول لابتكار أساليب زراعية حديثة لزيادة الإنتاجية وليس لزيادة المساحة المزروعة؛ لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك. وبقلة الإنتاج زادت الأسعار وقلَّت فرص العمل، وبالتبعية قلَّ أصحاب المهن والحرف لتوجههم للعمل في مجالات أخرى تدر عليهم دخلًا يكفيهم ويسد احتياجاتهم. وهذا أحد الأسباب التي جعلت أصحاب المهن والحرف من طبقة محدودي الدخل.

وبالنظر لتغير نشاط الدول والمجتمعات على مر العصور والأزمنة، نجد أن المجتمعات التي كانت تعتمد على الزراعة والصيد تحوَّلت في معظمها لمجتمعات صناعية أو خدمية (سياحة)، وأصبح اهتمام أفراد المجتمع هو التوجه للعمل في الصناعة والسياحة لزيادة الدخل، حيث ارتفاع الأجور عن الزراعة والصيد.

ولم يسعَ أصحاب المهن والحرف لتطوير أنفسهم ومهنهم، بل سعى معظم أفراد تلك المهن لممارسة مهن أخرى، وتخلوا عن ممارسة حرفهم ومهنهم، وقلَّ عدد أفراد تلك الفئة، وتحوَّل مفهوم المجتمع عبر الأجيال إلى الناحية المادية البحتة. وهذا أحد أسباب وجود أصحاب المهن والحرف ضمن طبقة محدودي الدخل. 

الطريق نحو التمكين: دعوة للاهتمام والتطوير

إن الاهتمام بالمهن والحرف والصناعات اليدوية بوجه عام يُعد مكسبًا لكل المشاركين في تلك المنظومة الاقتصادية.

دور الدولة

فعلى الدولة الاهتمام بتلك الطبقة من المجتمع، وتوفير كل الاحتياجات الضرورية لهم مثل المستشفيات والعلاج والتأمين الطبي، والسكن المناسب، مع بنية تحتية جيدة من طرق ومياه وكهرباء وغيرها، وأمكنة لتجمع أصحاب المهن من ورش ودكاكين ومخازن وغيرها، وتوفير مدارس ومؤسسات تدريب على تلك المهن، وتسهيل تراخيص تلك المدارس والمؤسسات، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في تلك الصناعات من إقامة معارض للمنتجات والسلع اليدوية وغيرها.

دور أصحاب المهن

أما أصحاب تلك المهن فيجب عليهم العمل على تطوير تلك المهن من خلال التعلم والتفتح على التطور التكنولوجي لتلك المهن. فمثلًا قديمًا كان هناك آلة للحام الحديد يستخدمها الحدادون، أما الآن فأصبح هناك كثير من آلات ومعدات اللحام، وأحجام وأنواع كثيرة من آلات لحام بارد وساخن وغيرها، فيجب على صاحب المهنة تطوير معرفته بصناعته وحرفته وأدواتها المستخدمة وغيرها من الأمور.  

في النهاية يجب على كل أفراد المجتمع وأنظمة الدول الاهتمام بطبقة أصحاب المهن والحرف، والتعاون في توفير حياة مناسبة لهم، وهذا سينعكس على النمو الاقتصادي للدول.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.