موضوع كبير ومُتشعّب، لكن يمكن اختصاره إلى بعض النقاط الرئيسة.
يمكن القول إن كثيرًا مما تعانيه البشرية إلى الآن هو بسبب اقتراحات البشر على بعضهم، هذه الاقتراحات غالبًا ما تكون فوضوية ومنحرفة وبعيدة عن فطرة الإنسان السليم في طبيعتها، وهو بذلك يقصد تنويم البشر المغناطيسي لبعضهم.
اقرأ أيضًا الاستثمار البشري.. سلوك القطيع
كيف يكتسب الإنسان الشخصية؟
يُولَد الإنسان ككتاب فارغ بجوهر بريء وضعيف، لتبدأ الكتابة عليه من المحيط، وبتعبئته تدريجيًا حتى يُلبَس هذا الإنسان الفارغ من المحيط بما يُسمى بالشخصية، وفيما بعد يُلبَس فوق الشخصية الطبيعية رداء الشخصية المزيفة في حال دخوله هذه الدوامة شديدة الخطر.
تبدأ الاقتراحات بالكتابة على صفحات هذا الكتاب الفارغ بأشكال عدة، تبدأ بسيطة في بادئ الأمر، لتصبح تدريجيًا جدية وتميل إلى المرض والانحراف والتدمير الذاتي مع التقدم في العمر في غالب الحالات، وذلك إذا لم يوجد تحصين نفسي داخلي وجسدي خارجي.
يأخذ هذاالإنسان شخصيته المكتسبة هذه بفرح ويُقدّسها بشدة مدافعًا عنها بشراسة؛ لاعتقاده أنها ملكه الخاص وهوية انتمائه التي تميزه عن الآخر دون علمه بأنها مكتسبة من المحيط في غالبها، وليست ملكه بالكامل.
وأنها تُمثل خطورة عليه في حال أُحيطَت بعبء الشخصية المزيفة السّامة الإضافي الذي قد يودي به إلى الهاوية، وذلك لأن الإنسان بارتدائه الشخصية المزيفة فوق الطبيعية يُخضِع نفسه حينئذ لتأثير قانون الحادثة الثقيل القمري غير المقدر له، وليس لقانون المصير الأرضي المقدر له.
اقرأ أيضًا إنها الحياة غاية في النضج والإرشاد
كيف تدخل الاقتراحات إلى النفس البشرية؟
تدخل الاقتراحات بهيئة صور مرئية سمعية باهرة ظاهريًا، لكنها غبية وممتعة في اللحظة، لكنها مؤذية، وفوضوية باطنيًا، وتُقَلَّد عضليًا سواء إراديًا أم لا إراديًا، منومةٌ مغناطيسيًا، وأعمق عند كل تكرار غير واعٍ.
أما الاقتراحات الأخرى فتتسلل على هيئة أفكار فوضوية أغلبها غبي وفارغ ومحرج ومدمر باطنيًا، لكنه مزخرف ظاهريًا.
تُسمع أو تُقرأ هذه الأفكار أولًا، ثم تُنخَر، وتُزرَع بمساعدة التصوير الذهني، ثم تُعزَّز في ذهن الإنسان سواء إراديًا أم لا إراديًا عبر المحيط السام حوله، لا سيما في عصر تزاوج العولمة والتكنولوجيا الذي نعيشه الآن، مع العلم أن الفكرة كاقتراح أخطر من التقليد وأخبث بكثير.
اقرأ أيضًا قضايا تحتم علينا ان نناقشها
مثال مشهور على ذلك
إيماءات هتلر العضلية المسرحية مع صوته الواثق الثابت في قوته مع تلاعبه بنبرة ونغمة وحدّة ما يقوله، وذلك بما يتناسب وما يقول، وذلك لخلق جو قادر على تنويم مئات الملايين.
نُوِّم الشعب الألماني تنويمًا شبه كامل مغناطيسيًا بالتزامن مع الزرع في أذهان من هم تحت الأضواء في السلطة بجاذبية فكرة الفاشية لتُزرَع وتُعزَّز فيما بعد في عقول العامة بدعم إعلامي قوي ومُصور ومسموع ومقروء ومُبطّن بالتهديد والترهيب.
فلتسهيل التنويم كان مع كل عرض مسرحي إيمائي لهتلر وموهبته القوية في الخطاب تجميع عدد أكبر وأكبر كلما صعدت الفاشية سُلّمًا من سلالم السلطة إلى الأعلى إلى حين توليها السلطة بالكامل.
اقرأ أيضًا اختبار حوض الاستحمام إجابتك ستحدد من أنت!
ما الذي نوّم الشعب والجيش الألماني بالكامل؟
إيحاء شخصية كاريزماتية وصلت إلى السلطة بالتقليد العضلي المسرحي، وزرع فكرة الفاشية زرعًا تسلليًا تدريجيًا بدعم قوي إعلامي مزخرف يشمل كامل البلاد بجو يخلط بين الترهيب والترغيب.
كلما زادت أعداد الكتلة البشرية كمنظمة أو مؤسسة أو حركات مسلحة ازدادت نسبة غباء وضعف وحماقة هذه الكتلة ككل في سلوكها كواحد، وتنظيمها كواحد، وإنجازاتها كواحد، وفُقِدَت الهوية الشخصية للفرد.
وما يصلكَ عكس هذا الوصف من الإعلام هو مفبرك أو مبالغ به أو انحيازي، فعلى أرض الواقع قد حدثت حماقات وأخطاء كثيرة، راح ضحية غبائها كثير.
الانسلاخ عن القطيع وعدم الاندماج فيه بوعي هو ملجأ حصين، فالعزلة في أوقات محددة بغرض الابتعاد عن المشهد والرأي العام وتكوين علاقة موضوعية تحمي نفسك منه لمحاولة دراسته من بعيد هو الصواب.
قد أدرك غريزيًا أو عن دراية ذلك التأثير السّام للاقتراحات، آخذين حيطتهم منه أغلب العلماء والمفكرين والتنويريين والمتعمقين في الدين والمخترعين والفلاسفة.
فالإنجازات والاختراعات العظيمة قد انبثقت من الفرد ومناورته لإبقاء مسافة أمان بينه وبين القطيع.
لم تنجز أي منظمة أو مدرسة أو مؤسسة تضم جموعًا ككتلة واحدة شيئًا يُذكر.
اقرأ أيضًا لكم رأيكم ولي رأي
لا تندمج مع القطيع
فنحن دائمًا نعلم عبر التاريخ أن هؤلاء العباقرة وما قدموه من إنجازات واختراعات بُنِيَت على أُسُسها الحضارات العريقة قد دُمِّرت وجذبت لنفسها الدمار بالكامل تقريبًا، وذلك من قبل قطيع الشعب والجيش فيما بعد، وكان يحصل ذلك غالبًا في ذروة ازدهارها الحضاري، ويعود ذلك إلى عوامل كثيرة.
من أهمها حركة الكواكب المؤثرة تأثيرًا كبيرًا بذبذباتها في الجماعة في تغلُّب غريزة الحيوان العدوانية على المنطقية في نقطة زمنية ما، هذا ما يحصل عندما يتوحش الجيش أولًا، مدمرًا غيره وجالبًا لنفسه الدمار، ومورطًا شعبه.
فأنت لا تكون على طبيعتك عند الاندماج مع حركات كتلية من البشر؛ لأنك شئت أم أبيت ستخضع لتأثير المجاملات، وإثارة الإعجاب والرضا، والمصالح المتبادلة، وفي النهاية جو من المغنطة الحيوانية الجاذبة، وغير ذلك من أشكال الاقتراحات الخبيثة الفوضوية التي ستجرُّك إلى ما أنت في غنى عنه، ويحيط شخصيتك المكتسبة بالمزيفة، في حال لم تكن مُحصّنًا بقوة.
لا يَغرّنك تعظيم شخصية إنسانية والاندماج مع المندمجين، ظانًّا أنه راعي الغنم العبقري الذي سيقود قطيع الأغنام إلى بر الأمان، أو تقليد شخصية سينمائية أو غنائية قد أُعطيَت حجمًا أكبر من حجمها الحقيقي بأضعاف.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.