افكار سلبية... جداَ!


أغلِق الباب خلفك.. خلفكم..! حسناً فليدخل الجميع.. أقولها بمرارةٍ كما كلّ يوم.

أُغلق الباب بعد خروج أبنائي إلى مدرستهم لينسلّ هؤلاء بكلّ وقاحةٍ إلى الداخل يقفون إلى جانبي يودّعون أبنائي وملامح الصدمة عليهم من المرارة التي تطفح من وجهي، أجلس على الأرض، أنظر إليهم بقهرٍ وأبدأ بالبكاء، يأتي أحدهم ويعبث بشعري، وآخرُ يقفز برعونةٍ في حضني، والثالث يهمس في أذني.. تبعده أخرى وتصرخ في وجهي.. ألطمها وأبعِد القابع بلزُوجةٍ في حضني.. فيدفعني أحدهم.. أصرخ في وجوههم وأنا أفتح الباب على مصراعيه وأقول: إلى الخارج جميعاً، الآن لا أريد أن يبقى منكم أحد.

يخرجون وصوت ضحكهم وقهقهاتهم تقلق الجدران، أغلق الباب مئة مرّةٍ وأنظر بقلقٍ فأرى وجوههم القميئة تطلّ من النوافذ، أغلق الستائر بعنفٍ فتتمزق إحداها.. لا أهتمّ.. أتكوّم على نفسي منتظرةً دخول أحدهم.. أغلق عينيّ بقوّة، يدٌ صغيرةٌ تمتد إليّ، تلمس وجهي وقُبلةٌ صغيرةٌ بحجم فمها الجميل، تقول: ماما أحبّك، أحتويها بحضنٍ كبيرٍ وأغمرها بالقبلات وأقول: أنا أحبك كثيراً.. كثيراً يا حبيبة والدتك.. أنظر إليهم يسترقون النظرات بقلقٍ.. أضمّها إليّ أكثر.. أتمنّى لو أستطيع إدخالها إلى الداخل، أُجلسها بجانب قلبي.. تقبّلني ثانيةً وتنسل خلف الجدار وتضحك بصفاءٍ يعكر مزاجهم.. أتَّبِعُها زاحفةً على قدمي ويدي فتخرج متفاجئة وترعبهم بضحكةٍ مجلجلة، يهربون مسرعين يتخبطون، أرقبهم بطرف عيني وأنا أبادل هذه الجميلة الضّحك، ألتفت فإذا المكان فارغ، فارغ منهم تماماً أجلس براحةٍ وأنا أمسك بيد الصغيرة طمعاً في الحماية، كم شعرت بالخجل! لكنًها لم تعلم على أي حال، أسندت رأسها عليّ، وغابت في غفوةٍ صغيرةٍ مثل تلك اليد التي أُمسكها برعب، عادوا يطّلون من جديد، عيونهم تلمع بالشرّ، لا أخفيكم شعرت بالخوف، فلست بتلك القوة.

أقلق من كوني هشةً هكذا، تأكدت من إغلاق الباب وأنا أتصنّع الثبات، لكن يدي المرتعشة جعلت ابتسامتهم تتّسِع، ووجدتهم ينْسَلُّون بسلاسةٍ من النوافذ، زفرت بإرهاقٍ وسقطت على الأرض.

 صراخهم يقتلني، طقوسهم تصيبني بالجنون، طرقات على الباب، وقفوا خلفي كصاحب المنزل يرقبون الطارق.. كانوا أطفالي قد عادوا، وعاد معهم الضجيج والفوضى، نشروا كتبهم، وملابسهم، وبقايا الحلوى في كلّ مكانٍ مع كلماتهم المبعثرة في كافّة الأجواء، أخذت ألتقط ما يلقونه وأنا أضمّهم إليّ بقوة.. شعرت أنّ لديّ جيشاً كافياً لمحاربتهم.

وقفت بثباتٍ وسط أبنائي، فتحت الباب وأشرت إليهم، نظروا إلى بعضهم بصمتٍ وخرجوا بهدوء.. انتظرتهم لعدّة ساعاتٍ بعدها، ولم أر أيّ واحدٍ منهم.. تنفّست الصّعداء وأنا أنظر إلى جيشي الصغير يغط بالنّوم.

 أحدهم يفوقني طولاً بكثيرٍ، لكنّه ينام بجانبهم بهدوء.. بقيت مستيقظةً تلك اللّيلة، أحمل قلمي بقوةٍ وأنتظر بجانب الباب.. لمحتهم يمرّون مسرعين يسرقون النظرات ويتخبطون مبتعدين..  لم أتصالح مع وسادتي بعد.. لكنّي مازلت حارسةً على ذاك الباب وما زالوا يحاولون الولوج، ولكن عبثاً.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب