أغرب عادات الكتاب والروائيين عند الكتابة.. جنون العبقرية سمة المبدعين

يُعد أي عمل إبداعي كالفنون والآداب حالة من التوهج التي غالبًا ما تستعصي على الفهم العادي، وتتجاوز حدود المألوف والمنطقي، هذا الاستعصاء يتجلى في سلوكيات المبدعين خاصة الروائيين الذين تنتابهم نوبات من العبقرية، تحطم كل تقليد وتدخلهم في حالة وجدانية بين الصحوة والسَّكْرة، يراها بعض البشر جنونًا. فما الذي يدفع هؤلاء الكتاب إلى تبني سلوكيات وعادات غريبة وتصرفات غير مألوفة؟ وهل هذه مجرد شذوذ، أم أنها جزء لا يتجزأ من عملية الإبداع الأصيل؟

هذا المقال يغوص في خفايا هذه الظاهرة، مستكشفًا العلاقة المعقدة بين معاناة الكاتب وتجلياته الفنية، وكيف أن هذه الغرابة هي في جوهرها وقود الإلهام وسبب خلود أعمالهم الأدبية.

إن من خصاص أي عمل إبداعي كالفنون والآداب حال توهجه أنه يستعصي كثيرًا على أن تُلم بظروفه وطقوسه العقول والأفهام، ذلك لأن الأنماط لا تتكئ على معطيات الواقع، أو نتائجه، أو ما يعتاد عليه الناس من معروفات ومألوفات، فضلًا على صلاتها العميقة بأمور كثيرة خافية لم يتمكن أحد من تفسيرها إلى يومنا هذا تفسيرًا دقيقًا حتى أصحابها، وكل مُبدع لا بد أن يمر بحالات خاصة يعرف الجميع ظواهرها، ويَخفى عليهم كثيرًا مما تُبطن، وذلك حتى يتبدى إبداعه وتُجلى جواهره، ولعل لحظات الإشراق أو الإملاء هي أهم هذه الحالات وأكثرها إباء، ليصبح أكثر ما يميز المبدعين، لا سيما المتفردين حال توهج موهبتهم هو غرابة سلوكهم وتصرفاتهم.

الإبداع والجنون.. هل الكتابة فعل طبيعي؟

ليس عجيبًا أن تصدر عن المؤلف، لا سيما الروائي بعض من التصرفات الغريبة التي قد يستنكرها أو يتعجب من غرابتها الناس، فالروائي مبدع من طراز خاص، وفي حال دخوله في فعل الكتابة تنتابه نوبات من العبقرية تكسر كل تقليد مألوف درج عليه الناس، فيستحيل في إثرها إلى حالة وجدانية بين الصحوة والسَّكْرَة، يعدها الآخرون في الغالب جنونًا!

الكتابة والعبقرية

وطبقًا لعدد من المشاهدات ممن هم في محيط المؤلف من أصدقاء ومعارف وجد أنه دومًا ما يتصرف على نحو مختلف، حاله في ذلك بين الوحدة والانطواء أو الخروج عن المألوف، أو الاعتقاد في أشياء يعدها الغالبية العظمى مثالية مفرطة وربما خَرفًا وهلوسة، لكنه ما من فرد إلا ويعد نِتاجها عبقرية مذهلة وربما إعجازية، وذلك أن للكتابة الإبداعية تجليات مُحيرة قد تستعصي كثيرًا على الفهم الدارج والاستيعاب العام، وعلّ هذا ما قد يفسر روعة ما نقرؤه في بعض الأعمال الأدبية التي خلدت أسماء أصحابها.

لكن السؤال الذي يقفز دومًا، ويتبادر إلى أذهان كثيرين حتى الكاتب نفسه، هل هذه تصرفات شاذة، أم أنها حالة طبيعية يمر بها الكاتب الخلاق نتيجة معاناة إنسانية حقيقية، تؤدي به في النهاية إلى ما يُنتجه من فن وأدب أصيل، أم ماذا؟

الكتابة ابتكار.. من رحم المعاناة والألم يولد الفن

الواقع أن الكتابة ليست عملية آلية، يُدرب عليها الإنسان كما يُدرب حيوان ما على التقاط كرة، أو يُدرب طير لترديد ما يقوله الآخرون، إنما هي عملية ابتكارية خالصة يُخلق الإبداع فيها من رحم المعاناة، فإن اختفت المعاناة خبا الإبداع، وربما إلى زوال.

يقول هنري ميلر: «لقد أصبحت أعتقد على نحو ما أن آخر شيء يفكر فيه الكاتب أو الفنان هو توفير أسباب الراحة له في أثناء عمله، وربما كان العناء لونًا من العون أو الحفز لهم، إن الرجال الذين يتيسر لهم أن يعملوا في ظروف مريحة غالبًا ما يختارون أن يعملوا تحت ظروف عاتية»؛ لذا فعندما يفتقر الكاتب إلى عنصـر المعاناة تفتقد كتاباته الروح المـؤثرة، وتصبح محض صفوف من الأسطـر النموذجية والكلمات المجوفة، فالعمل الروائي ليس وصفة نمطية من مقدمة وحبكة ونهاية، وهو ليس تكنيكًا ثابتًا لا يتغير من مؤلف إلى آخر، لكلٍ وصفته الناتجة عن معاناة خاصة، ولا بد ألا تتشابه تلك الوصفات كما لم تتشابه التجارب حتى يحدث الاختلاف والتفرد، وقبل هذا كله الإبداعية والابتكارية.

أهمية المعاناة لدى الكاتب

تقول جويس كارول أوتس: «ميدان الكتابة مملوء بلحظات التوتر، وأظن أن هذا التوتر صالح من الناحيتين النفسية والجسدية في بعض التفاصيل».

سلوكيات العزلة والانقطاع.. الانزواء من أجل الخلق

وتوابع المعاناة التي يلقاها الكاتب إنما تتأتى بأنواع وصور شتى، وهي تختلف من مؤلف إلى آخر، غير أنها لا تخلو من تشابه ما، فنجد مثلًا أن معظم الكتاب ينقطعون تمامًا عن بيئاتهم بشخوصها وتفاصيلها كافة عند البدء في كتابة رواية أو قصة جديدة، وتغمرهم حالة من الانطوائية أو الانقطاع والانزواء يعبر كل منهـم عنـها منفردًا وبطريقته الخاصة، فمنهم من يعـتزل الناس تمامًا، ويمكث في المنزل طوال مدة كتابته، ومنهـم من يسافر إلى مكان ما لا يعـرفه فيه أحد حتى ينهي عمله، ولا يزعجه أي نوع من المؤثرات الخارجية، والأكثر من ذلك أن منهم ممن يكتبون بالمنزل من يقوم بجولات طويلة عـبر الشوارع والطرقات حتى يستطيع تهيئة نفسه للكتابة في المنزل، كأنه قادم إلى العمل.

وقد نجد من الكُتاب من يتصرف على نحو يجعلك تشكك في رشده وصحة قُواه العقلية، وثمة كتاب من يضيقون الأمر على أنفسهم فلا يستطيعون الكتابة إلا ضمن عادات معينة قد تبدو في ظاهرها عرضٌ لمرض نفسي، أو ضرب من ضروب الجنون، فمنهم على سبيل المثال من يُلزم نفسه حال كتابته بارتداء ملابس معينة قد لا تناسب عمره أو منزلته الاجتماعية، ما قد يثير كثيرًا من التساؤلات عن رزانته وثبات عقله.

ولا أنسى ذلك الكاتب الذي كثيرًا ما أثار مَسْلكه حفيظتي وضحكي في آن واحد، حين أراه منكفئًا على أوراقه بالملابس الداخلية، ولا يستطيع الكتابة والإبداع إلا على هذه الحال، ولا أخفيكم قدره فإنه من الكتاب الذين تتصدر أعمالهم قائمة المبيعات، وأنا على نحو شخصي أجد متعة فائقة حين أقرأ له عملًا جديدًا، ولولا أن الأمر قد يصيبه بشيء من الضيق لأفصحت عن اسمه، لكننا لسنا بصدد هذا.

لحظة الإملاء.. عندما يستحوذ الوحي على الكاتب

من أعجب العادات عند الأدباء عامة ذلك الوحي الذي يهبط فجأة على غير موعد، وكثيرًا ما يحدث هذا عند الشعراء خاصة، فثمة لحظات تأتي على غير انتظار تنبعث بها الرغبة في الكتابة، وتزداد فيها القدرة التخليقية والطلاقة الإبداعية دون غيرها، كأن المرء تحت تأثير مخدر يجعله في حالة انفصال تام عن واقعه بإشكالياته وأزماته كافة، وثمة من تُمْلى عليه الكلمات والجمل، وهو ما يعرف بحالة الإملاء.

وقديمًا كان شعراء الجاهلية ينسبون هذا الأمر إلى الشياطين؛ لذا كانوا يظنون أن لكل شاعر شيطان، فيشعر المبدع إبان حالة الإملاء أن ثمة شيء يستحوذ عليه تمامًا فيتشبع به، ويأخذه أخذًا، ولا يستطيع أن يخرج من ذاك الشعور الذي يلابسه بسهولة حتى النوم يستعصي عليه، وما يملك حينها إلا أن يكتب وينسخ ما يُمْلَى عليه، وتلك الحال لا تذعن إلى عمليات التفكير الواعي، إنما يجد الأديب نفسه يعمل منبعثًا من موضع عميق في الوجدان، وبينما هو لا يعلم بالضبط في حال الكتابة ما الذي يمكن أن يحدث في قادم لحظاته، فإنه يعي جيدًا ما يريد كتابته في اللحظة الراهنة، لكنه لا يشغل نفسه كثيرًا بالكيفية التي يكون بها أداؤه.

يقول الأديب الطيب الصالح: «إنني أتصور دائمًا الكاتب وهو غاطس في حلم ما، وأتخيله جالسًا على حافة بركة صافية الأديم، لكنه منهمك في تعكيرها؛ لأنه يمد أصابعه إلى قاعها ويلمس الطين في قعرها ويحركه باستمرار، بل هو لا يكتفي بذلك؛ لأنه يريد أن يحفر في أعماق ذلك الطين نفسه ليتعرف إلى خفاياه».

وعلى الرغم من أن لحظات الإملاء، أو لحظات الإشراق، أو اللحظات المباركة، أيًا كانت التسمية غير محددة الموعد، لكنه من واقع مُعايشة الكُتاب وُجد أنها كانت دومًا ما توافيهم في غسق الليل وفي ساعات متأخرة، إذ كان الكاتب منهم يجد من يوقظه من نومه الغطيط، ويدفعه دفعًا ليبحث عن ورقة وقلم؛ ليبدأ بكتابة أفكاره، وهو حال صرّح بوقوعه السواد الأعظم من الأدباء.

لذا تجد كثيرًا منهم يعانون في أثناء كتابة رواية ما ارتباك ساعتهم البيولوجية، فتجدهم متيقظين والناس نيام، أو العكس، وينخفض عدد ساعات النوم على نحو ملحوظ قد يصل بالكاد إلى ثلاث أو أربع ساعات فقط لليوم والواحد، وهو ما يؤدي بهم إلى حدوث كثير من الأزمات والوعكات الصحية، ربما في منتصف أيام العمل، ما يجبر أكثرهم قسرًا على أخذ أقساط كبيرة من الراحة، وأنا شخصيًا أعاني تلك الإشكالية في أثناء دوامي على عمل ما، لكني أفضل أن أمكث على هذه المتاعب طيلة حياتي حتى لا أجد نفسي يومًا ما فارغًا دون أفكار أريد تدوينها، وعلى الرغم من أن أسرتي يرون في هذا عيبًا كبيرًا، لكني لا ألتفت أبدًا إلى أي مما يجول في أذهانهم، طالما أن الأمر يريحني، ويفض ملء رأسي.

والمُبدع في تلك الأحوال، أحوال الإملاء قد تبدو تصرفاته غريبة وسلوكياته منفرة على غير عادته، ما قد يجعل المحيطين يتهمونه بالخبل تارة، ويرمونه تارة أخرى بالخلل وعدم الاتزان، في حين الأمر أعمق مما يمكن أن تعيه عقولهم السطحية الضحلة، فثمة أسباب ترتكز عليها تلك الظواهر، أسباب داخلية قهرية وتزيد كثيرًا عن أمر معاناة الكاتب، بل ربما هي الأخرى إحدى نتائجها، وخارجة عن إرادته كونها تتعلق بأنشطة تبادلية بين العقل الباطن والآخر الواعي، وهو ما سأوضحه بإسهاب في المبحث التالي عن العبقرية الروائية.

غرابة سلوك الأدباء وتفهم المجتمع

ومن جهة أخرى نجد أن أكثر الناس معذورون في رميهم للكُتاب ببعضٍ من هذه الاتهامات، فليس كثيرون ممن توافيهم لحظات إملاء أو إشراق كتلك يلبون نداءاتها مباشرة دون العناية بالمحيطين أو بما سيُقال عنهم، ومن يفعل منهم تناله حتمًا أسهم التسفيه أو التحقير، وهما وصمتان على الرغم مما تحملانه من عدم حساب لشأن الأديب، تؤكدان في ذاتهما اتهامات كثيرين يصبونها على رأسه من جنون أو اختلال نفسي، فضلًا على أحوال الأدباء الغريبة وشديدة اللفت التي لا يتحرج بعضهم من إبدائها على مرأى ومسمع من الناس، فحين تكون جالسًا مع أحدهم تجده كثير الشرود والذهول، فلا يستجيب أبدًا لمن يُحادثه، بل تجده أحيانًا يُطلق ألفاظًا مبهمة، وكثيرًا ما يُحادث شخصياته المبتكرة التي تراوده في خلفية رأسه، وتسأله عما يجب فعله إزاء موقف ما في روايته.

وبعضهم من تجده دومًا ما يُجري حديثًا ذاتيًا مسموعًا، يحادث نفسه لا سيما في أعماق الليل، وفي ساعات متأخرة، ومنهم من يحادث نصه الروائي ويعنفه كشخص ماثل أمامه لا سيما عندما تستعصي عليه تفصيلة أو عقدة ما في الحبكة الروائية، وقد نجد من يتباهى بحبكته مزهوًّا كمن وجد ضالته في فلاة.

يقول هنرى ميلر: «إن معظم الكتابة تحدث بعيدًا عن الآلة الكاتبة، بعيدًا عن المكتب، إنها تطرأ في اللحظات الهادئة الساكنة، وأنت تمشي، أو تحلق، أو تمارس الألعاب، أو في أثناء حديثك مع إنسان لا تلقي إليه بكل سمعك، إن ذهنك يعمل مركزًا على تلك المشكلة الماثلة في خلفية رأسك، وهكذا فحين تصل إلى الآلة الكاتبة، تكون المسألة مجرد توصيل ونقل».

غرائب المشاهير: عادات وسلوكيات إبداعية أم شطحات مجنونة؟

أما عن المشاهير فحدّث ولا حرج، فأكثرهم اعتمد سلوكيات أو تمارين خاصة شديدة الغرابة تعينهم على تهيئة أنفسهم وشحذ همتهم لعملية الكتابة، أو ربما لأسباب غير مفهومة.

فمنهم من كانت سرعته الكتابية الفائقة عَرضًا شديد الإدهاش حتى إن بعضهم صرّح أن باستطاعته كتابة رواية كاملة في بحر أسبوعين فقط، ومن هذا النوع كان الأديب (جورج سيمنون)، و(إدغار والاس).

ومنهم من كانت تصـريحاته الغريبة مثار جـدل طـويل مثل الأديب (لورانس دوريل) الذي أبدى أنه يشعر إثر الانتهاء من كل رواية بالتقزز الشديد، وصرّح أنه دومًا ما يكون في حاجة إلى قرص أسبرين قبل أن يطالعها بهدف تنقيحها.

سلوك الكاتب الغريبة

وأعرب كثيرون عن عدم قدرتهم على الكتابة عبر الآلة الكاتبة، أو الكمبيوتر، أو الأقلام الحديثة كونها تحد من الطلاقة الكتابية أمثال (غراهام غرين)، زاعمًا أن الآلة الكاتبة غير مرتبطة بدماغه، وأنه يحتاج في الكتابة إلى أن تكون يده مُطبقة على قلم حبر، لا سيما أن القلم الحديث لا يصلح سوى لملء نماذج على متن طائرة.

و(توماس وولف) الذي لم يستطع الكتابة يومًا قبل أن ينفذ نزهة طويلة.

و(توم روبنز) الذي لا بد له من النظر إلى السماء ومراقبة الغيوم قبل العمل.

والأكثر من ذلك من كان يعمد إلى تنويم نفسه مغناطيسيًا ليس بالمعنى المعروف عبر تمارين شاقة حتى يتمكن من الكتابة أمثال (هاروكي موراكامي) الذي كان أيضًا يضطر إلى بري أكثر من سبعة أقلام رصاص حتى يستطيع البدء في العمل.

ما كان ينتهجه كذلك (آرنست همنجواي)، فضلًا على كونه لا يستطيع الكتابة إلا بوضعية غريبة، فهو لا يستطيع الكتابة إلا واقفًا، في حين نجد أن (مارك توين) لا يكتب إلا مستلقيًا.

ومنهم كذا مَنْ ادعت بأن غسيل الصحون يحفز لديها تدفق الأفكار للكتابة مثل (أجاثا كريستي).

ومن ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير مُصرّحة بأنها تخاف من ظهور أشباح رواياتها ليلًا أمثال الروائية (لويزا فالنسويلا).

في حين نجد أن (ميغيل دي ثيربانتس)، و(والتر رالي) يبديان بأن السجن يحفز الكتابة.

و(نورمن مايلر) الذي كان يستعمل الشراب للتحمية والتدفق الإبداعي، فقد كان يقول دومًا: «أحتاج عادة إلى زجاجة من الشراب لتحفيزي على الكتابة».

بينما وجد (أونري دو بالزاك) في القهوة ضالته، فقد كان يشرب أكثر من خمسين فنجانًا في اليوم، لكنه مات متسممًا بالكافيين.

الأديب بين واقعه وعوالم روايته

ما جعل من تلك العادات والسلوكيات والطقوس التي يتبناها كل أديب أمرًا شديد اللفت، يدعو إلى التوقف والتأمل الطويل، بيد أنه وبالبحث المتأني وُجد أن تناوب تلك المظاهر على شخص الروائي إنما يرجع إلى أنه كثيرًا ما يتعايش مع عوالم الرواية الافتراضية التي لا تحدها أطر وقوانين الواقع الذي يعيش فيه، بل تحدها أطر الخيال والحلم والأسطورة.. إلخ، ولكونه يشرد بتلك العوالم قسرًا ودون إرادته فتستحوذ عليه بالكلية، فلا هو يسمع من يحادثه، أو يراه، أو يملك القدرة على الرد الصحيح، ما يجعله أسير أطياف الرواية وحِراكها، ولأوقات كثيرة في أثناء الكتابة وبعد الانتهاء منها.

فضلًا على تأثيرات تلك التقنيات المبهرة المتعددة والمتنوعة التي يدعم بها الأديب مصداقية عوالمه المبتكرة التي هي في جوهرها تكسر نواميس واقعه المألوفة، مثل الاسترجاع والاستباق والمحاكاة والتقمص، والحديث الذاتي وتعدد الأصوات والخلط بينها، والإيحاء والتلميح والترميز، وتنقيح الأحداث وتجويدها والطباق الروائي و(الثيمات) إلخ.. التي تؤثر حتمًا في سلوكياته وتعاطيه مع الناس، ما يجعلنا نتفهم شيئًا من تلك الأجواء التي يجب أن يعمل بها.

الأديب والأدوات المُرغَم على التسلح بها لأداء مهمته الإبداعية التي هي ذاتها سببًا في غرابة مسلكه وتصرفه، بما يختلف حتمًا عن أحوال الناس، فليسوا بأدباء كلهم، وينافي معروفات الواقع ومألوفاته، وأنه دون هذه الإجراءات اللافتة والمنفرة في أكثر أوجهها ما تمكن من الكتابة على نحو تخليقي وابتكاري.

وأن المعني الوحيد بالأمر هو الكاتب فقط، وأنه ما من شأن أحد التعقيب على هذه الحرية الخاصة ما دامت لم تسبب له ضررًا مباشرًا، ولو جاز لنا أن نعيب على الطبيب الجراح مثلًا اتساخ يده ببعض من الدم البشري لكان يجوز أن نعقب وننظّر على أحوال الأدباء، مع مراعاة الفوارق الجوهرية، فالجراح يترك مبضعه في غرفة العمليات، في حين يصطحب الأديب أدواته إلى كل مكان، ويضطر أن يُعايش روايته طوال الوقت، وذلك لكون أفكاره تنسلّ بغتة دون موعد محدد، ما يقتضي منه أن يكون متأهبًا لاستقبالها بين لحظة وأخرى، ولكل أداة آثارها ومقتضياتها على مسلك صاحبها، فهذا في ذاك وذاك في هذا.

ومن يدّعون أن كل روائي بحاجة إلى المداومة مع طبيب نفسي، لا يمكن أن ينكروا أنه بفضل طِباعهم وطقوسهم الخاصة التي دومًا ما يستنكرونها وينفرون منها، ما أمكنهم الاستمتاع بكتاباتهم الرائعة التي خلبت ألبابهم دهورًا، وحققت أحلامهم وآمالهم الدفينة إلى أقصى حد يمكن تصوره، ولا يمكن إنكار أيادي تلك النزعات والشطحات المجنونة في التنبؤ بأكثر مُنجزات العلم الحديث، الأمر الذي لم يستطع تحقيقه من يدّعون لأنفسهم العقول الراجحة والبصائر الثاقبة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.