أغرب اضطرابات الأكل الحديثة: من الدرانكوريكسيا والبيكا (أكل الورق) إلى هوس الأكل النظيف

تُعد اضطرابات الأكل أو ما يُسمى اضطرابات الطعام النفسية من التحديات النفسية والجسدية المعقدة التي تواجه المجتمعات الحديثة التي تتجاوز في نطاقها الأشكال التقليدية المعروفة مثل فقدان الشهية العصبي والشره المرضي العصبي. ففي خضم التغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، وظهور مفاهيم جديدة حول الصحة والنظام الغذائي، برزت اضطرابات أكل غير تقليدية وغريبة تستدعي تحليلًا معمقًا لفهم جذورها وتأثيراتها خاصة تلك المصنفة ضمن اضطرابات الأكل في العصر الحديث.

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على هذه الاضطرابات الغريبة، بدءًا من ظاهرة اضطراب البيكا التي ألهمت عنوان المقال، وصولًا إلى اضطرابات الأكل الحديثة التي نشأت في سياق ثقافة العصر الرقمي والاهتمام المفرط بالصحة.

أولاً: اضطراب البيكا (Pica): لماذا يشتهي بعض الناس تناول مواد غير غذائية؟

يُشتق اسم اضطراب البيكا من الكلمة اللاتينية التي تعني طائر العقعق (Magpie)، وهو طائر معروف بسلوكه الانتقائي الغريب للطعام. ويُعرَّف اضطراب البيكا بأنه تناول مستمر لمواد غير غذائية وغير مغذية مدة لا تقل عن شهر، وهو ما يُصنف اضطراب تناول مواد غير غذائية، ولا يكون هذا السلوك جزءًا من ممارسة ثقافية أو اجتماعية مقبولة.

إن الصورة التي يقدمها عنوان المقال «أم تأكل الورق» هي تجسيد حي لجوهر هذا الاضطراب، حيث يمكن أن تشمل المواد التي يتم تناولها:

  • الورق.
  • الصلصال أو الطين.
  • الثلج.
  • الشعر.
  • الطلاء.
  • الصابون.

اضطراب البيكا: لماذا يشتهي بعضهم أكل مواد غير غذائية؟

أسباب اضطراب البيكا ومخاطره

على الرغم من أن الأسباب الدقيقة للبيكا لا تزال قيد البحث، فإنه توجد عوامل رئيسة مرتبطة بظهوره، أبرزها:

  1. نقص التغذية: يُعتقد أن أسباب اضطراب البيكا قد تكون محاولة من الجسم لتعويض نقص في بعض المعادن، مثل نقص الحديد (فقر الدم) أو نقص الزنك.
  2. الحمل: يُعد البيكا شائعًا بين النساء الحوامل فيما يُعرف باضطراب البيكا عند الحوامل، وقد يرتبط بالتغيرات الهرمونية أو نقص التغذية المصاحب للحمل.
  3. الحالات التطورية والنفسية: يظهر الاضطراب على نحو متكرر لدى الأطفال، خاصة أولئك الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد أو الإعاقة الذهنية.

تكمن مخاطر البيكا في المضاعفات الجسدية التي قد تسببها، والتي تتراوح بين التسمم بالمواد الكيميائية (كالرصاص في الطلاء)، والانسداد المعوي، والعدوى الطفيلية، وتلف الأسنان.

ثانيًا: اضطرابات الأكل الحديثة وتأثير الثقافة الرقمية

في العصر الحديث، حيث تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة «الصحة واللياقة» على الوعي العام، ظهرت اضطرابات أكل جديدة لا تركز بالضرورة على كمية الطعام أو الوزن، بل على جودته ونقائه، أو ترتبط بسلوكيات تعويضية معقدة. هنا يظهر بوضوح تأثير وسائل التواصل على اضطرابات الأكل، حيث خلقت الصور المثالية للأجساد والأنظمة الغذائية بيئة خصبة لـ اضطرابات الأكل الناتجة عن الثقافة الرقمية.

1. الأورثوريكسيا نيرفوزا هوس الأكل النظيف

يُعرَّف هذا الاضطراب بأنه هوس مرضي بتناول الطعام الصحي أو النقي أو ما يُسمى هوس الأكل النظيف. على عكس فقدان الشهية العصبي الذي يركز على كمية الطعام والوزن، تركز الأورثوريكسيا نيرفوزا (Orthorexia Nervosa) على جودة الطعام. ويبدأ الأمر كاهتمام صحي بريء، لكنه يتطور إلى قيود غذائية صارمة تصل إلى حد الهوس بالطعام الصحي، واستبعاد مجموعات كاملة من الأطعمة (مثل السكر، الغلوتين، الأطعمة المصنعة)، والشعور بالذنب والقلق الشديد عند تناول طعام «غير نقي».

هل الأورثوريكسيا مرض نفسي؟

نعم، يصنفها الخبراء ضمن اضطرابات القلق المرتبطة بالطعام، وإن لم تُدرج رسميًا بعد في الدليل التشخيصي (DSM-5) كاضطراب مستقل، وفقًا لـWebMD.

جدول: الفرق بين فقدان الشهية والأورثوريكسيا

وجه المقارنة فقدان الشهية العصبي والشره المرضي الأورثوريكسيا نيرفوزا
التركيز الأساسي كمية الطعام والوزن جودة ونقاء الطعام (الهوس بالطعام الصحي)
الهدف النحافة وخسارة الوزن الشعور بالصحة والنقاء الداخلي
النتيجة سوء تغذية ونقص وزن حاد سوء تغذية، عزلة اجتماعية، وقلق

الأورثوريكسيا نيرفوزا: هوس الأكل النظيف

2. الدرانكوريكسيا مزيج الكحول والجوع

هذا المصطلح العامي يصف سلوكًا يجمع بين اضطراب الأكل وسوء استخدام الكحول، وهو من اضطرابات الأكل عند الشباب الشائعة. ويتضمن السلوكيات التالية:

  • تقييد السعرات الحرارية: الامتناع عن تناول الطعام عمدًا قبل أو في أثناء شرب الكحول.
  • ممارسة الرياضة المفرطة: لـ«حرق» السعرات الحرارية المتوقعة من الكحول.
  • سلوكيات التطهير: مثل التقيؤ أو استخدام الملينات بعد شرب الكحول.

ينتشر هذا السلوك بشكل خاص بين الشباب والطلاب، ويُعد مزيجًا خطيرًا يضاعف مخاطر الدرانكوريكسيا المتمثلة في التسمم الكحولي، ونقص التغذية، وتلف الأعضاء، إضافة إلى تفاقم المشكلات النفسية المصاحبة لاضطرابات الأكل. ولمن يسأل كيف تؤثر الدرانكوريكسيا على الصحة النفسية؟، فإنها تزيد من خطر الاكتئاب والقلق وتلف الدماغ المرتبط بالكحول.

3. سلوك المضغ والبصق

يُعد سلوك المضغ والبصق CHSP نمطًا مضطربًا للأكل؛ فيمضغ الشخص الطعام، غالبًا ما يكون طعامًا «ممنوعًا» أو عالي السعرات الحرارية، ثم يبصقه بدلًا من بلعه.

وعلى الرغم من أن هذا السلوك قد يبدو وسيلة للتحكم في الوزن، فإنه يحمل مخاطر نفسية وجسدية كبيرة، وتشمل أضرار سلوك المضغ والبصق CHSP ما يلي:

  • الآثار الجسدية: يمكن أن يؤدي إلى تضخم الغدد اللعابية، ومشكلات في الأسنان، واضطرابات في الجهاز الهضمي بسبب إفراز الإنزيمات الهضمية دون وصول الطعام إلى المعدة.
  • الآثار النفسية: يزيد الشعور بالخجل والذنب، ويُعد مؤشرًا على اضطراب أكل أكثر عمقًا، وغالبًا ما يترافق مع فقدان الشهية العصبي والشره المرضي.

اضطرابات الأكل غير التقليدية عند المراهقين

تشير الدراسات إلى أن أكثر فئة تصاب باضطرابات الأكل هم المراهقون والشباب خاصة الإناث. ومع ذلك، فإن اضطرابات الأكل غير التقليدية عند المراهقين (مثل الدرانكوريكسيا والأورثوريكسيا) تتزايد بين الذكور أيضًا، مدفوعة بالعلاقة بين الثقافة الرقمية واضطرابات الأكل ورغبة الوصول للجسد المثالي.

الحاجة إلى منظور أوسع

إن الاضطرابات الغريبة، سواء كانت اضطراب البيكا القديمة أو الأورثوريكسيا نيرفوزا الحديثة، تؤكد أن العلاقة بين الإنسان والطعام هي علاقة معقدة ومتعددة الأوجه. فلم يعد الأمر مقتصرًا على الرغبة في النحافة، بل امتد ليشمل هوس الأكل النظيف، والتعويض السلوكي، والبحث عن الراحة النفسية في مواد غير غذائية.

يتطلب التعامل مع هذه الاضطرابات منظورًا أوسع يتجاوز التركيز على الوزن، ويركز على الصحة النفسية، والتغذية السليمة، والوعي بأعراض اضطرابات الأكل الحديثة والمخاطر المرتبطة بثقافة النظام الغذائي المتطرفة. إن فهم هذه الظواهر الغريبة وإدراك علامات اضطرابات الأكل المبكرة هو الخطوة الأولى نحو تقديم الدعم والعلاج المناسبين لمن يعانون في صمت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة