اغتيال العلماء: حقيقة تاريخية أم صراع دولي؟

اغتيال العلماء حقيقة تاريخية وجزء موثق من صراعات الاستخبارات الدولية، أدركت الدول الكبرى أن العقول العلمية تمثل أصولًا إستراتيجية حاسمة في الأمن القومي؛ ما جعل العلماء -خاصة في مجالات الفيزياء النووية والتسليح- أهدافًا مباشرة للتصفية الجسدية، أو الاختطاف، أو الاستقطاب (هجرة العقول)، وذلك لاحتكار التفوق التكنولوجي والعسكري ومنع الخصوم من التقدم.

يعد الصراع على العقول المبدعة واحدًا من أعقد الملفات في تاريخ الاستخبارات والسياسة الدولية، حيث تحولت المعرفة العلمية إلى سلاح استراتيجي يفوق في خطورته الترسانات العسكرية التقليدية. لم تكن حوادث تصفية النخب العلمية مجرد نظريات مؤامرة تُروى في الخفاء، بل هي امتداد موثق لمساعي الدول الكبرى نحو احتكار التقدم التكنولوجي والنووي.

باستقراء الأحداث التاريخية، نكتشف أن استهداف الكفاءات لم يقتصر على التصفية الجسدية فحسب، بل امتد ليشمل عمليات الاستقطاب الناعمة وهجرة الأدمغة، في هذا التحليل الشامل، نغوص في أعماق حرب العقول الخفية، ونكشف كيف أصبحت البحوث العلمية سببًا كافيًا لتحويل الباحثين إلى أهداف مشروعة في ساحات التنافس العالمي.

عندما يتصفح الإنسان صفحات التاريخ، يكتشف أن الحروب لم تكن يومًا مجرد صراع على الأراضي أو الثروات أو النفوذ السياسي، بل كانت في كثير من الأحيان معركة على المعرفة نفسها. فالعالم الذي يقضي سنوات طويلة في المختبر أو خلف طاولة البحث قد يصبح، دون أن يحمل سلاحًا، أكثر خطورة من جيش كامل. ومن ثمَّ ظهرت ظاهرة لم تعد مجرد قصص تُروى في الكواليس، بل أصبحت جزءًا موثقًا من تاريخ السياسة والاستخبارات الدولية، وهي استهداف العلماء، سواء باغتيالهم أو بخطفهم أو باستقطابهم للعمل لمصلحة دول أخرى.

ورغم أن عبارة «اغتيال العلماء» كثيرًا ما ترتبط في الأذهان بنظريات المؤامرة، فإن العودة إلى الوثائق التاريخية تكشف أن الفكرة نفسها ليست خيالًا، وإنما حقيقة شهدها العالم في أكثر من مرحلة زمنية، وإن اختلفت دوافعها وأساليبها من دولة إلى أخرى. وفي المقابل، فإن كل حادثة يجب أن تُدرس وفق الأدلة الخاصة بها؛ إذ لا يجوز اعتبار وفاة أي عالم عملية اغتيال دون وجود قرائن أو تحقيقات تدعم ذلك.

إن الدول الكبرى أدركت منذ قرون أن امتلاك العلماء يعني امتلاك المستقبل. فالتقدم العسكري والصناعي والطبي والاقتصادي يبدأ بفكرة في عقل باحث، ثم يتحول إلى مشروع، ثم إلى اختراع، ثم إلى قوة تغيِّر موازين العالم. ولذلك أصبح العلماء أنفسهم جزءًا من الأمن القومي للدول، وأصبح الحفاظ عليهم أو استقطابهم أو منع الخصوم من الاستفادة منهم هدفًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن امتلاك السلاح.

ولو تأملنا تاريخ الحضارات، لوجدنا أن الحكام منذ العصور القديمة كانوا يتنافسون على جذب العلماء والأطباء والمهندسين إلى بلاطهم. فقد اشتهرت بعض العواصم التاريخية بكونها مراكز للعلم؛ لأنها استطاعت جمع العقول من مختلف الأقاليم، في حين تراجعت حضارات أخرى بعد فقدان نخبتها العلمية بسبب الحروب أو الهجرة أو الاضطهاد. ومع تطور الدول الحديثة، لم يتغير هذا المبدأ، بل أصبح أكثر تنظيمًا وتعقيدًا.

عندما أصبح العلم سلاحًا

حتى القرن التاسع عشر، كان العالم يعمل غالبًا من أجل الاكتشاف العلمي أو خدمة المجتمع، لكن مع الثورة الصناعية بدأت الحكومات تدرك أن كل اكتشاف علمي يمكن أن يتحول إلى تفوق اقتصادي أو عسكري. ثم جاءت الحربان العالميتان لتغيرا كل شيء.

خلال الحرب العالمية الأولى، لعب العلماء دورًا محوريًا في تطوير الصناعات العسكرية، والمواد الكيميائية، وتقنيات الاتصالات. لكن الحرب العالمية الثانية كانت النقطة الفاصلة التي أثبتت للعالم كله أن الباحث قد يغيِّر مجرى التاريخ أكثر مما يفعل قائد ميداني.

فقد كان مشروع إنتاج السلاح النووي الأمريكي، المعروف باسم «مشروع مانهاتن»، مثالًا واضحًا على أن الدول أصبحت تستثمر مليارات الدولارات في حماية العلماء وجمعهم في أماكن سرية؛ لأن المعرفة نفسها أصبحت عنصرًا من عناصر القوة. ولم يكن النجاح في تصنيع القنبلة النووية نتيجة وفرة الموارد فقط، بل نتيجة اجتماع نخبة من أبرز الفيزيائيين والرياضيين والمهندسين في مكان واحد، تحت حماية أمنية غير مسبوقة.

في المقابل، كانت ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي وبريطانيا يسعون بدورهم إلى استقطاب أفضل العلماء؛ لأن الجميع أدرك أن الحرب المقبلة لن تُحسم فقط في ساحات القتال، بل داخل المختبرات أيضًا.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ العالم ينظر إلى العلماء باعتبارهم «أصولًا استراتيجية»، وهي عبارة تُستخدم حتى اليوم في عدد كبير من الدراسات المتعلقة بالأمن القومي.

نهاية الحرب... وبداية سباق جديد

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم ينتهِ الصراع على العلماء، بل بدأ فصلٌ جديد أكثر تعقيدًا.

فقد سارعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى البحث عن العلماء الألمان الذين شاركوا في تطوير الصواريخ والطائرات والأسلحة المتقدمة. ولم يكن الهدف معاقبتهم بقدر ما كان الاستفادة من خبراتهم قبل أن يصل إليهم الطرف الآخر.

ولهذا أطلقت الولايات المتحدة برنامجًا عُرف باسم «عملية مشبك الورق» «Operation Paperclip»، وهو برنامج سري استقدم مئات العلماء والمهندسين الألمان إلى الولايات المتحدة للعمل في مجالات الطيران والصواريخ والطب والهندسة العسكرية.

وقد كشفت الوثائق الحكومية الأمريكية التي رُفعت عنها السرية لاحقًا تفاصيل واسعة عن هذه العملية، مؤكدة أن الاعتبارات العلمية والاستراتيجية غلبت، في كثير من الأحيان، الاعتبارات السياسية والأخلاقية.

وفي الوقت نفسه، نفذ الاتحاد السوفيتي عمليات مشابهة لاستقطاب علماء ومهندسين ألمان ونقلهم للعمل داخل الأراضي السوفيتية، بهدف تسريع تطوير الصناعات العسكرية والفضائية.

إن هذه الأحداث لا تعد حوادث معزولة، بل تمثل دليلًا تاريخيًا واضحًا على أن الدول كانت تعدُّ العالم ثروة وطنية قد تغيِّر ميزان القوى عقودًا كاملة.

الصراع لتقاسم العلماء بداية سباق الحرب الباردة

الاستقطاب... الوجه الآخر للصراع

وعندما يُذكر استهداف العلماء، يتبادر إلى الذهن الاغتيال المباشر، لكن التاريخ يثبت أن القتل لم يكن الوسيلة الوحيدة، بل ربما لم يكن الأكثر استخدامًا.

فالاستقطاب كان، في كثير من الأحيان، أكثر فاعلية وأقل تكلفة.

بدلًا من التخلص من العالم، كانت الدول تحاول إقناعه بالهجرة، أو منحه إمكانات بحثية أكبر، أو توفير حياة أفضل له ولأسرته، أو منحه الجنسية، أو تمويل مشروعاته التي يصعب تنفيذها في وطنه.

ومن الناحية القانونية، لا يمكن عَدُّ كل انتقال لعالم من دولة إلى أخرى عملية استغلال أو تجنيد؛ فالهجرة العلمية ظاهرة طبيعية تحدث لأسباب مهنية وشخصية. لكن بعض الوثائق التاريخية تشير إلى أن أجهزة استخبارات، في مراحل مختلفة، شاركت أحيانًا في تسهيل انتقال علماء بعينهم عندما كانت أعمالهم تمس مجالات حساسة، كالصواريخ أو الطاقة النووية أو التشفير أو الصناعات العسكرية.

وعلى هذا الأساس يظهر الفرق بين «هجرة العقول» بوصفها ظاهرة اقتصادية واجتماعية، وبين «استهداف العقول» بوصفه نشاطًا تقوده دول لتحقيق أهداف إستراتيجية.

لماذا قد يصبح العالِم هدفًا؟

الإجابة تختلف من حالة إلى أخرى، لكن الدراسات المتعلقة بالأمن القومي تكاد تتفق على مجموعة من الأسباب الرئيسة:

  • أولها أن العالِم قد يمتلك معرفة لا يريد الخصم أن تصل إلى دولة أخرى.
  • وثانيها أنه يعمل في مشروع عسكري أو نووي أو فضائي شديد الحساسية.
  • وثالثها أنه يقود فريقًا بحثيًّا قادرًا على تحقيق اختراق علمي قد يغيِّر موازين القوة.
  • ورابعها أن وجوده في بلده يمثل ركيزة لمشروع علمي وطني؛ لذا فإنّ غيابه قد يؤدي إلى تعطيل المشروع أو تأخيره سنوات.

لهذا السبب نجد أن معظم الحوادث المثيرة للجدل في التاريخ كانت مرتبطة بعلماء الفيزياء النووية، والهندسة العسكرية، والكيمياء، والصواريخ، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدمة، وليس بمجالات المعرفة عمومًا.

بين الاغتيال والحادث الطبيعي

ومن أكثر الأخطاء شيوعًا عند تناول هذا الموضوع، الخلط بين الوفاة الغامضة والاغتيال السياسي.

فليس كل عالم توفي في ظروف غير مألوفة قد اغتيل، وليس كل حادث سيارة أو سقوط طائرة أو أزمة صحية يمكن تفسيرها باعتبارها عملية استخباراتية.

ولكن قد أثبت التاريخ فعلًا وقوع عمليات اغتيال استهدفت شخصيات علمية أو تقنية في بعض الدول، كما بقيت حالات أخرى محل خلاف بين الباحثين حتى اليوم، دون وجود دليل قاطع يسمح بالحكم النهائي.

وبناءً على ذلك تأتي أهمية التمييز بين الحقيقة التاريخية وبين الروايات الشعبية؛ لأن الخلط بينهما يضعف القضية بدلًا من أن يقويها.

الاستخبارات والعلم

منذ منتصف القرن العشرين، توسع دور أجهزة الاستخبارات في متابعة العلماء، ليس فقط لمعرفة ما يعملون عليه، وإنما أيضًا لتقدير مستوى التقدم العلمي لدى الدول المنافسة.

فإذا تمكنت دولة من تطوير تقنية جديدة، فإن معرفة أسماء الباحثين المشاركين فيها قد تصبح معلومة ذات قيمة استخباراتية كبيرة.

وقد كشفت وثائق عدّة رُفعت عنها السرية في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق عن وجود اهتمام واسع بمتابعة المشروعات العلمية الحساسة، سواء عبر التجسس الصناعي أو تجنيد المصادر أو مراقبة انتقال الخبرات.

ولا يعني ذلك أن كل عالم كان مراقبًا أو مستهدفًا، لكنه يدل على أن العلم أصبح جزءًا لا يتجزأ من الصراع الدولي، تمامًا كالقوة العسكرية والاقتصادية.

ولم تقتصر هذه الظاهرة على دولة بعينها، فالتاريخ لا يقدم صورة لدولة واحدة تحتكر هذه الممارسات، بل يكشف أن قوى متعددة، في فترات مختلفة، استخدمت أساليب متنوعة للحصول على المعرفة أو منع خصومها من امتلاكها.

ففي زمن الحرب الباردة، انخرط المعسكران الشرقي والغربي في سباق واسع لاستقطاب الباحثين، وتبادل المعلومات العلمية، والتجسس الصناعي، وحماية البرامج الحساسة. كما شهدت دول أخرى في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط أشكالًا مختلفة من المنافسة على الكفاءات العلمية.

ولذلك فإن دراسة اغتيال العلماء لا ينبغي أن تُقرأ من منظور سياسي ضيق، بل باعتبارها جزءًا من تاريخ التنافس الدولي على المعرفة.

لماذا يستحق هذا الموضوع الدراسة؟

قد يظن البعض أن الحديث عن العلماء الذين تعرضوا للقتل أو الاختفاء أو الاستقطاب مجرد استعراض لقصص مثيرة، لكنه في الحقيقة يطرح سؤالًا أعمق بكثير: ما قيمة الإنسان الذي يحمل المعرفة؟

فعندما تخصص دولة ميزانيات ضخمة لحماية علمائها، أو عندما تسعى دولة أخرى إلى جذبهم بأي وسيلة، فإن ذلك يكشف حجم التأثير الذي يمكن أن يصنعه فرد واحد يمتلك علمًا نادرًا.

وبذلك نفهم أن الصراع الحقيقي، في كثير من الأحيان، لم يكن على الأشخاص لذاتهم، وإنما على ما يحملونه من خبرة، وما يستطيعون إنتاجه من معرفة، وما يمكن أن يغيروه في مستقبل أوطانهم.

إن استهداف العلماء، سواء عبر الإغراء أو التجنيد أو الضغط أو الاغتيال، ليس ظاهرة يمكن اختزالها في حادثة واحدة أو دولة واحدة أو حقبة واحدة. إنه ملف تاريخي معقد، تتداخل فيه السياسة بالأمن، والعلم بالاقتصاد، والطموح الوطني بالمنافسة الدولية. ولهذا فإن فهمه يتطلب الابتعاد عن المبالغة بقدر ما يتطلب الابتعاد عن الإنكار.

استهداف العلماء العرب

الملف أكثر حساسية وإثارة للجدل، وهو ما إذا كان العلماء العرب والمسلمون قد تعرضوا لاستهداف ممنهج بسبب ما امتلكوه من معرفة أو بسبب مشاركتهم في برامج علمية ذات طبيعة استراتيجية.

ولكن يجب التنويه إلى أن قوة الحجة لا تأتي من كثرة القصص، بل من قوة الأدلة.

ومن خلال مراجعة الوثائق التاريخية، وتقارير الصحافة الدولية، والدراسات الأكاديمية، يتبين أن عددًا من العلماء العرب فعلًا تعرضوا لظروف غامضة انتهت بمقتلهم أو اختفائهم أو تعطيل مشروعاتهم العلمية.

وفي بعض الحالات، وجهت أصابع الاتهام إلى أجهزة استخبارات أجنبية. ولأن عددًا منهم عمل في برامج نووية أو صاروخية أو صناعات عسكرية اعتُبرت مؤثرة في ميزان القوى الإقليمي، أصبح العالم جزءًا من معادلة الأمن القومي، وليس باحثًا يعمل داخل مختبر.

سميرة موسى، العالمة النووية التي اشتهرت بعبارتها: «أمنيتي أن يصبح علاج السرطان بالذرة مثل الأسبرين.»، لقيت مصرعها عام 1952 في حادث سيارة بولاية كاليفورنيا، بعدما سقطت السيارة في أحد المنحدرات.

يحيى المشد؛ كان المشد من أبرز علماء الهندسة النووية في مصر، وشارك في تطوير البرنامج النووي العراقي خلال سبعينيات القرن العشرين. في يونيو عام 1980، عُثر عليه مقتولًا داخل غرفته في أحد فنادق باريس.

حسن كامل الصباح، الملقب بـ«أديسون الشرق» الذي توفي في حادث سير عام 1935.

وفاة عالم الفيزياء اللبناني رمال رمال، إذ رفضت السلطات الفرنسية الكشف عن جثته.

وفاة المفكر والجغرافي المصري جمال حمدان، الذي لقي مصرعه حرقًا في بيته.

المهندس الفلسطيني فادي البطش، الذي اغتيل في ماليزيا عام 2018. وهذا إضافة إلى أسماء أخرى مثل سمير نجيب، ونبيل فليفل، وإبراهيم الظاهر.

العالمة المصرية سميرة موسى من العلماء الذين لقوا حتفهم في ظروف غامضة

البرنامج النووي العراقي

لم تكن وفاة يحيى المشد الحدث الوحيد الذي ارتبط بالبرنامج النووي العراقي.

فخلال تلك المرحلة، تعرضت منشآت ومعدات كانت مخصصة للمفاعل النووي العراقي لعمليات تخريب، كما وقعت انفجارات استهدفت أجزاء من المشروع قبل نقلها إلى العراق. وبعد ذلك بعام واحد فقط، نفذت إسرائيل عملية عسكرية عُرفت باسم «عملية أوبرا»، ودمَّرت خلالها المفاعل النووي العراقي في ضربة جوية استباقية عام 1981.

وتُظهر هذه الوقائع أن استهداف البرامج العلمية لم يكن يقتصر على الأشخاص، بل شمل أيضًا المعدات والمنشآت وسلاسل الإمداد، وهو ما يظهر أن الهدف كان تعطيل المشروع العلمي بالكامل، وليس مجرد التخلص من فرد بعينه.

النمط المتكرر في استهداف العلماء

ومع مرور العقود، تكررت حوادث مشابهة في عدد من دول الشرق الأوسط.

فقد شهدت برامج علمية وعسكرية في المنطقة عمليات اغتيال استهدفت علماء وخبراء، لا سيما في المجالات النووية والصاروخية. وفي بعض الحالات، أعلنت الحكومات المعنية صراحة اتهامَ أجهزة استخبارات أجنبية بالمسؤولية، في حين التزمت تلك الأجهزة الصمت أو امتنعت عن التعليق.

ومن أبرز الأمثلة ما تعرض له عدد من العلماء الإيرانيين منذ عام 2010؛ فقد اغتيل أكثر من باحث مرتبط بالبرنامج النووي الإيراني في عمليات نُفذت بوسائل مختلفة، من بينها عبوات ناسفة وأسلحة مزودة بكواتم للصوت.

وقد نسبت تقارير استخباراتية وصحفية غربية هذه العمليات إلى جهاز الموساد، كما عززت تصريحات لمسؤولين سابقين وتقارير استقصائية هذا الترجيح، وإن لم يصدر اعتراف رسمي شامل بكل عملية.

حرق مكتبة بغداد

ولا يقتصر استهداف الأمم على الأشخاص وحدهم، فالتاريخ يبين أن القضاء على مصادر المعرفة كان دائمًا أحد أساليب إضعاف الحضارات. ويُعد ما حدث في أثناء الغزو المغولي لبغداد عام 1258 من أشهر الأمثلة، إذ تعرضت «دار الحكمة» وغيرها من خزائن الكتب للتدمير، وضاعت أعداد هائلة من المخطوطات في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة والعلوم، حتى أصبحت هذه الحادثة رمزًا لضربة أصابت الذاكرة العلمية للعالم الإسلامي. 

وبناءً على ذلك ظهرت فكرة يرددها عدد من المؤرخين، وهي أن إضعاف أي أمة لا يكون فقط بإضعاف جيوشها، بل أيضًا بحرمانها من علمائها ومؤسساتها العلمية ومصادر معرفتها.

استنزاف العقول دون رصاصة واحدة

الحديث عن استهداف العلماء العرب لا يكتمل إذا اقتصر على الاغتيال فقط.

فثمة وسيلة أخرى أكثر هدوءًا، لكنها قد تكون أشد تأثيرًا على المدى الطويل، وهي استقطاب الكفاءات العلمية إلى الخارج.

فمنذ خمسينيات القرن الماضي، بدأت الجامعات ومراكز البحوث في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وكندا وأستراليا في استقطاب الباحثين من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم آلاف العلماء العرب.

ولا يمكن وصف كل هجرة بأنها مؤامرة أو استهداف؛ لأن كثيرًا من الباحثين غادروا بلدانهم بحثًا عن بيئة علمية أفضل، أو تمويلٍ أكبر، أو حرية أكاديمية أوسع. لكن المشكلة تكمن في أن الدول العربية أنفقت على تعليم كثير من هؤلاء العلماء، ثم فقدتهم في اللحظة التي أصبحوا فيها قادرين على الإنتاج العلمي.

وتشير تقارير صادرة عن منظمات دولية، من بينها «اليونسكو»، إلى أن هجرة الكفاءات العلمية من الدول النامية تمثل أحد أكبر التحديات أمام التنمية؛ لأن خسارة الباحث لا تعني خسارة شخص واحد فقط، بل خسارة سنوات من الاستثمار في التعليم والخبرة.

وقد أسهمت عوامل عديدة في هذه الظاهرة، مثل ضعف الإنفاق على البحث العلمي، وقلة المختبرات المتطورة، والبيروقراطية، وعدم الاستقرار السياسي في بعض الدول، ما جعل كثيرًا من العلماء يجدون في الخارج البيئة التي تمكنهم من تحقيق طموحاتهم.

وعليه، يصبح الاستنزاف العلمي أكثر تعقيدًا من الاغتيال؛ لأنه يحدث غالبًا بصورة قانونية، لكنه يؤدي في النهاية إلى النتيجة نفسها، وهي انتقال المعرفة إلى مكان آخر.

النمط المشترك

عند مقارنة الحالات المختلفة، يصعب تجاهل وجود عناصر متكررة، فمعظم العلماء الذين أثيرت حولهم قضايا اغتيال كانوا يعملون في مجالات ذات صلة بالطاقة النووية، أو الصواريخ، أو الصناعات العسكرية، أو التقنيات الحساسة. ثم إن كثيرًا من الحوادث وقعت خارج بلدانهم الأصلية، وفي توقيتات ارتبطت بمراحل مهمة من مشروعاتهم البحثية.

لماذا بقيت كثير من القضايا غامضة؟

من طبيعة العمل الاستخباراتي أن يترك أقل قدر ممكن من الأدلة المباشرة. ولهذا فإن كثيرًا من العمليات المنسوبة إلى أجهزة استخبارات لا تكشف تفاصيلها إلا بعد سنوات طويلة، وأحيانًا لا تُكشف أبدًا.

ثم إن الحكومات نفسها قد تمتنع عن نشر معلومات تمتلكها حفاظًا على مصادرها أو لأسباب سياسية، وهو ما يجعل المؤرخين يعتمدون على تجميع القرائن من وثائق متعددة بدلًا من انتظار اعتراف رسمي قد لا يأتي.

وهذا ما يفسر استمرار الجدل حول عدد من قضايا اغتيال العلماء حتى يومنا هذا.

تكشف الوقائع التاريخية أن استهداف بعض العلماء العرب لم يكن مجرد روايات متداولة، بل إنَّ حالاتٍ موثقة قُتل فيها علماء في ظروف ارتبطت بعملهم في برامج استراتيجية، في حين بقيت حالات أخرى في دائرة الاشتباه دون دليل قاطع. كما يتضح أن استنزاف الكفاءات عبر الهجرة والاستقطاب كان، ولا يزال، أحد أخطر أشكال خسارة العقول العربية، حتى وإن جرى في إطار قانوني.

والتاريخ يبين أن الدول التي نجحت في حماية عقولها وتوفير البيئة المناسبة لها، كانت الأقدر على تحقيق التقدم، في حين دفعت الدول التي فقدت علماءها ثمنًا باهظًا امتد سنوات طويلة.

من الاغتيال إلى استنزاف العقول

في العقود الماضية، كان اغتيال عالم بارز قد يؤدي إلى تعطيل مشروع كامل. أما اليوم، ومع اتساع المؤسسات العلمية ووجود فرق بحثية كبيرة، فإن خسارة شخص واحد لا تؤدي دائمًا إلى توقف المشروع، وإن كانت تترك أثرًا بالغًا.

لذلك يرى عدد من الباحثين أن المنافسة الدولية انتقلت تدريجيًا من استهداف الأفراد إلى استقطاب المنظومات العلمية كلها.

أصبحت الجامعات الكبرى ومراكز البحوث العالمية تتنافس على أفضل الباحثين، وتوفر لهم مختبرات متقدمة، وتمويلًا ضخمًا، ورواتب مرتفعة، وحرية أكاديمية، وفرصًا للعمل مع أفضل العقول في العالم.

وفي المقابل، تجد كثير من الدول النامية نفسها عاجزة عن توفير الظروف نفسها، فيغادر علماؤها دون أن يتعرضوا لأي تهديد، وإنما لأن البيئة العلمية في الخارج أكثر قدرة على تحقيق طموحاتهم.

والنتيجة النهائية قد تكون مشابهة لما يحدث في حالات الاغتيال؛ إذ تخسر الدولة عقولها، ويتوقف مشروعها العلمي، لكن دون إطلاق رصاصة واحدة.

ولهذا أصبح مصطلح «هجرة العقول» من أكثر المصطلحات تداولًا في الدراسات الاقتصادية والعلمية خلال العقود الأخيرة.

إعادة الاعتبار لمن رحلوا ومن سيأتون

رد الاعتبار الحقيقي لهؤلاء لا يكون فقط بإحياء ذكراهم، وإنما ببناء أجيال جديدة من الباحثين تستطيع أن تكمل الطريق الذي بدؤوه.

وأعظم تكريم لأي عالم هو أن تتحول أفكاره إلى واقع، وأن تستمر البحوث التي آمن بها، وأن يجد من يأتي بعده بيئة أكثر عدلًا وإنصافًا مما وجد هو.

ومع تكرار واستمرار تلك القصة الجميلة ذات النهاية المأساوية عبر التاريخ، ومع استمرار المنافسة على العلماء واستنزاف العقول، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، ظلَّ سؤالٌ يشغلنا: متى ومن سيحاسب الفاعل أو المسؤول عن اغتيال العلماء؟ ومتى سيوضع حد لكل ذلك؟ فهل ينبغي أن يدفعنا ذلك إلى الخوف من التقدم العلمي؟

وهل نكتفي باستذكار أسماء العلماء الذين فقدناهم، أم سنعمل على ألا يضطر الجيل القادم إلى مواجهة الظروف نفسها؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.