كيف تلاشت قيمنا أمام طوفان «التريند»؟

إن ما نشهده اليوم من اغتراب في الفضاء الإلكتروني ليس مجرد انتقال تقني، بل هو انصهار كامل لأخلاقياتنا وعاداتنا الشعبية المتوارثة في بوتقة الانفلات، لقد أعد هذا الواقع الافتراضي المزيف ليكون البديل الأقوى تأثيرًا وتدميرًا لواقعنا وحياتنا الاجتماعية؛ حيث أصبح العري واقعًا، وصار الحياء تخلفًا مذمومًا في ميزان العبث الرقمي.

في هذا المقال، نسلط الضوء على «الواقع الافتراضي» الذي ابتلع قيمنا، ونكشف كيف أصبحت «منصات التواصل الاجتماعي» ساحة للكذب والتدليس، مما جعل أرواحنا تبدو أشباحًا تحلق في فضاء عبثي، نرفض فيه واقعنا القاسي ونستعيض عنه بوهم مضلل يهدد ما تبقى من «النخوة العربية» وورق التوت الذي يستر بيوتنا.

ندمن الاغتراب في الفضاء الإلكتروني، وتنصهر أخلاقياتنا وعاداتنا الشعبية المتوارثة في بوتقة الانفلات والعبث والمجون لأقصى مدى، التي أعدَّها لنا من صنعوا هذا الواقع الافتراضي المزيف ليكون البديل الأقوى تأثيرًا وتدميرًا لواقعنا وحياتنا الاجتماعية، فأصبح العري أقرب من حبل الوريد، وأصبح الحياء تخلُّفًا مذمومًا، والنفاق هو أهم قدرات ومقومات النجاح اجتماعيًا ومهنيًا، والكارثة الأكبر أنه لم يعد يشعر أحد بأي انفصام أو وخزٍ في الضمير، حتى وصلنا إلى هاوية التغريب والضياع.

الاغتراب الإلكتروني

ابتلعت أخلاقيات الكذب والتدليس والتصيد المتجذرة والمصنوعة باستهداف واحترافية، لتكون العملة الأكثر رواجًا في منصات التواصل الاجتماعي، ما تبقَّى لدينا من قيم وأعراف ومبادئ توارثناها عبر قرون في مجتمعاتنا العربية، فلم يعد يوجد فرقٌ بين أخلاقيات أهل الخليج وأوروبا وإفريقيا وأميركا، فالكل يسبح في بركة وحل تحكمها قوانين قوة السيطرة والخديعة.

فتغيرت ملامحنا وطباعنا ونظرتنا للحياة وعلاقاتنا مع من نعيش ونعمل ونتعامل معهم، وأصبحت أرواحنا أشباحًا تحلق ليل نهار في فضاء عبثي، نرفض الواقع المُفقِر شديد القسوة، ونستعيض عنه بهذا الوهم لعله ينسينا أو ينجينا مما نحن فيه.

تواصل كتائب «العسس الإلكتروني» وجيوش الهكر والتلصص الشبكي نجاحها وسيطرتها على مراكز المخ وتفكير الشعوب، وتواصل أيضًا تقدمها بجدارة وامتياز في الترويج لأقدم مهنة في التاريخ، «البغاء»، بأموال يسيل لها لعاب المقهورين بالبطالة وسوء الأحوال الاقتصادية والعنوسة والتفسخ الاجتماعي، وبقناع براق حديث، وهو «تريند الاستربتيز» الذي أصبح الحلم الأعظم للوصول إلى القمة في هذا الفضاء العبثي.

فأصبح البث المباشر لتفاصيل ما يحدث في عمق الليل داخل غرف النوم إبداعًا ليس بجديد، وإدمانًا يسيل له لعاب من تغيرت جينات النخوة في عروقهم، بل اخترعوا لهذا الفحش عنوانًا يزين كشف العورات تحت مسمى «مذيعة لايف»، ويواصل طوفان هذا الفحش الاجتماعي، الذي ينتشر كالسرطان في جسد النخوة العربية، التهام الأخضر واليابس ليهتك ما تبقَّى من ورق التوت الذي يستر البيوت، لنصل جميعًا في النهاية إلى هاوية الموت مكتوفي الأيدي والأصوات.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.