نبدأ من حيث انتهينا في الجزء السابق..
...........
الجزء الثاني: عودة
مرّت الأيام والأشهر، والحال لم يتغيّر، بدأ السأم يخيم على روح مؤيد، والحزن يعصر قلبه. انشغال والده المتواصل، ودراسته التي لا تنقطع، وتحمله المسؤولية في سن صغير، وحاجته لمن يقف بقربه، أثقل كلّ ذلك كاهله، فأصبح كتومًا، قليل البوح، بالكاد يتحدث مع والدته أو يبوح لها بسر، متبعًا في ذلك مقولة قرأها في كتاب تقول: «لا تثقل كاهل من تحب بما لا يطيق».
لاحظت أمه تغيّره، وكثر صمته، فسألته ذات يوم عن حاله، وهل يشكو من شيء؟ فأجاب مقتضبًا: «أنا بخير والحمد لله». كان يكتفي بردود مقتضبة في كل مرة، إلا أن قلب الأم لم يدعها تنظر لولدها ولا تعلم ماذا به، فتركت سؤاله، وفكرت مليًّا، فأدركت أن السبب زوجها، ذلك الرجل الذي أحب المال يوم أن ملأت جيوبه، ونسي ما هو مهم، وهو عائلته.
في إحدى الليالي، وكان الجميع نائمون، جلس الأب في الصالة وحده، يتصفح هاتفه كعادته، فتوقف فجأة عند إحدى الصور القديمة. كانت صورة تجمعه بمؤيد يوم كان صغيرًا، يحمله على كتفيه وهو يضحك. الصورة أثرت فيه كثيرًا، فقد مرّت السنون، وشبّ مؤيد، وما عاد لتلك الضحكات وجود.
نام والد مؤيد تلك الليلة والصورة لم تغادر مخيلته، فما إن أغلق جفنيه حتى غطّ في نوم عميق، رأى في منامه وكأنه على الشاطئ ومؤيد لا يزال طفلًا، وهو يلاعبه، وينثر فوقه ذرات الماء وهو يضحك، وكذلك كان مؤيد يفعل، وفجأة رأى مؤيد وهو يكبر رويدًا رويدًا ويشب أمام عينيه ويخرج من البحر ذاهبًا بعيدًا عنه، وهو ينظر إليه بعيون الدهشة، ويصرخ فيه: «إلى أين يا مؤيد؟!». فتوقف مؤيد والتفت نحو والده بعينين حزينتين: «لماذا هذا البعد يا والدي؟!.. لماذا؟.. لماذا؟». ثم رحل عنه حتى غاب عن ناظريه. فاستيقظ مذعورًا من الحلم، وصوت مؤيد يتردد في أذنيه: لماذا؟.. لماذا؟
في صبيحة ذلك اليوم، وكان يوم الخميس، لم يغادر البيت أبو مؤيد كعادته، لكنه مكث في الصالة. لقد قرر، بعد أن رأى تلك الرؤية، أن ينظر في أهله ويصلح حاله.
اقتربت خطوات مؤيد من الصالة، وفي عينيه أثر إرهاق وتعب أيّامٍ وليالٍ طويلة، فنكس رأسه، واستحيى من نفسه، وأخذ يحدث نفسه: ياه، كم من الأيام مرّت ولم أنظر في وجه ولدي، مؤيد الذي أحب؟!.. تعجبت الوالدة من تصرف زوجها، إذ لم يكن كعادته، فنظرت إليه قائلة: «ما الأمر هذا اليوم؟.. لا أراك مستعجلًا كعادتك؟».
نظر إليها مبتسمًا، وجميع أولاده كانوا محاطين به على طاولة الطعام، يستعدون للذهاب إلى المدرسة، وردّ عليها قائلًا: «وددت أن أراكم، وأجلس بينكم ومعكم، فهل تسمحون لي؟!».
لم يصدق الجميع ما يسمعون، نظرت إليه زوجته، وعلى وجهها علامات الدهشة والفرح: «أمتأكد مما تقول؟!».
«نعم، هل تسمحون؟» قالها وهو يبتسم.
قال الجميع وهم مندهشون، وأعينهم أغرورقت بالدموع، وبصوت واحد: «نعم نسمح.. نسمح».
ثم أردف قائلًا والابتسامة لم تغادر محيّاه: «وأعدكم هذا المساء أن نخرج لنتمشى في الخارج معًا، ونقضي أحلى اللحظات، فما رأيكم؟».
نهض مؤيد واقفًا من الصدمة، وهو لا يصدق ما يحدث، كيف تغيّر والده فجأة؟ أهي دعوة في جوف الليل أصابت وجه السماء، أم هي صدقة أحيت قلب أبيه؟ قال في نفسه: «لا يهم، ليكن ما يكون، المهم أن والدي تغيّر، نعم، والدي تغيّر، الحمد لك يا الله، لك الحمد».
ثم انطلق مسرعًا نحو والده ليحتضنه، ويبكي على كتفه، لعله يريح قلبه الصغير المتعب من هموم الحياة.
فوقف والده وضمه بقوة بين ذراعيه، وهو يهمس في أذنيه: «سامحني يا بني، سامحني، أعدك أنني سأدعمك بكل ما أستطيع، سامحني على كل ما مضى».
لم يستطع مؤيد الرد على والده، واكتفى بصمته ودموعه المنهمرة المعبرة عن مشاعره، وعفوه عن والده.
في مساء ذلك اليوم، وبعد قضاء ليلة جميلة وممتعة مع والده، تناول مؤيد كتابه، وكتب بخط كبير في آخر صفحة منه، وتحت عبارته الأولى: «الغربة قد تبدأ من تجاهل، لكنها تنتهي بكلمة صادقة، والرجوع ممكن، ما دام أنّ في القلوب وعيًا بمعنى العودة».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.