اغتراب.. أقرب الناس وأبعدهم ج 1

في كل بيتٍ حكاية لا تُروى، ووراء كل صمتٍ وجعٌ لا يُقال. ليست كل الغربة سفرًا، وليست كل العودة دفئًا. أحيانًا يكون الغريب أقربنا دمًا، وأبعدنا قلبًا.
هذه قصة عن الغياب المؤلم في قلب الحضور، عن ابنٍ يشتاق إلى أبٍ يسكن معه السقف ذاته، لكنه لا يراه، لا يسمعه، ولا يشعر به... قصة تشبه وجعًا قديمًا نعرفه جميعًا.

الجزء الأول: غريبٌ وهو قريبٌ! 

في بيتٍ صغيرٍ يغمره السكون، يعيش مؤيد مع والديه وإخوته الثلاثة، ورغم أنه في سن الخامسة عشرة من عمره، في سنّ المراهقة كما يقولون، في السن التي يحتاج فيها إلى أبٍ يشد به أزره، ودفءِ نصيحة توقظ فكره، وعينٍ تلاحظ عمله، ويدٍ تأخذ بيده، كان يبدو قويًا.

لكن، آه من كلمة (لكن)، ليت (لكن) ليس لها وجود، لكن والده كان غارقًا في عالمه الخاص، في تجارته، ولقاءاته التي لا تنقضي، يسافر لقضاء بعض مهام تجارته في السعودية، ثم يعود بعدها إلى بيته، وليته لا يفعل! لم يكن لوجوده معنًى أو أثر، كان تحركه في بيته كضيفٍ مؤقت، لا يشاركهم طعامًا ولا حديثًا إلا قليلًا، جفت قيعان قلبه من الإحساس والاهتمام. تارةً تجده جالسًا في زاوية الغرفة متكئًا على الوسائد يمضغ ورق القات، وينفخ سيجارته مركزًا نظره في شاشة هاتفه، وتارةً تراه قابعًا في مكانه، مستغرقًا في صمته، مبحرًا في فكره، وتارةً أخرى يقضي الساعات خارج البيت دون أن يعود أو تراه العيون.

ذات مساء حين كان مؤيد جالسًا مع والدته في صالة الاستقبال، يتبادلان أطراف الحديث عن يومه الدراسي كانت والدته تستمع إليه باهتمام وهي تنظر في عينيه، فتبتسم حينًا، وتناقشه حينًا، وتُعلّق على حديثه حينًا آخر، إذ دخل عليهم والده فجأة، فخيم الصمت على المكان كالعادة، نظرا إليه ثم غضّا الطرف عنه وأشاحا بوجهيهما عنه، هو لم يعبأ بهما، فما إن جلس حتى رن هاتفه.

رفعه رادًا على المكالمة بحماس:

- أهلًا، أهلًا، لم كل هذا الغياب يا أبا محمد؟

قالها وهو يبتسم ويضحك..

- آه.. حاضر سآتي الآن".

أغلق سماعة الهاتف وهرع مسرعًا إلى الخارج، كأنه لم يرَ أحدًا، كأن ليس في البيت أحدًا.

- يا لخيبة أملي!

قالها مؤيد بحزن، نظرت إليه أمه، قائلة بصوتٍ خافت:

- أبوك صار غريبًا في بيته يا ولدي.

رد عليها والغضب باد على وجهه:

- أرأيت يا أمي..

ـ نعم، رأيت..

ـ أنا يا أمي لا أستطيع أن أستوعب، لم يفعل والدي هكذا؟ ألسنا أسرته؟ ألسنا أولاده؟ ألسنا مهمين بالنسبة إليه؟

ـ الصبر يا بني، سيتغير بإذن الله.

نظر إليها مؤيد وهو يزفر نفسًا عميقًا، ممسكًا دمعه المتجمع في محجري عينيه لكيلا يسقط، فيبدي ضعفه.

شعر كأن خنجرًا يطعن قلبه، لم يكن الأمر جديدًا بالنسبة إليه، لكنه كره هذه الحال، رد على أمه متسائلًا:

- متى يا أمي؟ متى؟

 وراح يتذكر آخر مرة تحدث فيها مع والده، تذكر تلك اللحظات الجميلة، وهو يضحك بين يديه، ويلاعبه في الحدائق وعلى الشطآن حتى أتت تلك التجارة التي غيرته، وأبعدته عنهم تمامًا.

كان والده حاضرًا بجسده لا بقلبه، بماله لا بذهنه، كان غائبًا عن تفاصيلهم الصغيرة، لا يعلم من شأنهم شيئًا، حتى زوجته! لا يعلم من أمرها شيئًا، فلا يقدر لها عملًا ولا تعبًا ارتسمت آثاره تحت عينيها أو بدا على جسدها.

في تلك الليلة بينما كان مؤيد يذاكر دروسه كتب في آخر صفحة على إحدى كتبه المدرسية بخط كبير، ودمعه يتدحرج على وجنتيه:

«الغربة ليست أن تسافر بعيدًا عن وطنك وولدك، الغربة الحقيقية أن تعيش في بيتك، لا تتحدث فيه مع أحد، ولا تهتم بأحد، ولا ترى أحدًا ولو كنتَ محاطًا بالجميع».

مسح دمعه، ثم ترك كتابه، وذهب إلى النوم، موقنًا أن بعض البيوت لا ينقصها المال، بل الدفء والحنان.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة