لقد حفل الميدان العماني بكثير من الشعراء في كل طبقة من طبقات الأجيال، وكانوا موسومين بالعفة والحكمة وجمال التعبير، وبراعة النظم، بلا تكلف، وإنما ينساب كما تنساب الأفلاج الموجودة في بيئتهم، فالسابق يطلب اللاحق، واللاحق يتبع السابق.
ولقد حفل عهد حكام النباهنة بكثير من الشعراء الأفذاذ، كالسلطان سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني (ت 1510م)، وهو آخر ملوكهم، وكاللواح والستالي، وشِعر شاعرنا يجود بالتصوير المجازي الجميل حتى يثرينا ويغنينا من تصويرات غيره من الشعر.
تأثر الشاعر بالشعر الجاهلي
لقد تأثر شاعرنا سليمان النبهاني بالشعر الجاهلي وبالشعر الإسلامي، فجاء نظمه على نظمهم، وهذا ما يظهر لنا في شعره، فقد عرج شعر الشاعر إلى صفوف الشعراء الجاهلين بقوته وبروقه وجماله الخالب للأنظار، وبرعده المسموع عند الاعتزاز الذي فيه الارتكاز لا الاهتزاز.
وهذا يعني أن شاعريته قوية جدًّا، منسوجة في ثوبي البلاغة والفصاحة، بما لديه من ملكات أدبية لا توجد إلا عند فطاحل الشعراء، إنه يمتلك الفصاحة في ألفاظه، فهي واضحة غير غامضة، ويمتلك الأسلوب، فلا هو بالسوقي ولا هو بغريب الكلمات التي تحتاج إلى معجم لمعرفتها، وتجزل في الألفاظ معانيها، فتسحر العقل وتسرق السمع؛ لتظهر حنكة الشاعر في كثير من الأمور، وليرفرف برتبته الباسقة التي يتفاخر بها إلى العلو، ويحمل عواطف نبيلة تجاه الأمور، في حين خالف الِشاعر الشعر الجاهلي في عدم ابتدائه بصورة غزلية عفيفة، وفعل ذلك؛ لأنه كان معتدًا بنفسه جدًّا.
اقرأ أيضًا: مقدمة القصيدة الجاهلية بين النمطية والتنوع
تأثر الشاعر بالشعر الإسلامي
والشاعر كثيرًا ما ينتقي الكلمات الإسلامية؛ مثل الرحمن في قوله:
وبه لعمرك يُعرف الرحمنُ **** والعقلُ رأس الفضل غيرُ مشارك
ولم يقل (يُعْلم الرحمن) بل استخدم (يعْرف)؛ لأن الله تعالى لا أحد يعلم به، وهذا يحكي عن دقائق فقه الشاعر وعقيدته، فغيبه لا يطلع عليه الملائكة والأنبياء والرسل والمقربون إلا بإذن الله وهو جزء يسير، وكثيرًا ما استأثر الله بعلمه، ويعرف الله من دلائل قدرته وصنائع يده، والله تعالى يعرفه كل البشر بغض النظر عن الدين، لكنهم يختلفون في العبادة بمعناها الخاص والعام.
ووردت كلمات إسلامية مثل (الديان)، وعبارة (كما تدين يدان)، والجزاء واجب في الإسلام، وكلمات (الإيمان) و(إيمان) و(السعير) و(القرآن) و(لقمان)، بل إن ما ذكره الشاعر من أمثال وحكم إنما هو موافقة لقيم إسلامية وأخلاق سامية، وكثيرًا ما يوافق أهل الجاهلية الأسوياء عليه.
افتتاحية القصيدة
وما يهمنا هو الحديث عن قصيدة شاعرنا التي تتكون من نحو 60 بيتًا، في مطلعها:
لي في الفصاحة حكمة وبيانُ **** وبلاغةٌ لم يحوها لقمانُ
والفصاحة هي الشعر الذي يوضِح المراد، والبيان عند البلاغيين هو التصوير من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز مرسل ومجاز عقلي، أما البلاغة فتشمل البيان والمعاني والبديع، و(لقمان) هو ذلك الرجل الصالح الذي جاء ذكره في القرآن الكريم، وقيل هو من الأنبياء، ولا يخفى افتخار الشاعر بنفسه واعتداده العميق بها، وذلك بتباهيه على لقمان في البيان، مع أن حكمة لقمان خلدها القرآن الكريم.
وهذه الافتتاحية فيها من الروعة والبراعة شيء كثير؛ لأنه ذكر فيها محور القصيدة الذي يشمل قسمين: الحكمة والبلاغة، فالحكمة تخرج من لباس التجارب، والبلاغة تخرج من لباس الألفاظ.
اقرأ أيضًا: الفخر في الأدب الجاهلي "دراسة موضوعية لشعر الفخر عند قيس بن الخطيم"
افتخار الشاعر بنفسه وبتجاربه الحياتية
لا يخفى أن الشاعر ملك وسلطان عماني، وأن لديه أمور العباد والبلاد يحكمها ويسوسها وينازل الأعداء ويدحر جمعهم، ومن كان على هذه الشاكلة، فلا بد أن يتحلى بالحكم الدينية والدنيوية، وهذا ما تراه من نظرتك إلى القصيدة التي تعرض حكمة الشاعر النابعة من تجاربه وتعرضه للأحداث التي مرت به قبل حكمه وفي مدة حكمه، فهو ينظر بعين ثاقبة للأشياء والحوادث والرعية.
وكان المفترض ألا يجد الوقت حتى يكون شاعرًا، ونرى أن الشاعر داهم حصن الشعر وكان رفيقًا به، واستخدمه للتعبير عن اعتزازه وتمجيد نفسه، ولوصف حكمه المكتسبة من حياته.
لذلك كان افتخار الشاعر بنفسه صدقًا وعن تجربة، فقد مارس الحياة حتى عرف ظاهرها وباطنها، ما يعطيه نظرةً تفاؤليةً حيال الحياة بلا تردد، وروحًا معنوية في السعي فيها بلا تلبد.
ويرى الشاعر أن الكريم مختبرة أيامه، ومحسن في تدبير أموره، لأن الأزمان تُعرف به، لصيت ذكره وحسن فعاله؛ لأنه من صنع الواقع الحلو، وهذه الأشياء تنطبق عليه، فهو قارن أحداث الحياة وصارعها وصارعته بشدة، لكن هذا الصراع والقران لم يفنِه، ولم يهلكه، فيقول:
ما الغرّ مثل معاجمٍ أيامهُ **** مارستُ أحداث الزمان ومارست
ومحبّك عُرِفت به الأزمانُ **** مني محكًا لم يبدهِ قِران.
ثم يفتخر باتصافه بنحو ست صفات، منها إنه كان يعرف ما يصير مستقبلًا، ثم ذكر السبيل إلى ذلك وهو زجر الطير، ومعرفة ما يكنّ صاحبه من النظر إلى قسمات وجهه، ثم يقول مثلًا عظيمًا وهو:
إذا دياجي الخطب أسدل ثوبها **** أطلعت فجرًا منه ليس يُرانُ
وهو يوافق المثل العماني: «الخير يولد من بطن الشر»، فالصعوبات يعقبها البشاشة والانفراج والتيسير، ولن يغلب عسر يسرين، ولم يذق الحلو من لم يذق المر.
دعوة الشاعر إلى التعقل ونبذ الحسد
قال الشاعر:
والعقل رأس الفضل غير مشارك **** لا تحسدن أخا البلادة عظمةً
والعقل بعل للحياة ومنهما **** وبه لعمرك يُعرَف الرحمنُ
فالعقل يغني عنك لا الجثمانُ **** نتج الجمال ووُلِد الإيمان
فالعقل ولا شيء معه نال أعلى درجات الفضل، ثم إن رأس الرجل أعلى ما فيه، وفي الأثر عن الحسن: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْعَقْلَ، قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، وَقَالَ: مَا خَلَقْتُ خَلْقًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ إِنِّي بِكَ أُعْبَدُ، وَبِكَ أُعْرَفُ، وَبِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي» (شعب الإيمان للبيهقي)، وجاء في الحديث: «النَّاسُ يَعْمَلُونَ بِالْخَيْرِ، وَإِنَّمَا يُعْطَوْنَ أُجُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ». (شعب الإيمان للبيهقي).
ومن فضل العقل أن معرفة الله تكون به؛ لذلك لا ينبغي أن تحسد عظمة البليد، وكفاك عقلك عن ذلك، وهنا ينتهي الشاعر بمثل جميل وهو أن العقل دوره كزوج للحياة، إذ لا تصلح الحياة دونه، وبهما معًا يكون الجمال والصلاح، والإيمان بالله، والجمال هو الحسن والزينة، وهو ضد القبح.
إذن، العقل بصيرة الإنسان، والوحي نور يضيء له الطريق، ولا يخفى ما في البيت الثالث من استعارات بلاغية تصور الأشياء حتى ترسخ في الذهن.
اقرأ أيضًا: كعب بن زهير.. شعر عن الشوق والحب
الحياء لباس
والحياء لا بد أن يلازم وإلا خسرنا خسارة فادحة، وأي أحد يريد أن تنتهك كرامته؟ والجواب: لا أحد، لكن من يريد ذلك يصبح ذليلًا بائساَ، فيقول:
ولطالما منع الكريم حياؤه **** فاحفظ حياءك لا تبدد ماءه
عما يروم بفعله الإنسان **** إن المريق لمائه خسرانه
ويرى الشاعر ذلة الذي يغبط الذليل، لأنه حقيق أن يؤاخي الذلة والهوان، والذلة والانقياد والهوان والاحتقار، ويرى الغبطة تكون للشجاع الباسل والكريم الباذل.
الكرامة تاج
ويرى الفضل للكريم الجواد المصان عرضه عن مخارم المروءة، فيقول:
لا حمد إلا لامرئ متطول **** بذل اللها والعرض منه مصانُ
ويصور الشاعر نظرات ينتابها شيء من التشاؤم، فهو يرى أن الكريم إذا سقط رفضه إخوانه كما يرفضون الأجرب، وهو المصاب ببثور في جلده ذو المنظر القبيح، قال:
وإذا الكريم كبت به أيامه **** رفضه رفض الأجرب الإخوانُ
الرجل القوي
ويرى شاعرنا أن القوي لذاته يعينه الناس، فإذا سقط انقلبوا عليه، وكما يقول المثل: إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه، قال:
والناس أعوان القوي لذاته **** وهم عليه إذا هوى أعوانُ
إن الكريم والقوي ممن يستحق المدح، أما اللئيم فهو غير محمود على أي حال، ولو ملك الورى فميزانه بخس غير راجح؛ لأنه خبيث الطبع ناكر للجميل، مسيء للآخرين.
الساذج الملوم
والمرتدي باللوم لم يرجح له **** في الحمد لو ملك الورى ميزان
الموت والابتلاء ليسا دعوى
ثم ذكر الشاعر أن الموت (الردى)، لا شماتة فيه ولا شتم، فهو عاقبة كل إنسان، وبعد الموت يجد جزاء العمل، وكما تعمل ستجزى، قال:
لا تشتمن ردي قوم غالهم **** صرف الردى وكما تدين تدان
وقد يعني البيت أيضًا أن الشدة (الردى) هي ابتلاء من رب العالمين، وهي لحكمة، وهي خير للمبتلى إذا صبر، وليس معناه أن الله يبغضه، فالمرض طهور المؤمن، وجزاء المؤمن الفقير خير من المؤمن الغني.
وعقب ذلك حذَّر من الذي يلوم المرء بشدة، وهو إن أبدى خضوعه له دل على المكيدة، ومتى ما تلاشى إن أمكنته الأيام منه، وصار ذا قوة وبأس وقدرة، أخذ ينقلب عليه ويعتدي، غير آبهٍ بالإحسان الذي أسداه ذلك المرء إليه، قال شاعرنا:
لا يخدعنك للعذول خضوعه **** لو أظفرته يد المقادر لمحة
فخضوعه لمكيدة برهانُ **** بل لم يرد مراسه الإحسان
اقرأ أيضًا: ما قاله امرؤ القيس عن شعر الغزل
قبول عذر الصديق
ثم يأمر بقبول عذر الصديق الوفي، فهو من الإيمان، الذي أمرنا بالمحبة والسماحة والوفاء والتصديق، والإنسان بطبعه لا ينفك عنه الخطأ والإساءة، قال:
واعذر إذا اعتذر الصديق لزلة **** فقبول عذر أخي الوفا إيمانُ
تواضع الراعي يخضع الرعية
ثم يأمر الحاكم وولي الأمر بخفض الجناح لرعيته، فهو محتاج إلى معونتهم، والله يدبر ذلك له، وذلك لجلب الناس حوله، وبالمقابل عليه أن يعاقب الطغاة المفسدين والمتمردين لمحو أخطارهم، قال:
واخفض جناحك للرعية لاطفًا **** وارم الطغاة بدردبيس صمه
بهم يعنك بلطفه الديانُ **** لم يلق منها أولاك عيانُ
ثم يذكر الشاعر آراءه الحربية مفاخرًا بنفسه وقوته ونسبه، ولولا مخافة التطويل لجدر بنا أن تُذكَر.
في الحقيقة ونحن نتأمل هذه القصيدة نرى مرآة صافية تعكس لنا شاعرية الشاعر، وتعكس لنا تجاربه في كثير من الأمور التي استخلص منها حكمًا جليلة، فخرجت كزهور الربيع تخلب الأنظار بجمالها، وتبهج النفوس بمنافعها، وتسقي العطشى بزلالها، والله ولي التوفيق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.