إعمار الموصل كيف يبني السكان مدينتهم بجهودهم الخاصة؟

بعد سنوات من انتهاء العمليات العسكرية، لا تزال الموصل تعاني من آثار الدمار الذي لحق بها. وفي ظل غياب المساعدات الحكومية الفعلية، لجأ سكان المدينة إلى الاعتماد على جهودهم الخاصة لإعادة بناء ما تهدَّم من بنيتها التحتية ومرافقها الخدمية.

مبادرات فنية وتربوية: ألوان تكسر غبار الدمار

علي فنان تشكيلي محلي، بدأ مشروعًا تطوعيًا لرسم جداريات على المباني المتضررة في حي النبي يونس. يقول علي إن هذه المبادرة جاءت بعد انتظار طويل لمشروعات ترميم حكومية لم تأتِ. يستخدم الفنان مواد بسيطة يشتريها من ماله الخاص، ويهدف بعمله إلى تحسين المظهر البصري للأحياء المدمرة، وتقليل الأثر النفسي السلبي للخراب على السكان.

تجربة علي تظهر واقع المبادرات الفردية في المدينة: جهود متواضعة الإمكانيات، لكنها تسد جزءًا من الفراغ الذي تركته الجهات الرسمية.

في حي الجمهورية، أعادت المعلمة مريم فتح مدرسة ابتدائية متضررة بجهودها الشخصية. اشترت من مدخراتها سبورة ومستلزمات تعليمية أساسية، في ظل عدم توفر التمويل الحكومي اللازم لتأهيل المدرسة بشكل كامل.

تواجه المدرسة تحديات كبيرة: نقص في المقاعد والكتب، انقطاع متكرر للكهرباء، وحاجة ماسة لترميم الأبواب والأسقف. على الرغم من ذلك، استمرت مريم في التدريس معتمدة على تبرعات محدودة من الأهالي والمعارف.

هذا النموذج يتكرر في أحياء عدة من الموصل، فقد اضطر المعلمون والأهالي لتحمل أعباء إعادة تشغيل المدارس دون دعم حكومي كافٍ.

ترميم التراث: سباق مع الزمن بين المنظمات والإهمال

على صعيد المباني التاريخية، تدخلت بعض منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية لترميم جزء من معالم الموصل الأثرية. نفذت منظمات مثل اليونسكو وبعض المنظمات غير الحكومية مشروعات لإعادة تأهيل أجزاء من الجامع النوري والكنائس التاريخية في المدينة القديمة.

ترميم الموصل

لكن هذه الجهود تبقى محدودة النطاق مقارنة بحجم الدمار الذي لحق بالتراث العمراني للمدينة. تركِّز معظم مشروعات الترميم على معالم محددة ذات أهمية رمزية، في حين تظل مئات المباني التاريخية الأخرى -من البيوت الموصلية القديمة والخانات والأسواق التقليدية- خارج دائرة الاهتمام لعدم توفر التمويل الكافي.

يشير مراقبون محليون إلى أن مشروعات الترميم التي تنفذها المنظمات الدولية، على الرغم من أهميتها، تستغرق وقتًا طويلًا وتخضع لإجراءات إدارية معقدة، وتركيزها على المعالم الكبرى يترك فراغًا في حماية النسيج العمراني التقليدي للمدينة القديمة، الذي يتعرض للتدهور التدريجي بسبب الإهمال وعوامل الزمن.

بعض المنظمات المحلية حاولت سد هذا الفراغ بمشروعات توثيق وترميم صغيرة للبيوت التراثية، لكن إمكانياتها المالية والفنية المحدودة تجعل تأثيرها محدودًا. النتيجة أن جزءًا كبيرًا من التراث المعماري الموصلي يواجه خطر الضياع النهائي في ظل غياب استراتيجية حكومية شاملة للحفاظ عليه.

روح المدينة تعود: مبادرات شبابية تخلق الأمل

قرب سوق السرجخانة، افتتح ثلاثة شبان مقهى صغيرًا باسم (بوح) بتمويل ذاتي محدود. جمعوا الأثاث من بيوتهم ومن التبرعات، وحوَّلوا المكان إلى مساحة ثقافية تستضيف أمسيات شعرية وموسيقية.

يقول أحد المؤسسين إن فكرة المشروع جاءت بعد إدراكهم أن انتظار دعم رسمي لإنشاء مراكز ثقافية غير واقعي. المقهى يعمل بموارد محدودة جدًا، لكنه يوفر مساحة نادرة للنشاط الثقافي في مدينة فقدت معظم مرافقها الثقافية.

رتاج، طالبة هندسة، تعمل على مشروع بحثي حول مواد بناء منخفضة التكلفة. تقول إن المشروع نابع من الحاجة الفعلية لحلول اقتصادية لإعادة الإعمار في ظل شح التمويل الحكومي.

بالتوازي، يعمل صديقها أحمد على منصة رقمية لتوثيق قصص الناجين من الحرب وتجاربهم في إعادة البناء. يشير أحمد إلى أن هذه المبادرات الشبابية تملأ فراغًا في التوثيق والتخطيط الذي كان يُفترض أن تقوم به الجهات الرسمية.

المبادرات الشبابية في الموصل تتنوع بين حملات تنظيف تطوعية، ومشروعات اقتصادية صغيرة، ومبادرات ثقافية، وكلها تعتمد على الجهد الذاتي والموارد المحدودة للمشاركين.

إعادة إعمار على أكتاف الأهالي

ما يحدث في الموصل يطرح تساؤلات جدية حول استدامة إعادة الإعمار المعتمدة على الجهود الفردية وإسهامات منظمات المجتمع المدني المحدودة. فبينما تظهر هذه المبادرات قدرة السكان على المبادرة والصمود، فإنها لا تغني عن الحاجة إلى تدخل حكومي منظم ومدعوم ماليًا لإعادة بناء البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ضعف الدعم الرسمي الفعلي دفع بسكان الموصل إلى اليأس من انتظار المساعدات الرسمية، والاعتماد بشكل شبه كامل على إمكانياتهم الذاتية. هذا الواقع أنتج نموذجًا فريدًا من إعادة الإعمار، لكنه نموذج يحمل في طياته تحديات كبيرة تتعلق بالاستدامة والعدالة في توزيع الموارد.

إعادة بناء الموصل تسير ببطء، لكن المدينة تتحرك بفضل سواعد أهلها وإسهامات محدودة من منظمات المجتمع المدني. السؤال الذي يبقى مطروحًا: إلى متى يمكن للجهود الفردية والمبادرات الأهلية أن تعوِّض ضعف الدور الحكومي في إعادة إعمار مدينة بحجم الموصل وبتراثها الغني؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة