اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط أصبح شائعًا ومنتشرًا في السنوات الأخيرة، ما يستدعي فهمًا أعمق وأكثر تعاطفًا لهذه الحالة التي تؤثر في حياة كثيرين، في هذا المقال، وهو جزء من سلسلة مخصصة لرحلة العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، ونسلط الضوء على السمة الأبرز لهذا الاضطراب: ضعف التركيز والانتباه. سنستلهم رؤى قيمة من كتاب عقول مشتتة للطبيب الشهير جابور ماتيه الذي يشاركنا تجربته الشخصية ورؤيته الإنسانية لهذا الاضطراب الذي قد يحمل في طياته قوة خارقة مخفية. ونهدف إلى تقديم مسارات للتعافي واكتشاف الذات، بعيدًا عن الحلول السريعة، نحو فهم أعمق وتصالح مع هذه السمة الفريدة.
السمة الأولى.. ضعف التركيز والانتباه
سأكون معكم في هذا المقال الذي هو جزء من سلسلة عن أهم ما يقال في رحلة العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يتكلم عن الموضوع الذي أصبح تريند هذا الزمن، وهو (اضطراب قصور الانتباه وفرط النشاط) أو ما يعرف بـ(ADHD)، ولهذا اخترت أن يكون أول كتاب أتحدث عنه هو كتاب عقول مشتتة (Scattered Minds) للكاتب جابور ماتيه، المصاب هو نفسه بهذا الاضطراب.
ولهذا اتخذت قرارًا بتعزيز التوعية، كوني أكثر معرفة بهذا الاضطراب، ولكنني في الحقيقة أسميه القوة الخارقة المخفية.

قد يكون سبب قصور الانتباه ليس وراثيًّا جينيًّا، بل سببه استجابة فسيولوجية نتيجة العيش في بيئة معينة وفي ثقافة خصائص محددة، بمعنى أن كل شخص بيننا يتأثر بمحيطه جيدًا، وعندما يبدأ الوعى لدى هذا الشخص لديه الحرية والاختيار، وبمعنى آخر أنت لست مذنبًا عزيزي القارئ، ولكن بمجرد معرفة ذلك الاضطراب عليك مصاحبته حتى تتمكن من التعافي منه.
لا أقول لك اذهب فورًا وتناول أدوية مهدئة للأعصاب حتى تتمكن من مزاولة يومك بكل إنتاجية، بالطبع لا، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن كثرة الأدوية المهدئة تؤدي إلى الإدمان، ويمكن أن تدمر الجهاز العصبي بالكامل، وهنا نريد أن نصلح لا نخرب، خصوصًا أن الأدوية الموصوفة لهذا الاضطراب تعود إلى 6 عقود مضت، والأعراض تختلف بين شخص وآخر، حتى لو وُجد تشابه في الأعراض الأساسية، بمعنى آخر كما قال الطبيب جابور إن الدليل التشخيصي والإحصائي أكثر ما يُعنى بالفئات التشخيصية لا بالألم.
طرق التعافي حسب الطبيب جابور ماتيه
سأملي عليك طرق التعافي التي ذكرها الطبيب جابور ماتيه بطريقة واضحة وجميلة، حتى تتمكن من مصاحبة الاضطراب واكتشاف قوتك الخارقة، لكن قبل ذلك عليك معرفة أن ما يتميز به هذا الاضطراب هو 3 صفات أو أعراض وهي:
- ضعف التركيز والانتباه
- الاندفاعية
- فرط النشاط
لكننا في هذا المقال نتكلم عن طرق التعافي لأول سمة، (ضعف التركيز والانتباه) لأنها أبرز صفة أو عرض، حيث يسكن جسدك لكي يتمكن من فصل تركيزك أو ذهنك عن الواقع، بمعنى (سرحان غير مبرر ومتكرر)، فدائمًا ما تضيع منك أشياؤك المهمة أو حتى غير المهمة، ما يجعلك لا تعرف الاستمتاع بحياتك، حيث تجد نفسك في دائرة الاكتئاب عندما تكتشف ما فاتك أو ما نسيته.
يقول الطبيب جابور: إن هذه الحالة تسمى (قانون الأنتروبيا) وهو الذي يسود حياة المصاب بالاضطراب، وهو: (النظام عارض.. والفوضى مطلقة).
كونك وصلت إلى هنا في هذا المقال، فقد بدأت بفك لغزك وبداية مصاحبة الاضطراب، أنت فعلًا استثنائي، لذلك في السطور القادمة سنذكر عدة أشياء مهمة كنت تفعلها أو فعلت معظمها، ونذكر حلها بالمقابل، وبالطبع لكل شخص منا طريقته.
- أولًا: قلة من المصابين يتمتعون بمهارات يدوية استثنائية، فهم قادرون على تفكيك وإعادة تركيب أشياء معقدة، أو يمتلكون أكثر من موهبة، وهم بارعون فيها كلها لأنهم يعتمدون على حواسهم فقط.
الحل: اترك لنفسك اكتشاف كل شي وموهبة، وراقب نفسك ومدة تركيزك بها، إذ يجب ألا تقضي أكثر من نصف ساعة أو ساعة فيها.
- ثانيًا: الغالبية لديهم (صعوبات التنسيق الحركي) خصوصًا المهارات الحركية الدقيقة، بمعنى أنهم غير قادرين على حساب المسافة بينهم وبين أي جماد أمامهم ويسهل جدًا الاصطدام به.
(الحل): حاول أن تجعل جل تركيزك في السير، أو استعن بيدك إذا لم تجد من يساعدك، حتى تحافظ على المسافة بينك وبين الجماد الذي أمامك، إذا كنت في بيتك فحاول بقدر الإمكان ترتيب المنزل بطريقة تناسب حركتك.
- ثالثًا: هناك أيضًا (إدراك ضمن الأبعاد الثلاثية)، وهو تخيل الأشياء عند ذكرها ووصفها بالحديث أو الكتابة عنها.
(الحل): علاجها الوحيد القراءة الكثيرة خصوصًا الروايات، وإذا لم تقدر فاسمع كتابًا صوتيًا، لتعزيز مخيلتك أكثر، وهذا عن تجربة شخصية.
- رابعًا: (الإدراك المكاني) وهو قدرة استيعاب المصاب للمكان والزمان الموجود فيه، فهو يعمل مع تشتت الانتباه، حيث التشتت البصري والسمعي معًا.
(الحل): للتشتت السمعي بإمكانك سماع نوع من الموسيقى اسمه lofi chil بسماعة الأذن إذا فشلت في العثور على مكان هادئ.
وللتشتت البصري يمكنك العثور على مكان تفضله خارج المنزل لا يزوره كثير من الناس، مثل مقهى أو مكتبة عامة، ويفضل أن تطلع أهلك والمقربين على ذلك، أو أن تهيئ غرفتك بصور وضوء مريح لعينك.

وأختم هذا المقال بملاحظتين:
- التشتت لا يحدث طول الوقت، بل يوجد أيضًا فرط التركيز، وقد يكون أكثر من اللازم، وهذا يحدث عندما يجذبك شيء تحبه بشدة، ستجد نفسك منفصلًا عن الواقع بنسبة 100%، وهذا خطأ تمامًا فالاعتدال مطلوب، هذه الحالة من التركيز المفرط أخبرنا الطبيب جابور عنها وهي (الشغف)، لذلك عليك مراقبة نفسك جيدًا، لكي يدرك مخك، وتستخدم هذه القوة الخارجة بطريقة إيجابية.
- (ضعف التركيز وتشتت الانتباه) قوة شعورية وفسيوعصبية كما وصفها الطبيب جابور؛ لأنها هي من تقود المصاب عن غير وعي منه، لهذا قد يهمل أشياء أخرى سواء في الدراسة أو العمل أو في الحياة عمومًا.
لهذا عزيزي القارئ أنت لست مذنبًا، وإنما مقدر لك أن تكتشف قوتك الخارقة بهذا الشكل، أعلم أنه سيكون صعبًا في البداية، لكن الرحلة تستحق ذلك صدقني، وأنا سأكون معك في باقي الرحلة بمقالات أخرى.
إن رحلة التعايش مع اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، ولا سيما مع سمة ضعف التركيز، هي رحلة فريدة تتطلب فهمًا عميقًا للذات وصبرًا ومثابرة، ويوضح لنا الدكتور جابور ماتيه، أن الأمر لا يتعلق فقط بإدارة اضطراب، بل باكتشاف الطاقات الكامنة والتعامل مع العالم بطريقة مختلفة قد تكون مصدر قوة وتميز، نأمل أن تكون هذه السطور قد ألهمتك لبدء أو مواصلة رحلتك نحو فهم أعمق لنفسك أو لمن تهتم بأمرهم، وتذكر دائمًا أنك لست وحدك، وأن كل خطوة نحو الوعي هي خطوة نحو حياة أكثر إشراقًا وتناغمًا.
مقال مفيد جدا
أسعدنى ذلك
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.