هل تُعد البيرة فعلًا مشروبًا مرطبًا وأقل ضررًا كما يشاع في مجالس الأصدقاء؟ كثيرًا ما يقع الشباب فريسة لهذه الخرافة، مدفوعين بضغوط اجتماعية ورغبة في مجاراة الأقران. لكن خلف المظهر الخادع للمشروب (الخفيف)، تختبئ أضرار جسيمة لا يتم الحديث عنها بما يكفي.
يستعرض هذا المقال العميق التأثير الحقيقي للجعة على الجسم، بدءًا من توسع المعدة واضطراب الهضم، مرورًا بزيادة الوزن غير الصحية، ووصولًا إلى الخطر الكامن الذي يهدد الكلى بسبب المواد الحافظة، لنكشف لماذا قد تكون الجعة أشد المسكرات ضررًا على المدى الطويل.
لا يكاد اليافع يراهق ويدخل حلقة الشباب، حتى ينساق مع أقرانه إلى ارتياد أمكنة اللهو والمباذل، ويضطر بحكم التقليد والمحاكاة والمحاباة، لأن يسايرهم بتناول قليل من المسكرات، فإذا ما مج فمه طعم العرق أو الويسكي، أو صدفت نفسه عن تعاطي المسكرات بجميع أنواعها خوفًا على صحته، تطوع كل من حوله لتسفيه رأيه، والإلحاح عليه بضرورة تناول بعض المشروبات، فإذا لم يستسغها فعليه بالبيرة.
وهنا يتقمص المتكلم شخصية الطبيب المجرب، فيعدد له فوائدها، ويزين محاسنها، ثم يصف ما تورثه من حمرة في الخدود، ونشاط في الجسم، وإدرارًا في البول يطيح بالرمال.
فهي مشهية وهاضمة، وتزيد في وزن شاربها وتضفي عليه صحة وعافية، وهي من صنف المرطبات لا من زمرة المشروبات، تعين على الانفضاج «التعرق» شتاء، وتخفف وطأة القيظ صيفًا، وبالاختصار فإنه يجعل منها ترياقًا لجميع الأدواء، ومزيلًا لكل نصب وعناء.
وإذا ضم مجلس أنس وطرب، أناسًا لم يألفوا الراح ولا الراح ألفتهم، ران عليهم الخجل والحياء، واستحيوا أن يُعدوا رجعيين متأخرين في المدنية عن أقرانهم، فإذا ما جاءهم النادل «الخادم»، زاغت أبصارهم في محاجرهم ثم تخيروا أخف المشروبات أذى على ما يزعمون، فيطلبون الجعة وما عرفوا أن الجعة أشد المسكرات ضررًا، وأعمقها أثرًا.
النشوة الكحولية.. الهدف الخفي وراء الكميات الكبيرة
إن شارب الخمرة لا يقربها -على الرغم من رداءة طعمها ومرارة مذاقها- إلا طلبًا لنشوة ملكت عليه حواسه، فكلما هاجته ذكرى أو أثارت مشاعره حوادث سارة أو مؤلمة، راح يعاقر الكأس ليزيد في نشوته ومتعته، أو ليغرق في غيبوبة عن آلامه وشقوته.

وتتأتى هذه النشوة من الغوْل «الكحول» الموجودة فيها، لذلك نجد المدمنين يتعاطون المشروبات الغنية بالغول بالكؤوس الصغيرة، ويمدونها بالماء أو الصودا ليخففوا غولها، ويتعاطون الجعة الفقيرة من الغول بالكؤوس الواسعة والزجاجات الكبيرة، ليستوفوا نصيبهم اللازم من الغول، وبذلك تكون النتيجة في الحالتين واحدة، وهي دخول كميتين من الغول متقاربتين بالكم، مختلفتين بالكيف.
أضرار الجعة على الجهاز الهضمي والوزن
إن شارب الجعة لم يقتصد إذن في تعاطي المادة المسكرة بانتقائها، بل زاد في امتلاء معدته فوسعها ومددها بمشروب كبير الحجم، وبتكرار تعاطي المشروبات بأحجام كبيرة تصاب المعدة بالتوسع، والهضم بالاضطراب، وبنتيجة العادة والإدمان ينقص احتراق الأطعمة ويبطؤ التمثيل، فيكثر شحم الشارب، ويزداد وزنه شحمًا وورمًا، لا قوة وحيوية ونشاطًا.

وهذه الظاهرة معروفة شعبيًا باسم (كرش البيرة)، وقد دعمت دراسة منشورة في مجلة Nutrients عام 2021 العلاقة بين استهلاك البيرة وزيادة الدهون الحشوية (دهون البطن)، ما يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري من النوع الثاني.
خطر المواد الحافظة.. الوجه المظلم لحفظ البيرة
وثمة ضرر ثالث يتأتى عن الجعة دون سائر المشروبات الروحية، هو اضطرارنا لتناولها محفوظة داخل علب القصدير أو زجاجات مختومة، وأن المعامل تضيف عادة إلى الجعة مادة «أسيد ساليسيليك» لحفظها من التعفن، والأسيد ساليسيليك مادة مخرشة للكلى وبالتالي مخربة لها، وبينما يظن شاربها أنها مدرة للبول مطهرة للكلى، فإذا بها تعمل في تخريبها كأنها المعول الهدام.
تجدر الإشارة إلى أن استخدام حمض الساليسيليك مادة حافظة في الأغذية والمشروبات، بما في ذلك البيرة، قد تم حظره أو تقييده بشدة في عدد من البلدان في أنحاء العالم بسبب آثاره الصحية. وتعتمد المصانع الحديثة اليوم على تقنيات البسترة والتصفية المعقمة للحفاظ على المنتج، ولكن لا يزال هذا الخطر قائمًا في بعض المنتجات غير الخاضعة للرقابة الصارمة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.