يعد البكاء لغة فطرية تتجاوز مجرد ذرف الدموع، فهو استجابة بيولوجية معقدة تشترك فيها الهرمونات والجهاز العصبي والقلب. ورغم أن كثيرين يرون فيه ضعفًا، لكنه في الواقع صمام أمان يقي الروح والجسد من انفجار الضغوط المكبوتة.
في هذا المقال، سنغوص في أعماق الجسد البشري لنفهم ما الذي يحدث خلف الكواليس عند ذرف الدموع، وكيف يمكن لهذه العملية البسيطة أن تكون دواءً وداءً في آن واحد، مستعرضين تأثيراتها على العين، والقلب، والنظام الهرموني للبالغين والأطفال على حد سواء.
ما هو البكاء؟

فوائد البكاء: كيف تعيد الدموع توازنك النفسي؟
يُعد البكاء وسيلة فعالة لتفريغ الطاقة السلبية من الجسم. ففي أغلب الأحيان يشعر الإنسان بشيء من الراحة النفسية بعد البكاء. ومن أهم الفوائد الناتجة عن البكاء ما يلي:
- يعمل على تخفيض مستويات الهرمونات التي تؤدي إلى الانفعال؛ ما يسهم في تحسين الحالة المزاجية.
- يساعد في خفض مستوى ضغط الدم، وهو أمر مفيد لمن يعانون ارتفاعه.
صحيح أن الإفراط في البكاء قد يضعف جهاز المناعة، ولكن البكاء المعتدل يُسهم في تعزيز كفاءة الجهاز المناعي؛ ما يزيد قدرته على مقاومة كثير من الأمراض والعدوى التي قد يتعرض لها الجسم.
إن الدموع التي تذرفها العين في أثناء البكاء تُساعد في ترطيبها؛ إذ تُعد العين من أكثر أجزاء الجسم حاجة إلى الماء، فالجفاف قد يُسبب لها أضرارًا كبيرة مثل الالتهابات المؤلمة والمُضرة بالنظر.
تُسهم الدموع أيضًا في تنظيف العين من العوامل الخارجية الضارة كالأتربة والأوساخ العالقة في الهواء، والتي تتعرض لها العين باستمرار، كما يُسهم سيلان الأنف البسيط الناتج عن البكاء في تنظيف الأنف والشعيرات المرتبطة به من الشوائب والأتربة التي تدخل مع الهواء الخارجي.
يساعد انخفاض مستوى الانفعال بعد البكاء في النوم واستعادة التوازن العاطفي؛ ما يجعل الشخص أكثر قدرة على التعامل مع حالات الخوف الشديد أو الفرح المفرط بطريقة أفضل.
أضرار البكاء على الصحة
لا يمكننا تعميم أضرار البكاء الكثير على صحة البالغين؛ لأن تأثيره يختلف من شخص لآخر تبعًا للحالة الصحية والنفسية لكل فرد. فبينما قد يمر بعض الأشخاص بتأثيرات سلبية واضحة نتيجة البكاء قد لا يشعر بها آخرون بالدرجة نفسها. ومع ذلك فبعض الآثار الجسدية والنفسية شائعة بين معظم الناس، وإن لم تظهر جميعها دفعة واحدة عند كل من يبكي.
في الفقرات التالية سنتعرف بشكل مبسط على أبرز هذه التأثيرات، ونجيب عن سؤال ماذا يحدث لجسمك بعد أن تبكي كثيرًا؟
أضرار البكاء على العين
يؤدي البكاء المستمر إلى انتفاخ الجفون نتيجة تجمع السوائل في الأنسجة المحيطة، واحمرار الملتحمة بسبب توسع الأوعية الدموية. كما أن فرك العين أثناء البكاء قد يسبب خدوشًا بسيطة في القرنية.

وإن كنت تسأل: هل يعالج جفاف العين؟ فالإجابة هي: نعم ولا. الدموع القاعدية (التي تفرز باستمرار) هي التي ترطب العين. أما دموع العاطفة، فهي تحتوي على نسبة مياه أعلى وأملاح أقل، ورغم أنها ترطب العين مؤقتًا، فإن الإفراط في البكاء قد يتبعه جفاف مؤقت بسبب اختلال توازن الطبقة الدمعية.
ماذا يحدث للقلب عند البكاء؟
عند البكاء، يتفعل الجهاز العصبي الودي (Sympathetic)، مما يؤدي لزيادة ضربات القلب وارتفاع طفيف في ضغط الدم نتيجة التوتر العاطفي. لكن بعد انتهاء نوبة البكاء، يتفعل الجهاز الباراسمبثاوي الذي يعمل على تهدئة ضربات القلب وإرخاء العضلات، ما يفسر الشعور بالراحة اللاحقة.
ماذا يحدث للقلب عند البكاء قبل النوم؟
- تسارع النبض: يحفز الحزن إفراز الأدرينالين، مما يرفع ضربات القلب وضغط الدم بشكل مؤقت ومجهد.
- إجهاد العضلة: يضطر القلب للعمل بجهد مضاعف نتيجة اضطراب التنفس ونقص الأكسجين المؤقت أثناء النحيب.
- آلام الصدر: غالبًا ما تكون ناتجة عن تشنج عضلات القفص الصدري وليس إصابة في القلب نفسه.
- الإرهاق الشديد: بعد البكاء، تنخفض الطاقة فجأة، مما يسبب شعورًا بـ الخمول التام والإنهاك الجسدي.
تاثير البكاء قبل النوم على الجسم
يود كثيرون معرفة ما إذا كان البكاء قبل النوم يسبب الوفاة، والإجابة المباشرة هي أن البكاء قبل النوم لا يسبب الوفاة مباشرة من الناحية العلمية، رغم انتشار الشائعات حول انفجار شرايين العين أو القلب بسبب البكاء، ولكنها مبالغ فيها طبيًا للأشخاص الأصحاء.

حقيقة متلازمة القلب المنكسر
أما إذا أردت معرفة المخاطر الحقيقية فهي ان البكاء الشديد قبل النوم يؤدي إلى الصداع النصفي، وتورم الوجه، والأرق. أما الوفاة (ما يعرف بمتلازمة القلب المنكسر)، فهي حالة نادرة جدًا تحدث نتيجة صدمات عاطفية عنيفة تؤدي لضعف مؤقت في عضلة القلب، وليس لمجرد البكاء العادي.
أضرار البكاء بدون صوت (البكاء المكبوت)
البكاء الصامت أو الخنقة هو الأكثر إرهاقًا للجسم؛ لأنه يحبس التعبير الحركي والتنفسي الطبيعي، مما يؤدي إلى:
- تشنج عضلات الحلق (الغصة).
- صداع توتري شديد نتيجة ضغط العضلات في الرأس والرقبة.
- تراكم هرمونات التوتر (الكورتيزول) في الجسم دون تفريغها، مما قد يؤثر سلبًا على جهاز المناعة على المدى البعيد.
ماذا يحدث للأنثى عند البكاء؟
عندما تبكي الأنثى، يتفاعل جسدها مع العاطفة بدرجة أعمق نتيجة عوامل هرمونية وبيولوجية، وإليك ملخص ما يحدث وأهم أضرار البكاء قبل النوم للبنات:
- التفريغ الهرموني: يحتوي دموع الأنثى على تركيز عالٍ من هرمون البرولاكتين والمنشط لقشرة الكظر (ACTH)؛ لذا فإن البكاء يقلل من مستويات التوتر الكيميائي في جسدها ويمنحها شعورًا بـ الراحة النفسية بعد الانتهاء.
- تغيرات الوجه والبشرة: بسبب رقة الجلد في منطقة العين لدى الأنثى، تظهر آثار التورم والاحمرار بوضوح نتيجة توسع الأوعية الدموية وتجمع السوائل، وهو ما قد يسبب إجهادًا للبشرة إذا تكرر كثيرًا.
- تشنج العضلات: غالبًا ما تشعر الأنثى بـ غصة في الحلق وآلام في الرقبة والكتفين؛ لأن كتمان الصوت أو النحيب يسبب تشنجًا في العضلات اللاإرادية.
- الصداع التوتري: نتيجة للضغط النفسي وتوسع الأوعية الدموية في الرأس، تعاني الكثير من الإناث من صداع شديد يمتد لساعات بعد نوبة البكاء.
- استنزاف الطاقة: يستهلك البكاء طاقة بدنية كبيرة، مما يؤدي إلى رغبة ملحة في النوم أو الشعور بـ الخمول التام نتيجة انخفاض مستويات الكورتيزول بعد بلوغها الذروة.
هل البكاء يسبب الموت؟
بشكل مباشر وطبي، البكاء لا يسبب الموت، فالبكاء هو عملية فسيولوجية طبيعية يقوم بها الجسم لتفريغ الشحنات العاطفية والسموم الكيميائية، وليس فعلًا قاتلًا في حد ذاته.
لكن توجد حالات استثنائية وتفسيرات طبية دقيقة يجب توضيحها:
- متلازمة القلب المنكسر: في حالات الحزن الكارثي (وليس مجرد البكاء العادي)، قد تؤدي الصدمة العصبية إلى ضعف مؤقت ومفاجئ في عضلة القلب. هذه الحالة نادرة جدًا وقد تكون خطيرة، لكن المسبب هنا هو الصدمة العاطفية العنيفة وليس فعل البكاء نفسه.
- الإجهاد البدني: البكاء الشديد والمستمر يرهق الجهاز التنفسي والدوري، مما قد يسبب ضيق تنفس أو إغماء مؤقت نتيجة نقص الأكسجين، لكنه لا يصل إلى حد الوفاة لدى الأشخاص الأصحاء.
- أصحاب الأمراض المزمنة: بالنسبة للأشخاص الذين يعانون أصلاً من مشاكل حادة في القلب أو ضغط الدم المرتفع جدًا، قد يؤدي الانفعال الشديد المصاحب للبكاء إلى إجهاد العضلة، لذا ينصح دائمًا بتهدئتهم فورًا.

تأثير البكاء المفرط على الأطفال
على الرغم من أن البكاء يُعد جزءًا طبيعيًا من مرحلة الطفولة، فالطفل يبدأ حياته بالبكاء مع أول أنفاسه، فإن الدراسات الحديثة كشفت عن بعض الأضرار التي قد تصيب الطفل نتيجة البكاء المفرط. وأبرزها ما يلي:
- ارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول: ما يؤدي إلى شعور الطفل بالإجهاد وضيق في التنفس.
- ضعف الجهاز المناعي: الإفراط في البكاء يضعف مناعة الطفل، فيجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض، مثل نزلات البرد، والعدوى الناتجة عن البكتيريا والفيروسات.
- اضطراب فرط الحركة وضعف الانتباه: وهو ما يمكن أن يؤثر مباشرة في التحصيل الدراسي للطفل.
- تعوُّد الدماغ على نسبة عالية من الأدرينالين: فعندما يعتاد الطفل الرضيع على البكاء المفرط، يتأقلم دماغه مع مستويات مرتفعة من الأدرينالين، وهذا قد يجعله أكثر عرضة لمشاعر الحزن والاكتئاب المزمن في مراحل عمرية لاحقة.
- انخفاض مستوى هرمون النمو: وهو أمر مقلق، خاصة في المرحلة العمرية التي يكون فيها الجسم في حاجة للنمو السليم.
- تأثير في القدرة الإدراكية: البكاء المفرط قد يؤثر أيضًا في تطور القدرات العقلية والإدراكية لدى الطفل.
- تأثير سلبي في النواقل العصبية: وهذا قد يؤدي إلى ظهور أعراض تشبه أعراض الاكتئاب التي تصيب البالغين.
هل البكاء يرفع درجة حرارة الجسم؟
البكاء المجهد، خاصة عند الأطفال أو في حالات النحيب الشديد، قد يرفع درجة حرارة الجسم قليلًا (بشكل غير مرضي) نتيجة الجهد العضلي واضطراب التنظيم الحراري أثناء الانفعال.
في نهاية المطاف، يظل البكاء رحمة وهبها الخالق للإنسان ليتنفس من خلالها وجعه ويغسل بها هموم قلبه. ورغم أن العلم حذر من الإفراط في الحزن لما له من تبعات على القلب والمناعة، فإن كتمان الدموع ليس حلًا أبدًا، فالتوازن في التعبير عن المشاعر، وفهم لغة أجسادنا عند الانفعال، هو السبيل الأفضل للحفاظ على صحة نفسية وجسدية مستقرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.