نزال في الأدغال.. قصة أضخم حدث رياضي في التاريخ بين محمد علي وفورمان

تخيَّل ما أضخم حدث رياضي حدث في العالم على الإطلاق؟ كأس العالم لكرة القدم؟ دورة الألعاب الأوليمبية؟ دوري أبطال أوروبا؟ دورة ويمبلدون للتنس؟ سباق فورميلا 1؟ كأس العالم للرجبي؟ دوري NBA؟

لك أن تتخيل أن كل تلك البطولات الرياضية على الرغم من أهميتها الكبيرة وضخامة عدد مشجعيها في كل أنحاء العالم، فإنها لا تُعد أضخم حدث رياضي تم في العالم، بل فيوجد حدث رياضي عالمي هو الذي يحظى بهذا اللقب حتى الآن، وتابعه ربع سكان الأرض تقريبًا. والغريب أن هذا الحدث الرياضي الضخم لم يُقم في أوروبا أو أمريكا، لكن هذا الحدث الضخم أُقيم في دولة إفريقية فقيرة تُدعى زائير (الكونغو الديمقراطية حاليًا).

لكن ما هذا الحدث الرياضي الضخم الذي أقيم في تلك الدولة الفقيرة؟ وما ظروف وأسباب اختيار زائير لتكون مكانًا لهذا الحدث؟ ولماذا يُعد هو الحدث الرياضي الأكبر والأهم والأضخم في العالم؟

الحدث الرياضي العالمي الأضخم في العالم كان نزال الملاكمة الأسطوري الذي عُرف باسم (نزال في الأدغال) (Rumble in the Jungle) الذي جمع بين العملاقين محمد علي وجورج فورمان.

لكن ما قصة هذا النزال الذي جمع بين الأسطورتين محمد علي كلاي وجورج فورمان؟ ولماذا يُعد هو أعظم حدث رياضي في التاريخ؟

العودة إلى حلبات الملاكمة

بدأ الأمر عندما مُنع الملاكم الشهير محمد علي كلاي من ممارسة رياضة الملاكمة، وسُحب لقب بطولة العالم للوزن الثقيل منه بسبب رفضه التجنيد في صفوف الجيش الأمريكي في أثناء حرب فيتنام. لكن الملاكم العنيد لم ييأس، وقرر العودة مرة أخرى للمنافسة في حلبات الملاكمة وهو في سن الـ 31، وحقق انتصارات عدة على بعض المنافسين حتى وصل إلى  المنافسة على بطولة الملاكمة في الوزن الثقيل مرة أخرى.

عاد محمد علي إلى المنافسة  في حلبات الملاكمة مرة أخرى لكنه خسر مباراة القرن الشهيرة أمام الخصم القوي جو فريزر

وكان خصمه هو الملاكم القوي جو فريزر الذي أطاح بكثير من منافسيه في طريقه للبطولة؛ ولذلك أطلق عشاق رياضة الملاكمة على تلك المباراة مباراة القرن. وكانت تلك المباراة بسبب قوتها وشهرتها فرصة جيدة لكلاي لكي يعود مرة أخرى للأضواء بعد مدة طويلة عانى فيها من الظلم والإجبار على الابتعاد عن أمجاده التي صنعها، وأيضًا لسوء أوضاعه المالية على نحو كبير. ولكن للأسف خسر كلاي تلك المواجهة أمام جو فريزر.

محمد علي كلاي بطل لا يعرف اليأس

لكن محمد علي لم ييأس ولم يبقَ أسيرًا لتلك الهزيمة، بل قرر العودة مرة أخرى إلى حلبات الملاكمة، ونافس ملاكمين أصغر منه اسمًا وسنًا، حتى وصل مرة أخرى وهو في سن 33 عامًا إلى نهائي البطولة، كان بطل العالم وقتها هو الملاكم جورج فورمان الذي كان يبلغ من العمر 23 عامًا فقط، أي إنه يصغر كلاي بـ10 سنوات كاملة.

فورمان كان قد حصل على بطولة العالم مرتين، خاض 40 مباراة، فاز في 37 منها بالضربة القاضية. كان خصمًا قويًا وصعبًا على نحو كبير. كانت الصحافة تصفه أنه وحش بشري، (جو فريزر) الذي فاز على كلاي من قبل لم يصمد أمامه، وخسر بالضربة القاضية في الجولة الثانية.

كانت المباراة بلغة الأرقام ليست سوى نوع من الانتحار لمحمد علي أمام خصم لا يعرف الرحمة. كل وسائل الإعلام ومشاهير رياضة الملاكمة حذروا كلاي من المباراة التي ستكون نهايته. فورمان بنفسه أعلن أنه سوف يقتل كلاي في تلك المباراة حتى ينهي أسطورته تمامًا من الوجود، لكن محمد علي لم يكن ليستسلم لحالة الخوف التي ملأت نفوس الجميع من تلك المباراة وقرر أن يخوضها، ولكنه اختار أن تقام المباراة في زائير.

لماذا أقيم النزال بالأدغال في زائير؟

كان لاختيار محمد علي دولة إفريقية فقيرة كزائير، بل تُعد أكثر دول العالم فقرًا في ذلك الوقت، ردود أفعال قوية في كل وسائل الإعلام. فورمان نفسه في البداية رفض، ولكن استفزازات كلاي ووسائل الإعلام له جعلته يوافق على خوض المباراة.

أقيمت المباراة يوم 30 أكتوبر 1974 في استاد زائير الرئيس  في كينشاسا وحضر المباراة 60 ألف متفرج ونقلتها قنوات العالم

لكن السبب الحقيقي وراء إقامة مباراة محمد علي في زائير كان ماليًا وسياسيًا، فقد وعد المروج الأسطوري دون كينغ (Don King) كل ملاكم بمبلغ 5 ملايين دولار، وهو مبلغ فلكي في ذلك الوقت. ولتأمين هذا المبلغ، أقنع كينغ رئيس زائير آنذاك، موبوتو سيسي سيكو (Mobutu Sese Seko)، بتمويل الحدث وعدّه وسيلة للترويج لبلاده على الساحة العالمية.

كانت المشكلة الرئيسة أن زائير لم يكن بها حلبة ملاكمة؛ لذلك تم تجهيز حلبة ملاكمة داخل استاد كرة قدم. وبدأ العالم كله يستعد لنقل تلك المباراة التاريخية؛ فلعبة الملاكمة كانت رياضة شعبية في معظم الدول في ذلك الوقت.

وفي الوقت الذي كان فورمان يتدرب من أجل تلك المباراة في صالات تدريب مجهزة على أعلى مستوى، كان محمد علي يستعد للمباراة في زائير التي لا تملك أي استعدادات للتدريب. كان تركيزه الأكبر وقتها أن ينقل من خلال جولاته التي يقوم بها والتي تتابعها كافة وسائل الإعلام الظروف الصعبة التي يعيشها شعب زائير والفقر الذي يعانون منه. جعل هذا الشعب في زائير يتعلق به ويهتف باسمه في الشوارع (Ali, bomaye!) (علي، اقتله!)، ويتخذ محمد علي مثلًا أعلى له.

اللقاء الأعظم في القرن العشرين.. تفاصيل الليلة التاريخية

تحدد للمباراة أن تُلعب يوم 30 أكتوبر 1974 في استاد زائير الرئيس في كينشاسا، وحضر المباراة 60 ألف متفرج، ونقلت المباراة قنوات العالم كله.

ظل فورمان أول 7 جولات متفوقًا على محمد علي تفوقًا واضحًا وفي الجولة الثامنة وجَّه محمد علي الضربة القاضية لفورمان

استراتيجية روب أ دوب.. كيف خدع علي العالم؟

في تلك المباراة نفَّذ محمد علي إستراتيجية غريبة في رياضة الملاكمة لم يكن يستخدمها من قبل، وهي الإستراتيجية التي أصبحت من أشهر التكتيكات في تاريخ الملاكمة وعرفت باسم (Rope-a-dope) أو (إستراتيجية الحبال)؛ فقد بقي أغلب الوقت يدافع فقط، وترك الهجوم كله لفورمان. كانت خطته أن يستغل غضب فورمان ويجهده ويفقده طاقته تمامًا. وفعلًا ظل فورمان أول 7 جولات متفوقًا على محمد علي تفوقًا واضحًا، لكن في الجولة الثامنة ووسط تشجيع جنوني من الجماهير وجَّه محمد علي الضربة القاضية لفورمان وفاز بالمباراة.

لم يكن أكثر المتفائلين لكلاي أو المتشائمين لفورمان يتوقع تلك النهاية، لكن هذا الوحش البشري سقط من عرش الملاكمة ليعتليه كلاي الذي ظن الجميع أنها نهايته الحتمية.

عاد محمد علي كلاي أسطورة الملاكمة عاد ليؤكد أنه لم يطلق عليه لقب أسطورة من فراغ؛ فقد تحدى كل عوامل الفشل من حوله ليحوِّلها إلى أعظم انتصار رياضي في تاريخ الملاكمة، بل في تاريخ الرياضة.

تصريحات محمد علي بعد المباراة

بعد نهاية تلك المباراة التاريخية كان التصريح الأهم في حياة محمد علي عندما صرح بأنه أحد السود الذين ظُلموا بسبب لونهم، وأحد المسلمين الذين ظُلموا بسبب دينهم، وأن بطولة العالم لم تكن معركته، لكن معركته الأساسية كانت رفض الظلم في هذا العالم، لقد رسخت هذه المباراة مكانته ليس فقط كرياضي عظيم، بل كرمز عالمي للعدالة والمقاومة.

تلك كانت تفاصيل أعظم حدث رياضي في التاريخ، استحق هذا اللقب لما حققه من نتائج؛ فلم يكن مجرد مباراة ملاكمة عظيمة، ولكن كان أكبر من ذلك بكثير، لقد كان اللقاء المسمى (نزال في الأدغال) لحظة ثقافية وسياسية ورياضية فريدة، تقاطعت فيها قصة عودة بطل مظلوم، مع طموحات دولة إفريقية، لتصنع أسطورة خالدة تم توثيقها في أفلام شهيرة مثل الفيلم الوثائقي الحائز على الأوسكار When We Were Kings.

تكمن الأهمية الثقافية لإقامة المباراة  في زائير  في ربطها نضال الأمريكيين من أصل إفريقي بنضال الأفارقة من أجل هويتهم

كيف غيّر نزال في الأدغال عالم الرياضة؟

لم يكن نزال في الأدغال مباراة عادية، إنما كان ظاهرة ثقافية عالمية تركت إرثًا خالدًا.

  • على المستوى الرياضي: رسخ النزال مكانة محمد علي كونه أعظم ملاكم في التاريخ، وأظهر أن الذكاء الإستراتيجي يمكن أن يتفوق على القوة الغاشمة.

  • على المستوى الثقافي: كانت أهمية مباراة محمد علي في زائير الثقافية تكمن في أنها ربطت نضال الأمريكيين من أصل إفريقي بنضال الأفارقة من أجل هويتهم، ما جعل علي رمزًا عالميًا للفخر والتحرر.

في النهاية، يظل (نزال في الأدغال) هو أضخم حدث رياضي في التاريخ ليس فقط بسبب عدد مشاهديه، ولكن بسبب قصته الملهمة. لقد كانت قصة عن العودة من الهزيمة، وتحدي المستحيل، وانتصار الإرادة البشرية والذكاء على القوة المطلقة. لقد أثبت محمد علي كلاي في تلك الليلة في كينشاسا أنه لم يكن بطلًا رياضيًّا فحسب، بل كان أيقونة ثقافية وسياسية غيَّرت العالم داخل الحلبة وخارجها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.