أين كان يختبئ القادة في أوقات الطوارئ؟ في أوقات الطوارئ والحروب والصراعات والأزمات الكبرى، عادةً ما يلجأ الرؤساء والقادة إلى أمكنة سرية تُعرف بـ(الملاجئ السرية للزعماء)، ليس فقط بغرض الاختباء والابتعاد عن الأعين، وإنما من أجل القدرة على ممارسة القيادة واتخاذ القرارات، وربما إدارة الأمور لتكون أماكن القيادة السرية المحصنة. وهو ما اشترك فيه معظم الرؤساء والقادة على مرِّ السنوات عبر تاريخ المخابئ الحربية، على الرغم من اختلاف هذه الملاجئ والأمكنة السرية بين ما هو محصن فوق الأرض وتحتها، وبين ما هو مخبأ في الأحياء السكنية القديمة.
في هذا المقال نصحبكم في جولة تاريخية استثنائية؛ لنتعرف على أهم الأمكنة السرية التي لجأ إليها الزعماء والرؤساء في أوقات الطوارئ والصراعات والحروب أو مخابئ الرؤساء في الحرب، في أمكنة مختلفة من العالم.
ونستون تشرشل تحت الأرض.. غرف حرب تشرشل
أين كان يختبئ ونستون تشرشل أثناء الحرب؟ على الرغم من أن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل (Winston Churchill) كان يقود الحكومة من المقر المعروف في (10 داوننج ستريت) في لندن طول الحرب العالمية الثانية، فإن غارات الألمان بدأت تطال لندن بوتيرة متصاعدة، ما استدعى البحث عن أماكن سرية للرؤساء في أوقات الأزمات، وهو ما جعل أحياء العاصمة غير آمنة على رئيس الوزراء الذي قرر أن ينتقل إلى أحد الملاجئ السرية الذي شيدته الحكومة البريطانية تحت وزارة الخزانة لمثل هذه الظروف، واستخدمه مقرًا للإقامة والقيادة في الوقت نفسه، واشتهر بعد ذلك باسم غرف حرب تشرشل (Churchill War Rooms).

وكانت السلطات البريطانية قد عملت على إنشاء هذا المخبأ السري عام 1939 وقبل إعلان الحرب بأسبوع واحد، وكأنهم كانوا يشعرون بما سيحدث بعد ذلك، فقد تحوَّل المخبأ الأرضي إلى غرفة لقيادة الجيش والبحرية وسلاح الجو لضمان إدارة الأزمات في الحرب العالمية الثانية في أثناء الهجمات الجوية الألمانية على لندن، وحينئذ عرف العالم أين اختبأ تشرشل أثناء الغارات الجوية.
وكان المخبأ محصنًا بسقف خرساني مسلح بسمك ثلاثة أمتار، وعلى الرغم من ذلك بذلت القوات البريطانية جهدًا كبيرًا من أجل التمويه وعدم تسرب أخبار هذا المخبأ، فلم يكن مسموحًا بدخوله إلا لبعض الأشخاص من ذوي المكانات الرفيعة في الدولة، ومع استخدام تصاريح خاصة وأوامر مشددة بعدم استخدام اسم المخبأ في الهاتف تجنبًا لتسرب مكان المخبأ في حالة التنصت على الهاتف.
وكان المخبأ الأرضي الذي لجأ إليه رئيس الوزراء ونستون تشرشل على عمق 12 قدمًا من سطح الأرض، يحتوي مجموعة من الممرات من أجل التهوية وتصريف المياه ودخول الأكسجين، إضافة إلى وجود مجموعة من الغرف والقاعات التي استُخدمت للاجتماعات واحتضان الخرائط الخاصة بالمعارك. وكان المخبأ كبيرًا إلى حد ما، فقد كان يستوعب نحو 500 شخص يعملون على كتابة التقارير وتحديث الخرائط، وينام معظمهم في منطقة تحتوي أسرَّة صغيرة عرفت باسم الرصيف.
أما رئيس الوزراء ونستون تشرشل، فكان له جناح داخل المخبأ يضم مكتبًا وسريرًا، وكان يلقي منه الخطابات الإذاعية في وقت القصف الألماني. وكان يعمل في غرفة نومه معظم النهار، وفي أوقات قليلة كان يلتقي بالمعاونين في قاعة الاجتماعات. وضم المخبأ الأرضي في لندن خط اتصال خاصًا مشفرًا استطاع من خلاله رئيس الوزراء التواصل مع شخصيات عسكرية وقيادية كبرى مثل الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت.
وقد استطاعت القوات البريطانية أن تحتفظ بسرية المخبأ الأرضي طول الحرب العالمية الثانية، ولم تكشف عنه إلا بعد نهاية الحرب بمدة كافية. وافتتحته بريطانيا عام 1984 ليكون متحفًا ذا قيمة خاصة، وضمته إلى المتحف الحربي البريطاني، وعُرف باسم (غرف حرب تشرشل)، وأصبح مزارًا للسياح والزوار من جميع أنحاء العالم.
أدولف هتلر وقبو الفوهرر بين عرين الذئب والنهاية
يُعد الزعيم النازي أدولف هتلر (Adolf Hitler) أحد أكثر الرؤساء الذين تنقلوا بين الأمكنة السرية والمواقع المحصنة في أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد كان كثير التنقل بغرض إدارة العمليات وقيادة التحركات العسكرية واللقاءات المستمرة مع قادة الجيش في كل مكان، فكان من أشهر مخابئ قادة الحرب العالمية وأكثرها تحصينًا مكانان كانا الأهم بين الملاجئ السرية التي لجأ اليها أدولف هتلر، وهما عرين الذئب (Wolf's Lair)، وقبو الفوهرر (Führerbunker).
كان عرين الذئب في بولندا، وقضى فيه أدولف هتلر أوقاتًا متقطعة، وكان مكانًا مفضلًا له بسبب أنه مؤمَّن بطريقة كبيرة. لكن قبو الفوهرر هتلر هو ما يمكن أن نطلق عليه مخبأ الأيام الصعبة، فقد لجأ إليه أدولف هتلر في أيامه الأخيرة، وشهد تصاعد الأحداث ووصولها إلى الذروة، حتى انتحر أدولف هتلر بعد هزيمة جيوشه في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكانت القوات الألمانية قد بدأت في بناء عرين الذئب (Wolf's Lair) في بولندا عام 1941 في منطقة ذات كثافة شجرية عالية في شمال شرقي بولندا، وأصبح المكان مقرًا لقيادة العمليات في الجبهة الشرقية حيث مواجهة الاتحاد السوفيتي.

وكان الموقع يضم أكثر من 80 مبنى من الخشب والخرسانة، وجرى تأمينه بواسطة ثلاثة نطاقات تأمينية، إضافة إلى زرع حقل ألغام حول عرين الأسد، لكن أدولف هتلر الذي كان يحب الموقع ويقضي فيه وقتًا كبيرًا أمر بتفجيره قبل أن تنسحب القوات الألمانية من بولندا؛ وذلك حتى لا تستولي عليه قوات الاتحاد السوفيتي.
ما هو قبو الفوهرر ولماذا بناه هتلر؟
في بداية عام 1945 لجأ أدولف هتلر إلى قبو الفوهرر في برلين الذي بُني تحت حديقة المستشارية في العاصمة الألمانية، وهو مثال صارخ على تصميم ملاجئ دكتاتوريي الحرب العالمية الثانية، فكانت الأمور قد وصلت إلى ذروتها، فقضى أدولف هتلر في القبو أسابيع عدة، قبل أن تنتهي الحرب بهزيمة الجيش الألماني وانتحار أدولف هتلر في مخبئه السري.
وتشمل تفاصيل بناء قبو الفوهرر الذي استخدمه هتلر في أيامه الأخيرة، مرحلتين منذ عام 1936 حتى عام 1944 على مساحة 250 مترًا مربعًا وعلى عمق 8.5 متر تحت الأرض، فكان من أقوى مخابئ تحت الأرض في وقته، وجرى تحصينه بالخرسانة المسلحة بسُمك أربعة أمتار ليتحمل القصف العنيف. وكان الموقع يتكون من مستويين: القبو الأمامي بُني أولًا عام 1936 ويضم مجموعة من الغرف التي تمثل الخدمات وأمكنة الموظفين؛ والمستوى الثاني الذي يضم مكان إقامة الزعيم النازي، وبُني عام 1944 ليضم 30 غرفة صغيرة للنوم والاجتماعات والسكرتارية والحرس الخاص والاتصالات.
وكانت مجلة تايم الأمريكية قد كتبت تقريرًا عن قبو الفوهرر، وقالت إن المكان يُعد بيئة سيئة؛ بسبب تسرب المياه الجوفية وارتفاع الرطوبة. وقالت المجلة أيضًا: إن القبو كان مخبأً لمجموعة من كبار مساعدي أدولف هتلر في الأسابيع الأخيرة للحرب، إضافة إلى رفيقته إيفا براون ووزرائه المقربين مثل جوزيف جوبلز.
وكان أدولف هتلر قد انتحر يوم 30 إبريل عام 1945 عندما أطلق النار على نفسه أمام رفيقته إيفا براون التي تناولت مادة سامة، وأُحرقت جثتاهما بناءً على وصية مسبقة.
وعندما اقتحمت القوات الروسية قبو الفوهرر كتبت في تقريرها أن المكان أشبه بالمتاهة الخانقة، وأن رائحة الديزل كانت تفوح منه، وأكدت التقارير الأمنية أن قنبلة واحدة يصل وزنها طنًا كانت كفيلة بسحق القبو السري، لكن أحدًا لم يعرف بأمره حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وانتحار الزعيم النازي.
موسوليني والملجأ المدرع
كما أعد الرؤساء والزعماء ملاجئ وأمكنة حصينة وأمكنة سرية للجوء إليها في أوقات احتدام المواجهات في الحرب العالمية الثانية، كان الزعيم الإيطالي موسوليني (Benito Mussolini) أيضًا يعد أمكنة خاصة به ليكون بمأمن من الغارات الجوية للحلفاء ضمن ملاجئ سرية القادة، لا سيما في الأوقات التي تعرضت فيها العاصمة روما للقصف العنيف، حتى يكون هو وعائلته في أمان، وهو ما جعله يوجه نظامه لبناء مجموعة من الملاجئ المحصنة. لكنه لم يبتعد كثيرًا، فقد بنى هذه الملاجئ أسفل فيلا ترولينا التي يقيم فيها رسميًّا ملجأ موسوليني تحت فيلا ترولينا.

وفعلًا، بدأ العمل على إنشاء ثلاثة ملاجئ تحت فيلا ترولينا مع بداية الحرب العالمية الثانية، فكان الملجأ الأول هو قبو النبيذ القديم الموجود تحت الفيلا منذ القرن التاسع عشر، فجرى تأهيله وتجهيزه ليكون ملجأً مؤقتًا في أوقات الطوارئ والغارات الجوية، لكن هذا الملجأ كان مكشوفًا على نحو كبير، وكان بعيدًا عن مقر القيادة الرئيسة، وهو ما جعله لا يرتقي إلى المستوى الأمني المطلوب.
من ناحية أخرى، بدأ العمل على ملجأ ثانٍ في المكان نفسه تحت الفيلا التي يقيم فيها الرئيس موسوليني، فقد تحوَّل المخزن القديم إلى مخبأ آمن بتعزيزه بالخرسانة المسلحة التي وصل سُمكها إلى 120 سم، وتركيب أبواب محصنة مانعة لتسرب الغاز، إضافة إلى تركيب نظام تهوية جديد. لكن هذا الملجأ ظل غير مقاوم للقنابل المتوسطة والثقيلة، إضافة إلى عدم وجود نظام اتصالات متقدم أو أنظمة إنذار مبكر، بعكس الملاجئ والمخابئ الأخرى التي بُنيت في إنجلترا وألمانيا.
أما الملجأ الثالث فهو أشهر هذه الملاجئ الخاصة بالزعيم الإيطالي موسوليني؛ لأنه كان الملجأ الأكثر تطورًا على مستوى البناء والهندسة، فقد أُطلق عليه «الملجأ المدرع»؛ نظرًا لأن هيئة الدفاع المدني في إيطاليا هي من عملت عليه منذ عام 1942، وتعاملت معه بعدِّه مخبأً مضادًا للطائرات في منطقة الساحة الجانبية من أسفل فيلا ترولينا، المقر الرسمي لإقامة الزعيم موسوليني.
وكان الملجأ المدرع قد أُنشئ على عمق ستة أمتار ونصف متر، وجرى تحصينه بالخرسانة المسلحة التي وصل سُمكها إلى أربعة أمتار، إضافة إلى التصميم الهندسي الداخلي ذي الغرف المتعددة، الذي يحتوي ممرات للطوارئ ومخارج متعددة لتسهيل عملية الدخول والخروج، إضافة إلى المخططات الهندسية التي كانت تستهدف ربط الملجأ المدرع بالطابق السفلي من الفيلا من طريق درج داخلي يُستخدم في حالات الطوارئ الشديدة.
وعلى الرغم من أن المأوى المدرع كان أكثر الملاجئ أمانًا واستعدادًا للظروف الصعبة، فإن عام 1943 شهد الإطاحة بالزعيم موسوليني وخلعه من السلطة ولم تكتمل أعمال الملجأ المدرع بعد، فلم يجر تركيب الأبواب المصفحة وأنظمة التهوية وأنظمة التنبيه؛ وبذلك لم يستخدمه الزعيم موسوليني، لكن الملجأ استخدمه بعد ذلك كثير من الشخصيات التي كانت تسكن الفيلا والمناطق المجاورة في أثناء الاحتلال الألماني لروما، وفي أثناء الغارات الجوية الألمانية. وبعد انتهاء الحرب، افتتحت السلطات الإيطالية الملاجئ الثلاثة ورمَّمتها ضمن مشروع لتوثيق تاريخ الحرب العالمية الثانية وما قبلها، ليصبح مزارًا عامًا يستقبل الناس من كل مكان في العالم، دون أي تمجيد أو دعاية لمدة الحكم الفاشي أو لرموز الفاشية.
جوزيف ستالين والمخبأ النووي بانكر 42 الكرملين
في الاتحاد السوفيتي غالبًا ما تكون الأمور جادة جدية كبيرة، وعندما يتعلق الأمر ببناء مخبأ محصن لأوقات الطوارئ (مخبأ ستالين النووي)، يعمل السوفييت على بناء منشأة استثنائية بغرض أن تتحمل قصفًا بالقنبلة النووية، وهو ما حدث فعلًا على عمق 65 مترًا أسفل منطقة تل تاجنسكي بالقرب من قصر الكرملين؛ وذلك حتى يسهل الانتقال إليه بسرعة في حالات الصراعات والطوارئ، وهو المكان الذي أُطلق عليه بانكر 42 (Bunker 42).
كيف تم بناء الملجأ النووي السوفيتي بانكر 42؟
وكان هذا المشروع الاستثنائي لبناء مناطق محصنة تحت الأرض لأوقات الطوارئ قد بدأ العمل عليه منذ عام 1947 تحت اسم العملية 02 التي كُلفت بها الشركة المسؤولة عن إنشاء مترو موسكو؛ من أجل استخدام تقنيات الحفر العميق نفسها، وللحفاظ على سرية العملية، مع الوضع في الحسبان أن تصميمات المشروع وُضعت لتراعي تحمل المخبأ لضربة نووية استنادًا للمعلومات التي توصل إليها السوفييت بعد قيامهم بأول تجربة نووية عام 1949.

تفاصيل المخبأ النووي لجوزيف ستالين تحت الكرملين
وصل عمق المخبأ المحصن إلى 18 طابقًا تحت الأرض، وهو ما جعله بناءً استثنائيًا، وعُزل بطبقات من الخرسانة السميكة، وأُضيفت إليه مولدات الكهرباء وأنظمة التهوية، وحُفرت الآبار الداخلية بطريقة تسمح باستخدام المخبأ النووي أيامًا طويلة دون حاجة إلى الاتصال بالعالم الخارجي، وهو ما يتوافق تمامًا مع فكرة الطوارئ في أذهان السوفييت التي تختلف عن أي طوارئ أخرى في أي مكان في العالم.
وفي عام 1954 تم الانتهاء تمامًا من بناء المخبأ النووي، وبدأ يستضيف الفرق العسكرية المتخصصة في الاتصالات التي تعمل على ربط القوات ببعضها بعضًا، فقد ركبت وزارة الاتصالات أنظمة سرية ذات تردد عالٍ، وجرى توصيل المخبأ بمراكز القيادة في دول حلف وارسو.
وهكذا أصبح المخبأ النووي هو الملاذ الآمن للرئيس جوزيف ستالين (Joseph Stalin) الذي تصور حدوث حرب نووية قد يحتاج معها إلى استخدام المخبأ النووي. لكن الأسلحة النووية تطورت بعد ذلك ليصبح المخبأ السوفيتي غير كافٍ لتحصين من يختبئ به، مع ظهور القدرات التدميرية الجديدة؛ لذا توقف استخدام المخبأ عام 1986، ونُقلت كل الأدوات والمهمات الموجودة في المنشأة إلى مكان آخر أكثر استعدادًا وتطورًا خارج العاصمة الروسية موسكو، قبل أن يخرج المخبأ النووي من الحسابات العسكرية وينضم إلى المباني الثقافية.
وفي عام 2006، وكما حدث في معظم المخابئ والملاجئ في أوروبا، فقد افتُتح المخبأ النووي بانكر 42 ليكون متحفًا تحت الأرض، يعبر عن فترة الحرب الباردة، وعن قدرات الجيش الروسي، وعن أنظمة الاتصالات التي كانت تُستخدم منذ الخمسينيات وحتى السبعينيات، إضافة إلى مشاهدة الزوار والسياح غرف القيادة، والتجول في الأدوار المتعددة بالمصعد الأصلي الذي أُنشئ لخدمة الموقع الذي يصل عمقه إلى 65 مترًا.
صدام حسين وحفرة العنكبوت
قصة العثور على صدام حسين في حفرة العنكبوت، في العراق يبدو أن الرئيس صدام حسين لم يكن يتوقع أن يحتاج إلى ملجأ أو مكان سري للاختباء، فلم يتجه عند دخول القوات الأمريكية إلى العراق إلى مكان مُعد من قبل، وإنما اختبأ في حفرة صغيرة أسفل بيت ريفي في منطقة الدور، ويبدو أنها كانت ملجأه الأخير بعد أن تنقل بين كثير من الأمكنة السرية والمخابئ التي اقتربت منها القوات الأمريكية.
كيف اختبأ صدام حسين في حفرة العنكبوت؟
كانت الحفرة الصغيرة التي أقام فيها الرئيس صدام حسين في آخر أيامه خندقًا يمتد لـ1.8 متر طولًا وأقل من متر عرضًا، وعمقه لا يتجاوز مترين ونصف متر، وهو ما يدل على أن المكان لم يكن معدًا مسبقًا لاستقبال الرئيس، وكان أحد الفلاحين يعمل على حراسة الرئيس، ويقوم بالطهي وتقديم العناية الطبية مدة بلغت تسعة أشهر.

وكانت القوات الأمريكية قد بدأت عملية واسعة للبحث عن الرئيس صدام حسين على مدى تسعة أشهر أطلقت عليها عملية الفجر الأحمر، ضمت نحو 150 ألف جندي أمريكي يفتشون الأمكنة، ويحققون مع الأشخاص، ويتتبعون الأدلة؛ من أجل الوصول إلى الرئيس العراقي الذي أكدت مصادر قريبة منه أنه موجود في مكان بالقرب من تكريت، وهو ما جعل القوات الأمريكية تكثف جهودها في المنطقة نفسها.
وفي يوم 13 ديسمبر عام 2003، ومع وجود معلومات من أحد المصادر العراقية بوجود الرئيس العراقي في مزرعة في قرية الدور، تحرَّكت وحدة أمريكية من 600 جندي لاعتقال الرئيس العراقي.
فتَّشت الوحدة موقعين دون العثور على شيء، قبل أن تفتش القوات الأمريكية منزلًا ريفيًّا في منطقة الدور بالقرب من نهر دجلة، يتكون من غرفتين متواضعتين، ولا يحتوي سوى مطبخ بدائي وصنبور ماء وكرسي، لكن المفاجأة كانت في عثور الجنود على حقيبة تحتوي 750,000 دولار.
وهنا عرفت القوات الأمريكية أن هناك شخصية كبيرة في المكان، وبدأت في استجواب صاحب المزرعة الذي اعترف بوجود الرئيس العراقي، وأشار إلى فتحة يغطيها بساط متسخ على الأرض خارج المنزل، وعندما أزالت القوات الأمريكية البساط، وجدت سدادة من البوليسترين وتحتها كان الرئيس العراقي صدام حسين قابعًا في حفرة أُطلق عليها بعد ذلك «حفرة العنكبوت صدام حسين»، فأُلقي القبض عليه وبحوزته مسدس ومبلغ نقدي.
معمر القذافي وأنابيب الصرف الإسمنتية
من أنفاق القذافي تحت العزيزية إلى النهاية المأساوية، يبدو أن الرؤساء والزعماء العرب لم يكونوا مستعدين جيدًا لأوقات الطوارئ، فما حدث مع الرئيس العراقي صدام حسين حدث تقريبًا مع الرئيس الليبي معمر القذافي الذي كان في الثمانينيات يستخدم «حصن مجمع باب العزيزية» في العاصمة الليبية طرابلس ملجأً من الغارات الأمريكية، وهو الحصن الذي يحتوي كثيرًا من الثكنات والأنفاق السرية المعروفة بـ(أنفاق القذافي في قصر العزيزية) واستخدامها في الثورة، لكنه بناء معروف للجميع ويمتد على مساحه 6 كيلومترات مربعة، وبذلك لا يمكن عدُّه ملجأً سريًّا.

وكان الرئيس الليبي معمر القذافي قد أمر بإعادة بناء مجمع العزيزية وتحصينه في التسعينيات، وأنشأ في المجمع ملاجئ جديدة وأنفاقًا تمتد إلى خارج المدينة. وحصَّن الملاجئ بالإسمنت المسلح لتكون مضادة للقنابل المتوسطة، لكنه لم يفكر أبعد من ذلك، فلم يسعَ لبناء ملجأ أو مكان سري خارج العاصمة، وعندما اندلعت الثورة الليبية عام 2011، تعرَّض المجمع للقصف؛ ما أدى إلى انهيار معظم أجزائه.
وفي الأخير لجأ الرئيس الليبي معمر القذافي إلى مدينة سرت مع مجموعة من حراسه والأشخاص المقربين منه، ولم يكن هناك ملجأ محدد للاختباء، وإنما وصل الحال بالرئيس الليبي إلى الاختباء في منطقة مهجورة داخل أنابيب الصرف الإسمنتية، وهو المكان الذي وصلت إليه قوات مدينة مصراتة ومعها عدد كبير من المواطنين الليبيين، فقد أُلقي القبض على الرئيس الليبي في مشهد ممتلئ بالفوضى والغضب الشعبي؛ ما أدى إلى مقتل الرئيس معمر القذافي في مخبئه الأخير.
وهكذا كان جميع الرؤساء والقادة على مر التاريخ يسعون إلى بناء وتحصين أمكنة سرية وملاجئ لأوقات الطوارئ، لكن تلك الملاجئ والأمكنة السرية اختلفت بحسب الإمكانيات والأفكار والظروف المحيطة، وربما ما زال يوجد ملاجئ أخرى لم نعرفها ولم تُكشف لصفحات التاريخ بعد.
وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.