إسهامات علماء العرب والمسلمين في علم الفلك والأرصاد الجوية

على الرغم من أن تاريخ علم الأرصاد الجوية يمتد لجذور عميقة، ويُعد من أقدم العلوم التي تمت ممارستها على الإطلاق، وتشير المواقع العلمية دائمًا إلى أن بداية هذا العلم كانت على يد الفيلسوف اليوناني أرسطو، فإن الشكل العلمي والإطار البحثي لعلم الأرصاد الجوية شهد جهودًا كبيرة وإسهامات هائلة من علماء الحضارة العربية والإسلامية، ما يبرز إسهامات العلماء المسلمين في علم الفلك والأرصاد، وعلى رأسهم القزويني والكندي وغيرهم من علماء الفترة الذهبية.

في هذا المقال، نوضح هل كان لأجدادنا العرب إسهامات في علم الفلك والأرصاد؟ سنطل سويًّا على إسهامات العلماء العرب والمسلمين في علم الفلك والأرصاد الجوية التي استفاد منها الباحثون والدارسون والعلماء في جميع أنحاء العالم على المستوى العملي في الحياة والمجالات المختلفة، وعلى المستوى النظري أيضًا في بناء علم الأرصاد الجوية ليكون مادة علمية تُدرَّس في كافة المعاهد والكليات المتخصصة.

نشأة علم المناخ والأرصاد الجوية

في البداية، لا بد أن نعرف أن علم الأرصاد الجوية أو علم الظواهر الجوية هو العلم الذي يهتم بدراسة الطقس والمناخ، ويضم بدوره مجموعة من التخصصات العلمية التي تركز على التنبؤات الجوية وأحوال الطقس.

أيضًا فإن من المعلوم أن علم الأرصاد الجوية لم يشهد الطفرة الكبيرة والتقدم الملحوظ حتى القرن الثامن عشر، وفي مدة قصيرة من القرن العشرين شهد هذا العلم تطورات هائلة نتيجة التقدم التكنولوجي الكبير، لا سيما بعد استخدام أجهزة الكمبيوتر والحواسيب الإلكترونية، ما أدى إلى تطور التنبؤ بالطقس من الحضارة الإسلامية إلى اليوم.

وينقسم علم الأرصاد الجوية إلى أقسام وعلوم فرعية، وهي: علم المناخ، وعلم كيمياء الغلاف الجوي، وعلم فيزياء الغلاف الجوي، إضافة إلى علم ترموديناميكا الغلاف الجوي. ويضم أيضًا مجالات ثانوية عدة من العلوم الجوية، وتمثل هذه الفروع ما يمكن أن نطلق عليه علم الأرصاد الجوية.

تاريخ علم الأرصاد الجوية وتطوره

منذ بدء الحياة على كوكب الأرض، والإنسان يحاول التنبؤ بأحوال الطقس ومعرفة أوقات سقوط الأمطار والفيضانات ودرجات الحرارة؛ وهو ما جعل الحضارات القديمة تربط العوامل الجوية مع بعضها بعضًا، مثل الرعد والمطر، ومنها علم الظواهر الجوية في الحضارة الإسلامية والقديمة واجتهادات الحضارة الهندية القديمة بخصوص الغيوم وكمية الأمطار.

أما البداية الحقيقية لعلم الأرصاد الجوية فيرجعها الباحثون إلى أرسطو الذي يُعد من وجهة نظرهم مؤسس علم الأرصاد الجوية؛ نظرًا لمؤلفاته في هذا المجال. ثم جاء عالم الجغرافيا الروماني بونبونيوس ميلا، وقسَّم المناطق المناخية على سطح الأرض وصنع لها خريطة، قبل أن ينشط علماء العرب والمسلمين في الأرصاد الجوية ويقدموا إسهامات كبيرة أدَّت إلى بلورة هذا العلم وساعدت في تحوله إلى مادة علمية قائمة بذاتها تُدرَّس في المدارس والمعاهد العلمية.

ومع الوقت، استفاد علم الأرصاد الجوية من كل الجهود العلمية التي قام بها العلماء والباحثون بشكل متفرق، مثل جهود بطليموس الخاصة بانكسار الضوء في الغلاف الجوي، وجهود عبد الرحمن الخازني في مسألة اتزان السوائل، وكذلك جهود إدموند في علاقة الوهج القطبي بالغازات التي تخرج من باطن الأرض إلى الغلاف الجوي.

الأدوات القديمة لمعرفة الطقس وتاريخ التنبؤات الجوية

ساعدت الأدوات التي اخترعها العلماء في تطور علم الأرصاد الجوية، فقد ابتكر (سيه جونج) أول مقياس لكمية المطر على يد الملك في كوريا في القرن الخامس عشر. وفي الوقت نفسه اخترعت فرنسا أول مقياس لشدة الرياح، وبعدها ابتكر (جاليليو) الثيرموسكوب، ثم جاء مقياس الضغط ومقياس كمية المطر الميكانيكي، وهي الأدوات التي ساعدت في ممارسة علم الأرصاد الجوية، ودفعت إلى مزيد من البحوث والتجارب، إلى أن جرى إطلاق أول قمر صناعي للأرصاد الجوية عام 1960.

وفي الوقت الحالي، يستفيد علم الأرصاد الجوية من التقدم التكنولوجي والأدوات المتاحة مثل الأقمار الصناعية والبالونات الذكية ومراكز القياس المنتشرة في كل مكان، ورادار الطقس ومحطات الأرصاد، فتتوقع كميات المطر ومواعيدها، وتقيس بيانات الجو من سرعة الرياح وضغط الهواء ونسبة الرطوبة، وتقيس الرعد والبرق، وإصدار بيانات وتقارير عن التنبؤات الجوية التي تكون غالبًا دقيقة كلما كانت مدة التنبؤ أقل.

مرصد من العصر العباسي

إسهامات العرب في علم الفلك والأرصاد الجوية

ما إنجازات العرب المسلمين في تطوير علوم الفلك؟ يُعد علم الأرصاد الجوية من العلوم التي برع فيها العرب ونشط فيها الدارسون والباحثون في فترات النشاط في الحضارة الإسلامية.

وفي السطور التالية نستعرض أهم العلماء العرب والمسلمين الذين برعوا في علم الفلك والأرصاد الجوية، والذين تركوا أهم كتب المسلمين عن الطقس والغيوم والأمطار.

القزويني وعلم الأرصاد الجوية

يُعد أبو عبد الله زكريا بن محمد القزويني أحد أهم العلماء المسلمين والعرب، وُلِد عام 1203 في مدينة قزوين في بلاد فارس، على الرغم من أن أصله يعود إلى الحجاز، وتُوفي في بغداد عام 1283 ميلادية. رحل في شبابه إلى دمشق والعراق، وتولى وظيفة القضاء في عهد المستعصم العباسي، وكانت له جهود كبيرة في كل من التاريخ الطبيعي والجغرافيا وعلم النبات والجيولوجيا والفلك.

يطلق على القزويني عدة ألقاب منها رائد علم الفلك، ورائد علم الأرصاد الجوية، ويقال إنه من وضع اللبنة الأولى لعلم الفضاء، فقام القزويني بكثير من الجهود العلمية الحقيقية التي بنى عليها العلماء في الغرب بعد ذلك، فكان القزويني هو أول من صنَّف النجوم من أجل تحديد الوقت، إضافة إلى مراقبة الحركة الظاهرية للكواكب، وتصنيف أنواع الرياح والسحب، والكتابة المفصلة عن كيفية تكوين السحب ونزول المطر، إضافة إلى جهوده في الجغرافيا الطبيعية والطبقات الجوية وتحليل الزوابع، ما يوضح كيف أسهم القزويني في فهم السحب والرياح؟

تُرجمت مؤلفات القزويني إلى لغات أوروبية عدة، واستُخدمت في تطوير علم الأرصاد الجوية وصناعة الإسطرلاب -الذي استُخدم في رصد النجوم في أشهر المراصد الفلكية في الوطن العربي قديمًا- إضافة إلى اعتماد العرب على مؤلفات القزويني من أجل معرفة الفصول الأربعة التي ارتبطت بالزراعة والأغنام، ومن أجل تحديد سرعة الرياح.

وفي كتابه (عجائب المخلوقات) تحدث القزويني عن الطبقات الجوية وتكوُّن الغيوم والأمطار وحدوث الرياح وفوائدها واتجاهها، وناقش بالتفصيل الأسباب التي تؤدي إلى نشأة الزوابع، ووضَّح بطريقة علمية نشأة الزوبعة وتأثيرها، وذكر كثيرًا من التفاصيل التي لا تصدر إلا عن شخص عالم دقيق الملاحظة.

دور الكندي في تفسير ظاهرة المد والجزر قديمًا

أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي هو أحد العلماء العرب والمسلمين المعروفين في مجالات عدة، على رأسها الفلك والفلسفة والكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات، وهو معروف لدى الغرب بشكل خاص بوصفه فيلسوفًا وفلكيًا.

وُلِدَ أبو يوسف يعقوب الكندي في مدينة الكوفة عام 801 ميلادية، وتوفي في بغداد عام 873 ميلادية. وكان أكثر ما شغل الكندي في حياته هو محاولة التوفيق بين الفلسفة والعلوم الإسلامية، وحاول تقريب الفلسفة من الثقافة الإسلامية، لذلك فقد أُطلق عليه أبو الفلسفة العربية أو فيلسوف العرب.

وفي علم الأرصاد الجوية، كان للكندي إسهامات كبيرة في تطور الأرصاد الجوية في الحضارة الإسلامية، وعلى رأسها بحث مهم بعنوان (رسالة في العلة الفاعلة للمد والجزر)، وهو من أوائل الأبحاث العلمية التي تناولت المد البحري الطبيعي، فقسم الكندي في بحثه المد إلى ثلاثة أنواع هي المد اليومي والمد الشهري والمد السنوي.

وقال الكندي في بحثه إن المد السنوي يكون في اتجاه عكس اتجاه الشمس، وتزداد فيه الحرارة، أما المد اليومي والمد الشهري، ففيهما تظهر علاقة الأرض والقمر، وتختلف شدة المد والجزر بحسب تغير وضع القمر، وهو ما جعله يراقب مواضع القمر بالنسبة للأرض ويكتب عن تأثير عملية المد والجزر نتيجة هذه المراقبة.

وحدد المواضع الأربعة الرئيسة للقمر، إضافة إلى أربعة مواضع فرعية، وهو مجهود علمي كبير استفاد منه الدارسون والباحثون في مجال الأرصاد الجوية في أوروبا، ووصفوه بأنه أحد الإسهامات الكبيرة للعلماء العرب والمسلمين في ذلك المجال.

ابن الهيثم وانكسار الضوء

لا شك أن أبا علي الحسن بن الهيثم هو أحد أشهر العلماء على الإطلاق؛ نظرًا لإسهاماته الكبيرة في عدة علوم، وعلى رأسها البصريات والفيزياء والرياضيات والفلك والطب، إضافة إلى استخدامه للمنهج العلمي في البحث، ومؤلفاته التي تُرجمت إلى معظم اللغات.

ويُعد الحسن بن الهيثم مؤسسًا لعلوم عدة، على رأسها علم المناظر والفيزياء التجريبية، إضافة إلى ريادته للمنهج العلمي، وكانت أبحاثه سببًا في كثير من الاختراعات والتطبيقات التي استُخدمت على نطاق واسع. وفي مدة إقامته في مصر، نفَّذ كثيرًا من أفكاره، في حين كان من الصعب تنفيذ معظمها في ذلك الوقت.

وفي علم الأرصاد الجوية، كان للحسن بن الهيثم إسهام كبير في كتابته عن ظاهرة انكسار الضوء في الغلاف الجوي، وهو تفسير ابن الهيثم لظاهرة انكسار الضوء في الغلاف الجوي الذي يعد بحثًا علميًا تناول فيه ظاهرة الشفق وعلاقتها بانكسار الضوء في الغلاف الجوي، وتحدث عن الشروط التي تؤدي لحدوث الظاهرة، وعلاقتها بزاوية غروب الشمس.

أيضًا استخدم الحسن بن الهيثم النظريات من أجل قياس ارتفاع الغلاف الجوي، ووصل إلى نتائج قريبة جدًا من القياسات الحديثة، وذكر أن الغلاف الجوي يظهر الضوء، وهي الإسهامات التي أضافت كثيرًا إلى علم الأرصاد الجوية في القرون التالية.

كمال الدين الفارسي وقوس قزح

يُعَدُّ كمال الدين الفارسي الذي وُلِدَ في مدينة تبريز عام 1267 ميلادية وتوفي عام 1319 ميلادية، أحد أهم العلماء المسلمين في مجال البصريات والرياضيات، وله كثير من الإسهامات الجادة والمهمة في مجال الأرصاد الجوية، فكان أول من وضع نظرية خاصة بقوس قزح، وتحدث في نظريته عن هيئة قوس قزح الذي يظهر في السماء، وعن ترتيب الألوان في قوس قزح، ما يجيب عن كيف فسَّر كمال الدين الفارسي قوس قزح علميًّا؟

وتناول بحث كمال الدين الفارسي علاقة انكسار الضوء بقوس قزح، وقال إن هناك انكسارين للضوء، وقدم البراهين على تحديد انكسار ضوء الشمس بقطرات المطر، وتمرير شعاع من كرة زجاجية ليعطي تفسيرًا رياضيًا للظاهرة التي حيَّرت كثيرًا من العلماء والباحثين.

وأسهم كمال الدين الفارسي بإشارته إلى نظرية (الاستطارة الحديثة) التي تعمل على تفسير زرقة السماء نتيجة ضوء الشمس، حيث يدرك لون السماء بعد طلوع الشمس باللون الأزرق، وبعد غياب الشمس باللون الأسود، وهي إسهامات قد تبدو بسيطة الآن، لكنها في ذلك الوقت كانت إسهامات مهمة؛ نظرًا لقلة الجهود العلمية في ذلك المجال.

تفسير كمال الدين الفارسي لقوس قزح

أبو حنيفة الدينوري وعلم الطقس

يُعَدُّ أبو حنيفة أحمد الدينوري -الذي وُلد في إيران عام 828 ميلادية، وتوفي عام 895 ميلادية- من أهم علماء النبات، إضافة إلى جهوده في الحساب والفلك والطقس، وهو أحد العلماء الذين وجدت أعمالهم اهتمامًا كبيرًا من المستشرقين الغربيين.

وفي مجال الأرصاد الجوية، فقد أسهم أبو حنيفة الدينوري بأحد الكتب المهمة، وهو (كتاب النبات) الذي تناول فيه الدينوري تطبيقات الأرصاد الجوية عند العرب في الزراعة، حيث سبق بهذا الكتاب وقفز للأمام عدة قرون. فقد وصف حالات الطقس، وتحدث عن الكواكب والأبراج والقمر والشمس وربطها بالمواسم والأنواء والأمطار، وتحدث عن الغلاف الجوي والظواهر مثل الرعد والبرق والرياح والفيضانات والثلوج، ومصادر المياه مثل الأنهار والبحيرات والآبار، وشرح كيف يمكن التعامل مع هذه التغيرات والاستفادة منها في عملية الزراعة بطريقة علمية.

مقارنة بين علم الأرصاد عند العرب والغرب

ومع هذه النماذج التي قدمناها للإشارة إلى الإسهامات الكبيرة للحضارة العربية والإسلامية في مجال علم الأرصاد الجوية، يوجد كثير من النماذج التي لم نذكرها التي أسهمت أيضًا في علم الأرصاد الجوية على مدار القرون المتتابعة، وهذا ما يوضح كيف أسهم العرب والمسلمون في بناء الإرث العلمي الإنساني، ويوضح أن التقدم العلمي ليس محصورًا على أمة معينة، وإنما هو نتاج العمل والاجتهاد في جميع المجالات.

وفي نهاية هذا المقال، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة