إسهامات العرب في الطب النفسي وعلم الأعصاب: تاريخ من الريادة

هل عرف العرب الطب النفسي؟ وهل تعلم أن أول مستشفى لعلاج الأمراض العقلية في التاريخ شُيد في بغداد في حين كانت أوروبا تحرق المرضى بتهمة الشعوذة؟ فما إسهامات العرب في الطب النفسي؟ ومَن أبرز العلماء المسلمين الذين أسهموا في تطور هذا العلم؟

 في هذا المقال، نغوص في أعماق تاريخ الطب النفسي لنكشف الستار عن إسهامات العلماء العرب والمسلمين في مجال الطب النفسي وعلم الأعصاب، وكيف وضعوا الأسس التي قام عليها الطب الحديث؟ إضافة إلى كثير من المعلومات والحقائق المدهشة عن تاريخ الطب النفسي العربي والعالمي.

في الوقت الذي لم يكن فيه العالم يعرف الطب النفسي والأمراض النفسية، وكان المريض النفسي في أوروبا يعامل أنه مسكونًا بالأرواح الشريرة، كان العرب والمسلمون يقيمون أول مستشفى للأمراض العقلية، ويضعون الأطر العلمية، ويجربون العلاجات المختلفة، ويربطون بين الأمراض النفسية والأمراض العضوية. فكانت إسهامات العرب والمسلمين هي الأساس الذي بنت عليه الحضارة الغربية علم الطب النفسي والأعصاب.

تاريخ الطب النفسي

عند الحديث عن الطب النفسي عامة، والطب النفسي العربي في العصور الوسطى خاصة، فهو من التخصصات التي لاقت كثيرًا من الإنكار والرفض والتجاهل مقارنة بباقي التخصصات العلمية.

وعند تتبع آثار الطب النفسي، يقودنا الأمر إلى بدايات في الحضارة الهندية القديمة، حيث عُثر على بعض النصوص التي تتناول بعض الحالات النفسية. ثم نأتي إلى القرن الثالث قبل الميلاد الذي ربما شهد إنشاء بعض المستشفيات المختصة باستقبال أصحاب الأمراض العقلية، لكنها لم تكن تقدم العلاجات، وكانت تكتفي بمسألة العزل، وربما بعض العادات التي لا يمكن أن نعدها إجراءات أو تجارب علمية.

وعلى مدار القرون الطويلة، كان القادة الدينيون يتعاملون مع أصحاب الاضطرابات النفسية بمجموعة من العادات التي تستهدف طرد الأرواح الشريرة، وهي طرق غريبة وقاسية، وهنا يظهر الفرق بين الطب النفسي الغربي والإسلامي قديمًا، لكن الناس في ذلك الوقت لم تكن تعرف أو تمتلك أي حلول بديلة، حتى بُنيت المستشفيات المتخصصة في الأمراض العقلية في القرون الوسطى في أوروبا. وعلى الرغم من ذلك، فهي لم تقدم أي نوع من أنواع العلاج للمرضى.

وفي القرن التاسع الميلادي، كانت الطفرة الكبيرة التي صنعها العلماء العرب والمسلمون في علم الأمراض النفسية والعصبية وهي الحقبة الذهبية لـ«تاريخ الطب النفسي في الحضارة الإسلامية»، فقد بُنيت المستشفيات لاستقبال الأشخاص الذين يعانون أمراضًا عقلية، وأُلحقت أجنحة في المستشفيات الكبرى للتعامل مع المرضى العقليين، وظهر كثير من العلماء الذين كان لهم تجارب وكتابات وإسهامات عظيمة في مجال الطب النفسي، على غرار الرازي وابن سينا.

وفي أوروبا كانت بريطانيا صاحبة السبق في بناء أقدم مصحة للأمراض العقلية في القارة العجوز، وذلك في مدينة لندن، عُرفت باسم مستشفى (بيتليم الملكي)، قبل أن تظهر الكتابات والأطروحات التي تتناول الأمراض النفسية في القرن السابع عشر، وهو التوقيت الذي أنشأ فيه الملك لويس الرابع عشر أول مستشفى في فرنسا لأصحاب الاضطرابات النفسية، لكن كلا المستشفيين لم يطبقا أي علاج حقيقي في التعامل مع المرضى.

كانت الطفرة الكبيرة التي شهدها مجال الطب النفسي والأمراض العقلية في القرن الثامن عشر، لا سيما مع الأقوال التي أشارت إلى إصابة الملك جورج الثالث، حاكم إنجلترا، ببعض الاضطرابات العقلية، وهو ما غيَّر نظرة الناس إلى المرض العقلي، فعدُّوه أحد الأمراض التي يمكن علاجها والشفاء منها.

وبذلك غيَّر كثير من الأطباء طرق التعامل مع المرضى العقليين، وسمحوا لهم بالتنقل بحرية في المستشفيات، ووضعوهم في غرف ذات تهوية جيدة تدخلها الشمس، وبدأت البحوث تتناول الأمراض العقلية وتفترض الحلول، وتبدأ في عملية التجريب من أجل الوصول إلى علاجات ناجعة.

أتى القرن التاسع عشر ليشهد كثيرًا من العلاجات والتشخيصات التي توصل إليها الأطباء والباحثون في مجال الطب النفسي والأمراض العقلية.

وفي القرن العشرين، جرى تصنيف الأمراض النفسية وعلاقتها بالأمراض العضوية، وأصبح الطب النفسي يُعرف باسم علم الأعصاب والطب النفسي العصبي. ومع الوقت استفاد من كل التطورات التكنولوجية والتقدم الهائل في جميع العلوم، وما زال مجال الطب النفسي وعلم الأعصاب يقدم جديدًا كل يوم.

إسهامات العرب والمسلمين في علم النفس والأعصاب

على الرغم من أن مصطلح علم النفس الحديث قد ظهر في القرن التاسع عشر ليشير إلى دراسة العقل والسلوك البشري، فإن علم النفس الإسلامي قد ظهر قبل ذلك بكثير، ممثلًا في إسهامات العرب في الطب النفسي.

فقد كان العلماء العرب والمسلمون الأوائل يتعاملون مع العقل، ويستخدمون مصطلح النفس أو الروح للدلالة على الطبيعة البشرية، فكان علم النفس الإسلامي يقوم على دراسة النفس ويربطها بالعقل، وكان يشار إلى الطبيب النفسي في ذلك الوقت بأنه الطبيب الروحاني أو طبيب القلب.

أول مستشفى للأمراض العقلية

تجلى اهتمام الحضارة الإسلامية بالصحة النفسية ببناء أول مستشفى للأمراض النفسية في الإسلام في مدينة بغداد عام 705، قبل إنشاء مستشفى أخرى في مدينة فاس في المغرب، وتبعتها مصحة في القاهرة عام 800، وهو ما يُعرف بـ تاريخ الطب النفسي عند المسلمين، ومصحتان في دمشق وحلب عام 1270.

وكان الأطباء العرب يستخدمون الملاحظات السريرية ويصفون العلاجات المختلفة، في الوقت الذي كان المريض النفسي في أوروبا يعامل بعدِّه مسكونًا من الأرواح الشريرة.

وقد عُرفت هذه المستشفيات باسم البيمارستان (Bimaristan)، وكانت تمنح بيئة علاجية شاملة تضم الماء والخضرة والموسيقى، وفقًا لما ذكرته المكتبة الوطنية للطب (NLM) في الولايات المتحدة.

من رواد الطب النفسي عند العرب؟

كان للطبيب المسلم (أبو زيد البلخي) جهود مهمة فيما يخص مفاهيم الصحة النفسية، وذلك في كتابه (مصالح الأبدان والأنفس) الذي كان أول كتاب يتناول الأمراض النفسية الجسدية. وقد ركز فيه الكاتب على علاقة العقل بالجسد، وكتب فيه: «إذا مرضت النفس، فقد لا يجد الجسم أي متعة، وقد يتطور الأمر في النهاية إلى مرض جسدي».

وأشار البلخي إلى نوعين من أنواع الاكتئاب، وقال إن أحدهما ناجم عن أسباب فسيولوجية يتم معالجتها من خلال الطب الطبيعي، والنوع الآخر ينتج من أسباب غير معروفة متعلقة بالنفس، ولا يتم معالجتها إلا من خلال العلاج النفسي.

أيضًا كان الطبيب والفيلسوف المعروف محمد بن زكريا الرازي أحد أوائل الأطباء الذين كانت لهم إسهامات كبيرة في علاج الأمراض النفسية، وتبرز هنا الرازي والطب النفسي كعلامة فارقة.

ويعد كتابه (المنصوري في الطب) وكتابه (الحاوي في الطب) من الكتب التي تناولت الأمراض النفسية مبكرًا، وبالتحديد في القرن العاشر. وشملت كتب الرازي كثيرًا من أوصاف وتعريفات وعلاجات المشكلات والحالات النفسية والعقلية.

ويشهد التاريخ على أن أبا بكر الرازي كان الطبيب العام في مستشفى بغداد الذي يُعد أول مستشفى في تاريخ الطب، وهو أول مستشفى للأمراض النفسية عند العرب يقدم علاجًا منهجيًّا، ويحتوي على جناح للأمراض النفسية؛ ما جعله يعمل على التوفيق بين العلاج النفسي والعلاج الطبيعي، وكان أول من يجمع بين الأساليب والتفسيرات النفسية والعلاجات القابلة للتطبيق مجسدًا الرازي وعلاج الأمراض النفسية عمليًّا، ولعل تجربته في علاج الخليفة العباسي تُعد دليلًا على ذلك.

فحينما استُدعي الرازي لعلاج الخليفة من مرض التهاب المفاصل، وجَّه الخليفة للاستحمام بالماء الساخن، وفي أثناء الاستحمام هدَّده الرازي بسكين؛ وهو ما أدى إلى استفزاز الخليفة؛ فزادت السعرات الحرارية الطبيعية في جسده؛ وهو ما برره الرازي بعد ذلك بأنه كان إجراءً مطلوبًا لزيادة القوة التي تعمل على إذابة الأخلاط المخففة، وفعلًا قام الخليفة الذي كان يعاني آلامًا في الركبة وركض خلف الطبيب الرازي.

العرب وعلم النفس الفسيولوجي.. ابن سينا وعلم النفس

يُعد العالم والفيلسوف والطبيب العربي ابن سينا من رواد علم النفس الفسيولوجي والطب النفسي الجسدي، ومن أبرز علماء النفس العرب قديمًا، فقد كان أول من استخدم علم النفس الفسيولوجي في علاج الأمراض المتعلقة بالمشاعر، وكان له تجارب ساعدته في تطوير نظام لربط تغيرات معدل النبض مع المشاعر، وكان ابن سينا هو أول من وصف الحالات النفسية العصبية مثل الأرق والهلوسة والكابوس والخرف والهوس والصرع والاكتئاب والرعشة.

وبالنظر في كتاب ابن سينا الشهير (القانون في الطب) نجد أنه قد خصص ثلاثة فصول للاضطرابات العصبية والنفسية، مؤكدًا ريادة ابن سينا والطب النفسي، وعرَّف ابن سينا الجنون بعدِّه اضطرابًا عقليًّا يُستبدل فيه العقل الواقع بالخيال.

ويُعد ابن سينا أيضًا مؤسسًا لعلم التحليل النفسي وفقًا لما ورد في موسوعة ستانفورد للفلسفة، وذلك بتوسيعه لنظرية المزاج، وضمَّ إليها العواطف والأخلاق والوعي الذاتي والحركات والأحلام.

إضافةً إلى ذلك، فقد كانت الطرق التي يستخدمها ابن سينا في العلاج سابقة في نوعها، فقد كان يعالج المريض بتحسس النبض، وفي تلك الأثناء كان يردد على المريض الأسماء بصوت عالٍ، فيردد عليه أسماء النواحي والبلدان والشوارع والمقاطعات، مع مراقبة تغير النبض. وربط ابن سينا أيضًا الأمراض الجسدية بالأمراض النفسية، ووصف الغضب بعدِّه عاملًا من عوامل تطور الكآبة وتحولها إلى هوس.

أيضًا كان ابن سينا أول من اكتشف حالات الفصام (Schizophrenia) وأعراضها، مثل الإثارة والاضطراب في السلوك، وأول من أعطى إجابات محددة لهذه الأعراض، وأوصى بتقييد المرضى لتجنب أي ضرر قد يلحق بهم أو بالآخرين، وهو ما استُخدم بعد ذلك في المصحات التي أُنشئت في أوروبا.

كيف عالج العرب الأمراض النفسية؟

في علم النفس الفسيولوجي، ظهر أيضًا أحد العلماء الكبار والرواد في علم النفس الاجتماعي وهو أبو نصر الفارابي الذي كان أول من أكد أن الإنسان يحتاج المساعدة الإنسانية؛ نظرًا لكونه يميل للتعاون مع غيره. وعلى هذا كانت توجد كثير من المناقشات العلاجية التي تخص الحالات النفسية والعقلية المختلفة. وكان الفارابي أول من أشار إلى العلاج بالموسيقى (Music Therapy)، وأول من كتب عن طبيعة الأحلام وعلاقتها بما يدور في النفس البشرية.

إسهامات العلماء المسلمين في علم النفس

مع الحديث عن علم النفس والأعصاب الذي كان أحد التخصصات المجهولة والمرفوضة أيضًا في معظم أنحاء العالم، فإن مجال جراحة الأعصاب كان أكثر التخصصات صعوبة؛ نظرًا لقلة المعارف والخبرات والتجارب في مجال علم النفس والأعصاب.

وفي هذا المجال، يبرز اسم الطبيب الأندلسي أبو القاسم الزهراوي الذي يُعد أبا الجراحة الحديثة، فقد طوَّر الزهراوي مجموعة كبيرة من الأدوات والتقنيات التي استخدمها في جراحة الأعصاب التي ما زال بعضها مستخدمًا حتى الآن، وكان الزهراوي أحد الأسباب المهمة في أن يصبح مجال جراحة المخ والأعصاب من المجالات البارزة والمرموقة في العالم الإسلامي.

أيضًا كان العالم الشهير (ابن زهر) هو أول من قدم وصفًا دقيقًا لكثير من الاضطرابات العصبية، مثل التهاب الوريد الخثاري في الجمجمة، وأورام الخلايا الجرثومية.

إضافة إلى ذلك كان ابن رشد هو أول من أشار إلى مرض باركنسون، وإلى الخصائص المستقبلية للشبكات الضوئية.

وأضاف موسى بن ميمون كثيرًا من الملاحظات العلمية المهمة فيما يخص الاضطرابات العصبية والنفسية، ورصد داء الكلب وداء تسمم البلادونا.

وفي التخصص نفسه كان الطبيب المصري ابن النفيس هو أول مَن قام بتشريح معروف على الدماغ البشرية، إضافة إلى جهوده وبحوثه التي قام بها، فقد صحَّح كثيرًا من النظريات الخاطئة في تشريح الدماغ التي كانت تعود لجالينوس وابن سينا.

وفيما يخص جراحة الأعصاب، فقد كان الأطباء العرب أصحاب سبق كبير في التخدير بتقديمهم وصفًا تفصيليًّا للأدوية المخدرة المهمة، واستخدامهم الحشيش والأفيون والإسفنج المخدر الذي استخدمه أول مرة الأطباء العرب، ثم شاع استخدامه بعد ذلك في أوروبا، فكان يُنقع بالمواد العطرية المخدرة حتى يتم امتصاصه، ثم يُوضع تحت أنف المريض ليتم تخديره قبل الجراحة.

وعلى الرغم من الأمثلة التي قدمناها من جهود وأطباء ومنشآت أسهم بها العرب والمسلمون في تأسيس وتطوير علم النفس الطبي والأعصاب التي تبرز الطب النفسي عند المسلمين نموذجًا حضاريًّا، فإنه توجد كثير من الجهود والأسماء اللامعة في ذلك المجال لم يسعنا ذكرها في المقال. وهو ما يدل على التطور العلمي الكبير الذي عاشته الحضارة الإسلامية في عهدها الذهبي الذي أسهمت به في التطور العلمي الإنساني وبناء الحضارات التالية في أمكنة أخرى من الكرة الأرضية.

وفي النهاية، نرجو أن يكون مقالنا عن إسهامات العرب في علم النفس والأعصاب قد قدَّم لك المتعة والإضافة، ويسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة