اسمعني.. خاطرة حزينة

لأراقبهم.. أُراقب الناس جميعاً.. أراقب تحرّكاتهم.. مشاعرهم.. انطباعاتهم، وتقلب وجههم.

اعتدتُ على المراقبة، على التلصص إلى مشاعرهم.. أخمن ماذا وراء الوجه المستاء؟

وما الذي شق إلتسامه على هذا وهذه؟ ولماذا امتعض وجه ذلك البائس؟ 

نزلتُ ذلك اليوم لشراء بعض البقالة، ورأيتهُ.. رأيت رجلاً يجلس مرتدياً..

معطفا طويلاً بني اللون ومهترئاً بعض الشيء وبنطالاً واسعاً..

بنفس لون المعطف، كان ملقياً برأسه على ذراعه المسنودة على فخذيه..

افترضتُ أنه نائم ولكن لم يتبيّن ذلك عندما اهتزت قدمه اليسرى مراراً..

وتكراراً.. جذبتني حالته وانتابني الفضول..

أسرعتُ إلى منزلي، وألقيت بالبقالة على الأرض ثم اختبأتُ وراء الستائر؛ لأراقبه، ظللتُ ماكثةً واقفه، ولم يمسنِ الكلل أو التعب في انتظاره..

للكشف عن وجهه، عن تعابيره.. لأخمن قصّته ولأُشغل فكري النائم..

حلَّ المساء والرجل ما زال بنفس الحالة..

خمسُ ساعات ولم يرفع وجهه، ولم يتوقف اهتزاز قدمه اليسرى ولو للحظة..

خمسُ ساعات وما زالت حماستي لم تُفتَر..

دقائق مرّت ورفع الرجلُ أخيرا وجهه، وعقدتُ أنا حاجباي..

لم يظهر أي شيء عليه..

انزعاج.. امتعاض.. اضطراب.. تردد أو حتى سعادة..

لم ينبعث أي شيء من بين طيات وجهه..

كان.. كان فارغاً..

قام ثم وقف منتصباً ومضى إلى حال سبيله..

تركني في يأسٍ فلم أستطع تخمين ما خلفه..

وحيره فلم أستطع تخمين ماهيته...! 

بعد بضعةِ أيام، وبعد مواظبة ذلك الرجل على المجيء كل يوم والجلوس على نفس المقعد الخشبي بنفس وضعيته وبذاك التعبير الخالي ..

حتى أتى يوم وأشحت بنظري بعيداً عنه اعتقادًا منى بقيامه بالمعتاد، فإذا هو لم يجلس على المقعد الخشبي كما فعل البارحة وما قبلها من أيام، بل جلس على الأرضية بجانب متجرٍ من المتاجر المرصوصة على الرصيف المسفلت..

مدّد ساقيه، وشبك يداه ثم سند برأسه على الحائط الصخري..

ازداد معطفه ثقوباً وغباراً كذلك حذائه وبنطاله..

اعتقد أحد المارّة بأنه شحاذ فألقى إليه بقطعة نقدية..

ولأول مرة بعد تحديقه في اللا مكان.. صوَّب نظرة تجاه تلك القطعة النقدية وكأنما تلك القطعة أفاقته من غفلةٍ ما.. حدق بها..

حدق بها طويلاً..

ثم ابتسم...!

ابتسم ابتسامة عريضة.. ولكن شاحبة

ابتسم ابتسامة.. تبعتها قهقه.. ومن ثم انفجر ضاحكاً..

استمر لبضع دقائق، ثم صرخ فجأة وأخذ يضرب بقبضتيه على الأرض..

أثار فضول الناس، كما أثار خوفهم أيضاً وأصبحت الأمهات تبعدن أطفالهن عنه ويركضن بعيداً، وأنا بقيتُ محدقة ذاهلة نسيتُ كيف النطق أو الكلام...!

ثم أخذ الرجل يبكي، وقال

"اسمعني..." 

ورددتُ أنا بهمسٍ متسائلة

"اسمعني؟!" 

وتابع هو

"اسمعني... لا أريد مالاً... فقط اسمعني

"اتخذني صديقاً ولو لثوانٍ، واسمعني..." 

وظل يردد تلك الكلمة..

قام ومسح دموعه وظل يصرخ قائلاً "اسمعني"..

حتى نادى أحد المتفرجين صاحب متجرٍ ما بأن يتصل بالشرطة..

فما إن قال أحد المتفرجين هذا حتى اندفع الرجل تجاهه وأخذ يلكمه بعنف 

وهو يقول "لم يسمعني أحد.. اسمعني"..

وبعد أن أبعدوه المارة سرعان ما انفلت من بينهم، وأخذ يهذي مجيئاً وإياباً..

على الرصيف مروراً بالشارع، حيناً يبكي ويصرخ وحيناً يضحك..

" لم يسمعني أحد قط..." 

"اسمعني... أريدُ التكلم

حتى أتت الشرطة وانطلق رجلان ضخمان وأمسكا بذراعيه، ولم يحاول حتى الهروب كان مستسلماً لهم..

لا بل كان كالغائبِ عن الوعي، فقط محدقاً بالأرض ومردداً..

"اسمعني

انطلقت الشرطة وانفض الجمع.. 

قبض قلبي شعورٌ لم أعرفه.. وانساب الدمع من جفوني..

لم أُشفق عليه.. لم أُشفق عليه بتاتاً..

كانت روحه حبيسة شيء ما.. وقد تحررت للتو..

ثم ذهبتُ إلى سريري ودفنتُ جسدي تحت العطاء، ورددتُ قبل أن تُطبَق جفوني..

"اسمعني..."

 

 

هنا أتنفس..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Dec 3, 2022 - أ . عبد الشافي أحمد عبد الرحمن عبد الرحيم
Dec 3, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Dec 3, 2022 - الدكتورة روزيت كرم مسعودي
Dec 1, 2022 - دعاء سلمان محمد ابو زهيرة
Nov 30, 2022 - دعاء سلمان محمد ابو زهيرة
Nov 27, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Nov 25, 2022 - رحمه مصطفى واصل
Nov 24, 2022 - سهيلة شعبان علي بكر
Nov 23, 2022 - احمد عبدالله على عبدالله
نبذة عن الكاتب

هنا أتنفس..