مثلث برمودا.. أسرار لغز المحيط الأطلسي بين العلم والخرافة

في قلب المحيط الأطلسي، قبالة الساحل الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، تقع منطقة مائية تُعرف بـمثلث برمودا، اشتهرت هذه المنطقة منذ مئات السنين بـالغموض والرعب، وحُكيت عنها كثير من القصص والمشاهدات العجيبة والمثيرة من قِبل البحارة والطيارين الذين مروا بها. بدأت هذه الحكايات منذ رحلات المستكشف الشهير كريستوفر كولومبوس بالمحيط الأطلسي ولا تزال مستمرة حتى الآن، لتُبقي على هذا اللغز قائمًا في أذهان كثيرين.

في هذا المقال، سنتعمق في الظواهر الغريبة التي تميز مثلث برمودا، ونستعرض أبرز حوادث الاختفاء التي وقعت فيه، محاولين فهم الأسباب الكامنة وراء هذه الأحداث التي حيّرت العلماء عقودًا.

ظواهر مثلث برمودا الغريبة.. البوصلة والاختفاء التام

تُعد أبرز الظواهر الغريبة التي أجمع عليها البحارة والملاحون في منطقة مثلث برمودا هي اختلال عمل البوصلة، سواء في السفن أو الطائرات المارة بهذه المنطقة. ويُقصد بذلك أن البوصلة تُعطي قراءات زائفة، فيكون الشمال غير الشمال الحقيقي والجنوب غير الجنوب الحقيقي. لا يوجد سبب منطقي مبرر لذلك سوى وجود خلل أو اختلاف في الجاذبية، وهي فرضية تُطرح كونه أحد التفسيرات العلمية الممكنة.

في بداية الملاحة بهذه المنطقة، اتخذ تفسير هذه الظواهر اتجاهًا آخر، فقد شاع في ذلك الوقت أن هذه المنطقة المائية الغامضة مسكونة بالشياطين والجن، ما أضاف بعدًا أسطوريًّا إلى غموضها.

لكن الظاهرة الأغرب التي تُميز هذا المثلث المرعب، وتُعد السبب الرئيس في اشتهاره، هي كونه منطقة اختفاء للسفن المارة به، بل وللطائرات أيضًا. لقد حدثت حالات كثيرة لاختفاء سفن وقوارب وغواصات وطائرات في أثناء المرور على هذا المثلث. هذا الاختفاء كان في أغلب الأحيان اختفاءً كليًّا بلا أثر، فلم تظهر مرة أخرى المركبة التي اختفت ولا أحد من ركابها!

سر مثلث برمودا

ظاهرة الاختفاء قديمة جدًّا في هذه المنطقة، ولا تزال تُمثل خطورة، لأن لغز هذه المنطقة لم يُكشف بعد، ولم يتغير من طبيعتها وغموضها أي شيء. لكن الذي تغير في الحقيقة هو طراز ونوعية السفن والطائرات التي تعبر هذه المنطقة في الوقت الحالي. وتتميز هذه المركبات بطراز متقدم مقارنة بالقديمة، ومن المحتمل أن هذا التطوير جعل حوادث الاختفاء أقل شيوعاً، نظراً لقدرتها الكبيرة على مواجهة أي ظروف ملاحية قاسية.

حتى اليوم، يواجه العاملون بشركات الطيران سؤالًا متكررًا من بعض الركاب الذين ينوون السفر عبر الأطلسي في اتجاه مثلث برمودا: هل تمر طائرتي فوق مثلث برمودا؟.هذا يُشير إلى أن ظاهرة الاختفاء لا تزال حاضرة في أذهان الناس ويشعرون بـالرهبة من السفر عبر هذا المثلث. لكن في الحقيقة، الإجابة عن هذا السؤال تكون غالبًا بالنفي، حتى لو كان مسار الرحلة سيمر بهذا المثلث، وهي تُعد إجابة دبلوماسية أكثر منها كاذبة، إذ إن حدود هذا المثلث ليست دقيقة.

الموقع الجغرافي والظروف البيئية لمثلت برمودا.. دوامات مغناطيسية وتأثير الجاذبية

يقع مثلث برمودا الذي لا تُعد حدوده مثلثة الشكل تمامًا كما قد توحي التسمية، في منطقة مميزة جدًّا من المحيط الأطلسي. وتُحدد حدوده عادة من جزيرة برمودا في الشمال، ثم تمتد إلى نورفك على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ومنه إلى جنوب فلوريدا، ثم إلى كوبا، ثم هايتي، ثم بورتوريكو، ثم تعود إلى برمودا، متضمنة خلالها مجموعة جزر باهاما. تضم هذه المنطقة من المحيط الأطلسي ما يزيد على 300 جزيرة، معظمها خالٍ من السكان باستثناء نحو 20 جزيرة مأهولة بعدد بسيط من السكان.

موقع مثلث برمودا

اشتهرت هذه الجزر بـالغموض والرعب منذ ما يزيد على أربعمائة سنة، ولذا تجنبها البحارة والصيادون في أثناء رحلاتهم، وأطلقوا عليها اسم (جزر الشيطان). ويُعد الرحالة الشهير كريستوفر كولومبوس أول من سافر بهذه المنطقة منذ ما يزيد على خمسة قرون. وقد حكى عن بعض المشاهدات والمواقف الغريبة التي صادفها هو ورجاله في أثناء ترحالهم، مثل مشاهدة أضواء غريبة وكرة من النار تسقط بالماء. كما يُعد كولومبوس أول من أشار إلى حدوث اختلال في حركة البوصلة بهذه المنطقة، ما يؤثر في اتجاهات السفن والمراكب ويجعلها تتوه عن اتجاهاتها الأصلية.

وتتميز هذه المنطقة بموقع جغرافي فريد، فتصطدم فيها تيارات المحيط الدافئة المتجهة إلى الشمال بـتيارات المحيط الباردة المتجهة إلى الجنوب. إضافة إلى ذلك، يحدث فيها دوران معاكس بين تيارات المحيط السطحية وتيارات المحيط العميقة، فيدور كل منهما في اتجاه معاكس للآخر. وقد أدت هذه الظروف الجغرافية المتميزة إلى تكون دوامات مغناطيسية أثرت في الجاذبية. يُعتقد أن هذا هو السبب في اختلال حركة البوصلة، بل ويعتقد بعض العلماء أن هذه الدوامات المغناطيسية هي السبب وراء اختفاء السفن المارة بهذا المثلث.

حوادث اختفاء السفن والطائرات في مثلث برمودا

شهدت منطقة مثلث برمودا حوادث اختفاء السفن والقوارب والغواصات عدة، وكانت أغلب هذه السفن تابعة للولايات المتحدة. وقد تركزت أغلب حوادث اختفائها في بحر سارجاسو، إضافة لاختفاء سفن تابعة لـحكومات أخرى كالمملكة المتحدة، البرازيل، وألمانيا. وقد زادت حوادث الاختفاء زيادة ملحوظة في الحرب العالمية الثانية، تبعًا لزيادة حركة الملاحة للسفن والغواصات الحربية في المحيط الأطلسي وعبر مثلث برمودا.

اختفاء السفن في مثلث برمودا

أسماء هذه السفن وتواريخ اختفائها موجودة بـسجلات البحرية الأمريكية وسجلات حرس الحدود، وأغلبها من الناقلات والسفن التجارية والسفن الحربية. هذه إحصائية لأهم وأبرز حالات الاختفاء:

  • السفينة الأمريكية انسرجنت (USS Insurgent): تُعد أولى حالات الاختفاء المعروفة المسجلة، حيث اختفت بلا أثر في أغسطس سنة 1800م وعلى متنها 340 راكباً!

  • السفينة الأمريكية أطلانتا (HMS Atlanta): اختفت في 1880م وهي في طريقها من جزيرة برمودا إلى المملكة المتحدة، وبلغ عدد طاقمها 290 شخصًا. أدى هذا الحادث إلى ضجة كبيرة، وقيام عدة رحلات للبحث عنها، شارك فيها سلاح الطيران.

  • السفينة الأمريكية سايكلوب (USS Cyclops): اختفت في 4/3/1918م وهي في طريقها من برمودا إلى فرجينيا، وبلغ عدد طاقمها 309 أشخاص. نظرًا لاختفائها خلال الحرب العالمية الأولى، رُجّح احتمال تدميرها بإحدى الغواصات الألمانية، لكن التحريات ورحلات البحث لم تكشف عن وجود أي غواصات ألمانية حربية في منطقة الاختفاء.

  • السفينة البرازيلية الحربية ساوباولو (Brazilian Warship São Paulo): اختفت في أكتوبر 1951م، ولم يُعثر على أي أثر لها بعد عدة رحلات بحث.

  • الشاحنة الأمريكية الضخمة مارين سلفركوين (Marine Sulphur Queen): اختفت في 1963م أثناء رحلتها من فرجينيا إلى تكساس بكامل طاقمها 38 بحارًا. وأثار هذا الحادث دهشة كبيرة نظرًا لضخامتها وحداثتها، لا سيما بعد وصول رسالة لاسلكية مطمئنة منها قبل الاختفاء. ولم تُعثر السلطات على أي أثر للسفينة أو ركابها، باستثناء سترة نجاة، ويُعتقد أن السفينة دُمرت وانفجرت بسبب اشتعال شحنة الكبريت التي كانت تحملها.

  • الشاحنة الإنجليزية أثاكا إيلاند (MV Athos): اختفت في نوفمبر 1968م أثناء رحلتها من نورفك إلى مانشستر وكانت تحمل شحنة من القمح.

  • الشاحنة ملتون إترايدز (MV Milton Iatridis): اختفت في إبريل 1970م في طريقها من نيو أورليانز إلى كيب تاون، وكانت تحمل شحنة من الزيوت النباتية والصودا الكاوية.

  • الشاحنة الألمانية أنيتا (MV Anita): تُعد أكبر الناقلات التي اختفت في مثلث برمودا، بوزن 20 ألف طن، اختفت بكامل طاقمها (32 بحارًا) في مارس 1973م أثناء رحلتها من ولاية فرجينيا إلى ألمانيا، وكانت تحمل شحنة ضخمة من الفحم. بلغت قيمة التأمين الذي دفعته شركة تأمين السفن في إنجلترا لأصحابها 3 ملايين دولار، وتُعد الشاحنة الألمانية "أنيتا" هي أكبر وآخر الشاحنات العملاقة التي اختفت منذ مدة حديثة نسبياً.

لغز السرب 19: اختفاء الطائرات الغامض

لم يقتصر الأمر في برمودا على اختفاء السفن، بل شمل اختفاء أو فقدان الطائرات أيضًا. وأشهر هذه الاختفاءات هو اختفاء السرب 19.

في يوم 5/12/1945م، انطلقت مجموعة من الطائرات الأمريكية الحربية (5 طائرات) في رحلة تدريبية فوق الأطلسي من قاعدة لوديرديل بولاية فلوريدا. وكان مُقررًا لها أن تتخذ شكل المثلث في أثناء الطيران، في رحلة تبدأ من فلوريدا مسافة 160 ميلًا ناحية الشمال ثم تعود إلى قاعدتها. قاد السرب الملازم تشارلز تيلور الذي كان يُمثل رأس المثلث، ويُعد من أمهر الطيارين الحربيين بأكثر من 2500 ساعة طيران.

بعد نحو ساعة وربع من إقلاع السرب 19، في الساعة الثالثة والربع ظهرًا، تلقى العاملون بالقاعدة رسالة غريبة من قائد السرب:

  • القائد: الملازم تشارلز تيلور ينادي القاعدة.. نحن في حالة طوارئ. يبدو أننا قد خرجنا عن خط السير المقرر.. لا أستطيع رؤية الأرض.. لا أستطيع رؤية الأرض.

  • القاعدة: ما مكانك بالضبط؟

  • القائد: لا أستطيع تحديد المكان، ولا أدري أين نحن على الإطلاق.. يبدو أننا فُقدنا في الفضاء!

  • القاعدة: استمر في الاتجاه ناحية الغرب.

  • القائد: لا أدري في أي اتجاه يوجد الغرب.. إن كل شيء غريب ومُشوش من حولنا ولا أستطيع تحديد أي اتجاه.. حتى المحيط أمامنا يبدو في وضع غريب شاذ لا أستطيع تحديده!

انقطعت بعد هذه الرسالة كل وسائل الاتصال بين طائرات السرب والقاعدة، على الرغم من أن العاملين بالقاعدة استطاعوا سماع الرسائل الموجهة بين بعض طائرات السرب وبعضها الآخر. كانت تشير بعض هذه الرسائل إلى قرب نفاد الوقود (لم يعد يكفي إلا لخمسة وسبعين ميلًا)، وأشار بعضها إلى دهشة واستغراب الطيارين من قراءات البوصلة التي كانت تُشير للاتجاه والمكان بطريقة غير مفهومة وغريبة، وكأن الأوضاع قد اختلفت جميعها. على الرغم من عدم إمكانية الاتصال بين القاعدة وطائرات السرب، كانت هذه المحادثات بين الطائرات واضحة، إلا إنها تلاشت تدريجياً، وانقطعت الصلة تمامًا دون أن يدري أحد ماذا حدث لها أو أين اختفت بعد ذلك.

لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد، بعد اختفاء السرب 19، خرجت طائرات عدة للبحث عن السرب المفقود، وكان من بينها طائرة ضخمة ذات محركين هي الطائرة مارتين مارينز التي خرجت بكامل طاقمها المكون من ثلاثين طيارًا.

اختفاء الطائرات في مثلث برمودا

في الساعة الرابعة بعد الظهر، عاد الاتصال مرة أخرى بين القاعدة والسرب 19، حين تلقت رسالة مفاجئة نصها: «لا ندري أين نحن بالتحديد.. أعتقد أننا نطير على ارتفاع 225 ميلاً من الاتجاه الشمالي الشرقي للقاعدة.. لا بد أننا قد مررنا بفلوريدا وأعتقد أننا الآن فوق خليج المكسيك». أعرب قائد السرب بعد ذلك عن شروعه في الدوران 18 درجة على أمل أن يعود مرة أخرى إلى فلوريدا، ولكن بدأ الاتصال يضعف تدريجياً، وبعد ذلك انقطع تماماً، مما دل على أنه قد عمد للدوران في اتجاه خاطئ بعيداً عن فلوريدا.

تشير بعض التقارير الرسمية إلى أن آخر ما سمعته القاعدة بعد ذلك من قائد السرب كانت عبارة: «إنه يبدو كأننا نطير».. في حين ذكر تقرير آخر أن تكملة الجملة كانت: «إنه يبدو كأننا نطير فوق مياه بيضاء.. لقد فقدنا تمامًا».

في الوقت نفسه، تلقت القاعدة رسالة من طائرة البحث مارتين مارينز أشارت إلى سوء حالة المناخ في المنطقة التي تطير بها، ووجود رياح عنيفة تعلوها بـ6 آلاف قدم، ولكن لم تُدل الرسالة على أي معلومات أخرى. انقطع بعد ذلك الاتصال بالطائرة مارتين مارينز ولم يصل منها بعد تلك الرسالة أية رسائل أخرى.

خرجت وحدات أخرى من الطائرات والقوارب واللانشات لاستمرار البحث عن السرب 19 والطائرة مارتين مارينز حتى حلول الظلام ولكن دون جدوى. ومع حلول الفجر، خرجت أكبر قوة للبحث في التاريخ، تضمنت ما يزيد على 300 طائرة من مختلف الأنواع، إضافة لمئات القوارب واللانشات وعدد كبير من الغواصات، ولكنها لم تستدل على أي أثر للطائرات المفقودة أو أي فرد من طاقمها!

خاتمة: لغز برمودا.. حقيقة أم أسطورة؟

يظل مثلث برمودا واحداً من أكثر الألغاز المحيطية إثارة للجدل والفضول، في حين بينما تُقدم بعض التفسيرات العلمية، مثل الدوامات المغناطيسية والتيارات البحرية، محاولات لـفك شفرة هذه الظواهر الغامضة، فإن الطبيعة المروعة لحوادث الاختفاء التام للسفن والطائرات تُبقي على هالة من الغموض تحيط بالمنطقة. سواء كانت الأسباب طبيعية بحتة، أو أن هناك عوامل أخرى لم تُكتشف بعد، فإن قصص مثلث برمودا تظل تُمثل جزءًا مهمًا من تاريخ الملاحة والأساطير البحرية. ويبقى السؤال قائمًا: هل يأتي اليوم الذي يُكشف فيه الستار عن حقيقة ما يحدث في هذا المثلث الغامض؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة