وحة «الموناليزا» هي ليست لوحة رُسمت بيد الرسام والعالم والمهندس الإيطالي العبقري ليوناردو دافنشي فحسب، بل هي لغز فني وثقافي حيَّر العالم أكثر من خمسة قرون. بدأ دافنشي العمل عليها نحو عام 1503م واستمر في تنقيحها حتى قرب وفاته عام 1517م تقريبًا، لكن هوس دافنشي بهذه اللوحة كان مختلفًا حتى إنه لم يُسلِّم هذه اللوحة قط لصاحبها الأصلي.
من المرأة في لوحة الموناليزا؟
اختلف المؤرخون حول من هي «الموناليزا»، لكن الاعتقاد الأقرب للصواب هو أن «الموناليزا» هي ليزا ديل جوكوندو، وهي من عائلة غيرارديني النبيلة، تزوجت في سن مبكرة من تاجر الحرير فرانشيسكو ديل جوكوندو. عاشت حياةً مريحة وعادية. وهو الرأي الذي يعتمده متحف اللوفر (Louvre Museum) حيث تُعرض اللوحة اليوم.

ويوجد اعتقاد آخر بأن «الموناليزا» هي محاكاة لوجه ليوناردو دافنشي نفسه، والدليل على ذلك أن تقسيم وجه «الموناليزا» هو نفسه تقسيم وجه دافنشي.
اختلفت الآراء والإبداع واحد، لكن المؤكد أن دافنشي لم يلتزم بميعاد التسليم، وكانت «الموناليزا» رفيقة دائمة له. ومن الأرجح أن دافنشي لم يُنهِ «الموناليزا» لأن اللوحة بلا حواجب.
سر ابتسامة الموناليزا الغامضة
«تبتسم لك أم تسخر منك؟!» هذا دائمًا ما يتردد على مَن يرى «الموناليزا». ما وراء هذه الابتسامة نصفِ المكتملة؟! هل هي ابتسامة هدوء أم ابتسامة مكر؟! هي تبدو مزيجًا من الفرح والحزن والسخرية. ليوناردو دافنشي كان بارعًا في رسم تعبيرات الوجه، إذ صوّر في اللوحة نصفين من الوجه بتعبيرات مختلفة، وهو ما يجعل الابتسامة تظهر وتختفي عند النظر من زوايا مختلفة. وراء هذا الإتقان دراسةُ دافنشي للتشريح على الرغم من تشدد الكنيسة آنذاك.

التقنيات الفنية الثورية لدافنشي
يكمن جزء كبير من سر ابتسامة الموناليزا في التقنيات الرائدة التي ابتكرها أو أتقنها ليوناردو دافنشي:
-
تقنية الإسفوماتو (Sfumato): وتعني بالإيطالية "دخان". وهي تقنية تعتمد على مزج الألوان والانتقالات بين الظل والنور بسلاسة فائقة دون وجود خطوط حادة. استخدمها دافنشي بعبقرية في زوايا العينين والفم، مما يجعل تعابير الوجه تبدو غامضة ومتغيرة، حيث لا يمكن للعين تحديد النقطة التي تبدأ فيها الابتسامة أو تنتهي.
-
تقنية الكياروسكورو (Chiaroscuro): وهي الاستخدام المتقن للتباين بين الضوء والظلام الشديدين لإعطاء اللوحة عمقًا وبعدًا ثلاثيًا، مما يجعل شخصية الموناليزا تبدو وكأنها ستنهض من اللوحة.
لماذا لوحة الموناليزا مشهورة وتعد تحفة فنية؟
شهرة الموناليزا لا تعود فقط لابتسامتها أو قصة سرقتها، بل لكونها مثلت ثورة في عالم فن البورتريه. قبلها، كانت معظم البورتريهات جامدة ورسمية. لكن دافنشي رسم شخصية حية تتفاعل مع المشاهد، بخلفية طبيعية خيالية ووضعية جسد مريحة. لقد حوّل البورتريه من مجرد تسجيل للملامح إلى دراسة عميقة للشخصية والنفس البشرية، وهذا هو سر عبقريتها الحقيقي.
تاريخ الموناليزا: من غرفة نوم نابليون إلى أشهر سرقة فنية
من الجدير بالذكر أن «الموناليزا» كانت في غرفة نوم نابليون بونابرت، وكان ذلك مؤقتًا حتى يكتمل بناء متحف جديد، موقع-ه في باريس يُسمَّى متحف اللوفر. وإلى يومنا هذا تقع «الموناليزا» في متحف اللوفر داخل جدار مضاد للرصاص والزلازل. من أشهر محاولات السرقة ما حدث في أغسطس عام 1911، إذ سرقها الإيطالي فينتشنزو بيروجي الذي كان يعمل في المتحف، تمكن من الدخول والخروج بسهولة ويخفيها تحت معطفه.

حاول بيروجي بيعها لفنانٍ إيطاليّ، فأبلغ بدوره السلطات، فتم القبض عليه وإعادة اللوحة. وعلى الرغم من أن بيروجي كان ينتظر أن يتحوَّل إلى بطل قومي لأنه أعاد اللوحة إلى موطنها الأصلي، فإن العكس هو ما حدث. استغرقت هذه السرقة عامين تقريبًا، وقد زادت هذه الحادثة الشهيرة من شهرة «الموناليزا» عالميًا.
الموناليزا إرث خالد من الفن والغموض
في النهاية، تظل لوحة الموناليزا أكثر من تحفة فنية من عصر النهضة؛ إنها ظاهرة ثقافية عالمية، لقد نجح ليوناردو دافنشي في أن يخلد ليس فقط وجه ليزا ديل جوكوندو، بل لغزًا أبديًا حول طبيعة المشاعر الإنسانية. إن اجتماع العبقرية الفنية، والغموض النفسي، والتاريخ المثير هو ما يضمن بقاء الموناليزا أشهر وأثمن لوحة في العالم إلى الأبد.
عندنا في بلدي هناك قولٌ دائمًا ما تُقال: «الحق يُقال… ارسم يا فنان»، ولوحة «الموناليزا» هي أقوى تعبير على أن دافنشي لم يكن مثل أي فنان ورسام. عبقرية اللوحة كانت كافية لأن تجعله يتربع على صفوة فناني العالم في جميع العصور.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.