استيلاء الفرثيين على سوريا سنة 40ق.م واستعادة الرومان لها

إن انشغال الرومان بمشكلاتهم الداخلية صرفهم عن الثأر لهزيمة حران سنة 53ق.م، ولسنا بصدد دراسة تلك المشكلات، فإننا نشير إلى أن مقتل القائد كراسوس أحدث أزمة في روما بين القائدين بومبي ويوليوس قيصر المتنافسين على الحكم.

صرف نظرهما عن الالتفات إلى الفرثيين، ومع أن تلك الأزمة انتهت بانهزام القائد بومبي أمام يوليوس قيصر في معركة (فارسالوس Pharsalus)، التي وقعت في 9 أيلول سنة 48 ق.م، وهروبه إلى مصر ومقتله بعد مدة قصيرة هناك.

اقرأ ايضاً ما لا تعرفه عن الحروب الفرثية والسلوقية

ماذا حدث بعد مقتل القائد بومبي أمام يوليوس قيصر؟

وعلى إثر ذلك أصبح يوليوس قيصر السيد والحاكم المطلق في روما، لكنه مع ذلك لم يفكر في الثأر من الفرثيين إلا سنة 44 ق.م، وقد يعود السبب في ذلك إلى أن الفرثيين لم يكونوا يشكلون خطرًا كبيرًا يهدد مركز حكمه.

فقد انشغل في السنوات 48- 44 ق.م بتوطيد ذلك الحكم، بالقضاء على أعدائه المناوئين له في مصر وإفريقية وبلاد الغال (فرنسا) وبلاد البنتس، ومهما يكن الأمر فإن محاولة يوليوس قيصر للثأر من الفرثيين ذهبت أدراج الريح؛ لأنه اغتيل قبل أن يحقق ذلك، ويُذكر أنه أعد لذلك الغرض ست عشرة فرقة رومانية.

أعقب مقتل يوليوس قيصر فوضى واضطراب في الدولة الرومانية سببها النزاع على الحكم بين كل من (أنطونيوس Antonius) و(مارك أنطوني) و(أغسطس Augustus) (أكتافيانوس)، ثم أضيف إليهما طرف ثالث وهو (ليبدوس Lepidus)، ولم تنتهِ تلك الفوضى إلا سنة 43 ق.م.

فقد اتفق القادة الثلاثة المتنازعون على تكوين حكومة ثلاثية مدة خمس سنوات يحكم أنطونيوس القسم الشرقي من الإمبراطورية ويحكم أغسطس القسم الغربي، في حين يحكم ليبدوس شمال إفريقيا عدا مصر، واتفق على ضرب ومعاقبة قاتلي يوليوس قيصر، وهما (كاسيوس Cassius) و(بروتوس Brutus).

أما الفرثيون فيظهر من سير الأحداث أنهم كانوا يراقبون الوضع المضطرب في الدولة الرومانية، وأنهم لم يتوانوا عن انتهاز أي فرصة تمكنهم من إضعاف تلك الدولة أكثر، ومن ثم تحقيق ما يمكن تحقيقه من مكاسب على حسابها، وما يدل على ذلك ما ذكرته المصادر من أن الملك (أرد الأول) استجاب لطلب (كنتوس لابينوس Quintus Labienus).

الذي بعثه قاتلا يوليوس قيصر وهما كاسيوس وبروتوس، وأنه أرسل لمساعدتهما عددًا من الجنود الفرثيين شاركوا إلى جانبيهما في معركة فيليبي (Philipii) التي خاضاها سنة 42 ق.م ضد منافسيهما على الحكم في الغرب أنطونيوس وأغسطس وليبدوس التي أسفرت عن انتصار الأخيرين.

وعلى ذلك لم يُنهِ الانتصار حالة الفوضى والاضطراب في الدولة الرومانية، فتجد النزاع الداخلي فيما بين القادة الثلاث في الحكومة الثلاثية فشغلهم ذلك عن محاربة الفرثيين الذين بادروا إلى الاستفادة من تلك الأوضـاع لصالحهم، فبذل ملكهم (أرد الأول) محاولة جديدة للاستيلاء على سوريا.

التي أصبحت من حصة القائد الروماني أنطونيوس (41-36ق.م)، الذي بدوره عهد بحكمها إلى نائبه (ديسيديوس ساكسا Decidus Saxa) بينما توجه هو نحو مصر، وظل بها حتى سنة 40 ق.م، ثم غادرها إلى روما ليخوض حربًا أهلية جديدة ضد منافسه أغسطس.

استغل الملك الفرثي (أرد الأول) تلك الأوضاع فأرسل سنة 40 ق.م ابنه باكروس وبرفقته القائد الروماني اللاجئ كنتوس لابينوس للاستيلاء على سوريا، فتمكنا من الاستيلاء على المدن والمناطق الواقعة بين نهر الفرات وأنتيوخيا، ثم انقسم الجيش الفرثي إلى قسمين؛ أحدهما كان بقيادة الأمير الفرثي باكروس الذي تقدم جنوبًا.

واستولى على سوريا بعد أن قتل حاكمها (ديسيديوس ساكسا)، واستولى على فلسطين، ويذكر أنه وجد أورشليم (بيت المقدس) في حالة من الاضطراب الداخلي، فقد كان يتنازع على عرشها شخصان همــا هيركانـوس وأنتيكونوس، العم وابن أخيه، وقد جعل باكروس عرش فلسطين إلى أنتيكونوس بصفته تابعًا إلى الدولة الفرثية بعد أن قدم له الأخير 340 ألف ليرة ذهب وخمسمئة امرأة يهودية.

اقرأ ايضاً القضاء على سكتوس بومبي وتفرد أوكتافيوس بحكم الغرب

على ماذا استولى القائد الروماني لابينوس؟

أما القائد الروماني اللاجئ (لابينوس) فقد اتجه شمالًا نحو آسيا الصغرى وتمكن من الاستيلاء على الجزء الأكبر منها في السنة نفسها أي سنة 40 ق.م، ويذكر أن السوريين نعموا بالرخاء في حكم الأمير الفرثي باكروس الذي استمر سنة واحدة (40 –39ق.م) لعدالته، ولأنه خلصهم من الاضطرابات.

ويذكر أن القائد الروماني اللاجئ لابينوس بعد استيلائه على آسيا الصغرى سك نقودًا نقش على الوجه الأول صورته، وقيل صورة الملك الفرثي (أرد الأول)، وعلى الوجه الثاني صورة أحد الجياد الفرثية، وهذا يعني أنه حكم آسيا الصغرى بصفته تابعًا للدولة الفرثية، وأن امتداد نفوذ الدولة الفرثية إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط يعني أنهم صاروا يشكلون خطرًا كبيرًا على الرومان.

 

وقد أدرك القائد الروماني أنطونيوس الذي كان في مصر آنذاك الخطر الذي يتهدد بلاده، فأخذ يستعد إلى تأديب الفرثيين، وإعادة توطيد النفوذ الروماني في الشرق، غير أن تصرفات منافسه أغسطس في روما جعلته يؤجل مشروعه ذلك، ويعود إلى إيطاليا لتصفية حساباته مع ذلك المنافس.

وقد عهد بولاية سوريا إلى قائده (فنتيديوس باسوسVentidius Bassus  39-38ق.م)، وأوكل إليه مهمة التصدي للفرثيين وطردهم منها، فحشد الأخير قواته واستعد لذلك، وقد انطوت خطته على محاربة القائد الروماني الخائن لابينوس في آسيا الصغرى أولًا لأسباب، منها أن تصرفات ذلك القائد الوحشية هناك أثارت استياءه.

وكذلك قلة الجيش الفرثي الموجود معه شجعه على ذلك، وفعلًا أجبر سنة 39 ق.م لابينوس على الانسحاب من المناطق التي استولى عليها في آسيا الصغرى، ولم تحول القوة التي أرسلها الأمير الفرثي باكروس لمساعدته بعد انسحابه -أي لابينوس- إلى كيليكيا دون هزيمته هناك، واستيلاء القائد الروماني فنتيديوس على المدينة.

وبعد ذلك النجاح تمكن سنة 38ق.م من إلحاق الهزيمة بالجيش الفرثي الذي يقوده المير باكروس في معركة جرت شمال سوريا بالقرب من نهر الفرات عرفت بمعركة جندراس قتل فيها الأمير باكروس، ويقال إنها حدثت في الذكرى السنوية لمعركة التي انهزم فيها الرومان أي في حزيران سنة 38ق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة